شعريّة الإضافة أم تدوير الماس

يدير أكثر شعراء العربيّة المعاصرين صورهم الشعريّة على التركيب، بالإضافة (مضاف ومضاف إليه)، ويصرفونها إلى ما هو آنيّ مباغت غير متوقّع؛ لا يقاس ولا يشترك مع فنّ آخر في القياس.

والصورة شكل، والشكل يدمى عندما يشرخ؛ ومن حقّ الشعراء أن يشرّحوا اللغة، وأن يستخرجوا خباياها وخفاياها، ولكن من حقّنا عليهم أن ينفخوا فيها حياة أخرى لهم أو لنا؛ على أن يعيدوا خياطة أحشائها بخيوط اللغة. والشعر، وتاريخه خير شاهد، ليس عماء وفوضى، أو تدوير الماس في فرن أفقي؛ حتى إن حوى قدرا من ذلك قد يكون علامة على جهد الشاعر في قول شيء جديد بطريقة جديدة، أو إيهامنا بأنّ الصورة لديه غريزيّة، أو بأنّه يكتب كما يكتب الأطفال والعصاميّون بعيدا عن أيّ تأثير فنيّ أو مدرسيّ؛ فلا اعتراض على هذا، إذ كلّنا يسلّم بالذاتيّة في الفنّ عامّة.

ينبغي أن نتساءل لم أطلق البلاغيّون والنّقاد الاستعارة على تراكيب بعينها ومنعوا إطلاقها على أخرى؟ أمردّ ذلك إلى التقليد أو الأنموذج وما اطّرد في صور التّراكيب الإضافيّة، وما استحصلوه منها من أحكام الإضافة وحسب؟

على أنّ السؤال هو كيف نميّز في هذا الشّعر «إضافة مجازيّة» من «إضافة حقيقيّة»؟ أهي إضافة تؤدّي عن نظام لغويّ مرتّب سلفا، يُعلم به أنّ حقّ الاسم أن يضاف إلى اسم دون آخر على ما يقتضيه الانسجام المنطقي بينهما، ويدلّ عليه، أم هي إضافة لا مرجع لها إلاّ ذاتيّة الخطاب الذي يصنعها على مقتضى منطق شعريّ خاصّ ووجهة نظر لغويّة ذاتيّة خالصة مقحمة بقوّة، في النّصّ؛ تفترض أحكامها على الأشياء وتتلاعب بأسمائها ومسمّياتها؟ أمّا إذا سلّمنا بضرورة الانسجام المنطقيّ في أيّ تركيب بالإضافة، فلا سبيل إلى الصّورة سوى التّعلّق بالمقولات النّحويّة من تعريف وتخصيص وتعيين وأخذ الحكم منها. ولن تكون الصّورة عندئذ أكثر من صدفة نتحيّل لها، حتّى تنشقّ عن ثمر أحكم الشّاعر نظم أجزائها، فهي تتقشر وتلين وتنفتح عمّا فيها من معنى خفيّ، هو ليس إلا المعنى الأصل. أمّا إذا سلّمنا بمنطق الشّعر فلا مناص من أن نسلك طريقا أخرى، ومن الإقرار بأنّ الصورة عمل في حقل التّمثّل اللّغويّ، يبيّن أنّ العالم هو قبل كلّ شيء خطاب في العالم، وقول وكلمة، وأنّ معناه ليس معطى سلفا من لدن ذات مفارقة، أو هو مجرّد مجلي أو كتاب «غير مكتوب» هو «كتاب الطّبيعة» الذي نتعرّف فيه إلى الخالق، ونتملّى قدرته وحكمته. وهذه «نظرة تتصوّر أنّ التّنوّع والاختلاف في الطّبيعة يمكن أن يتجمّع ويتآلف في بنية واحدة كلّية؛ إذا توصّل الإنسان إلى معرفتها أمكنه أن يضاهيها في عمله»، وأنّ العالم يطوي في علاماته الظّاهرة على دلالات خفيّة مضمرة، تنطق بها لغة خرساء سحريّة ذات أجراس وإشارات خافية، تتسمّى فيها الأشياء بدل أن نسمّيها؛ ويمكن أن تبلّغنا مراتب العرفان، ما أفلحنا في الإصغاء لها وفكّ معمّياتها. إنّما المعنى في هذه التّراكيب الإضافيّة يصنعه الخطاب على قدر ما تصنعه اللّغة أيضا، حتّى ليصعب أن نتميّز إضافة مجازيّة من أخرى حقيقيّة، أو معنى مجازيّا من معنى حقيقيّ.
وينبغي أن نتساءل لم أطلق البلاغيّون والنّقاد الاستعارة على تراكيب بعينها ومنعوا إطلاقها على أخرى؟ أمردّ ذلك إلى التقليد أو الأنموذج وما اطّرد في صور التّراكيب الإضافيّة، وما استحصلوه منها من أحكام الإضافة وحسب؟ أم إلى مصادرة دينيّة خفيّة تجري من نصوصهم مجرى التّضمّن على نحو ما تجري مفارقات الوجود البشري جميعها؟
الحقّ أنّنا نكاد لا نظفر بإجابة خارج المقولات البلاغيّة المقتضبة مثل زوج الحقيقة والمجاز، وأحكام اللّفظ المنقول من معناه إلى معنى يلابسه ورسومه. ولعلّ عبد القاهر الجرجاني، وهو الذي يستأنس به أكثرنا نحن الأساتذة المغاربيّين، كان الوحيد الذي عالج مسألة الإضافة في علاقتها بالمجاز، من منطلق معرفيّ؛ وميّز بين مجاز عقليّ في الإثبات، ومجاز لغويّ في المثبت، وخلص إلى أنّ الإضافة في الاسم كالإسناد في الفعل، وأنّ كلّ حكم واجب في إضافة المصدر من حقيقة أو مجاز، هو واجب في إسناد الفعل. وهو فصل ممتع من «أسرار البلاغة» يستشفّ أصول التّركيب الإضافي ويتبيّن أسراره الجماليّة، من خلال أمثلة وشواهد دقيقة، بعضها من المأثور الجاري في العرف والعادة، وبعضها من القرآن والشعر. ونراه يتطلّب ضالّته، ملتزما القاعدة البلاغيّة النّحويّة، ولكنّه لا يجعلها تتمكّن من مساحة أكبر مما هو مقدّر لها. هذا فضلا عن صبره العجيب في حل ما التفّ من نسيج كلّ تركيب، وفكّ ما أُحكم من عقده وأُبرم.
يرى عبد القاهر أنّ الحكم في الجملة بمجاز أو حقيقة، يقتضي أن ننظر إليها من
جهتين: إحداهما من جهة الإثبات إن كان في موضعه، أم قد زال عن الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه. ومثاله إسناد الشيب إلى الأيّام والليالي أي إلى غير فاعله الحقيقيّ «لأن من حقّ هذا الإثبات أعني إثبات الشّيب فعلا، أن لا يكون إلاّ مع أسماء الله تعالى، فليس يصحّ وجود الشّيب فعلا لغير القديم سبحانه».
والثاّنية من جهة المثبت أو المعنى المثبت أي ما وقع عليه الإثبات ومثاله الآية: «أو من كان ميّتا فأحييناهُ وجعلنا له نورا يمشي به في النّاس» فالمجاز واقع في المثبت وهو الحياة، فيما الإثبات واقع على حقيقته.

النّظريّة البلاغيّة عند العرب ترجع شأنها شأن سائر علومهم وفنونهم إلى المختلف الدّينيّ أو العقديّ.

وسؤال عبد القاهر: «هل تعلم لك سبيلا في هذه الإضافات إلى التّعلّق باللّغة وأخذ الحكم عليها منها أم تعلم امتناع ذلك عليك؟ وكيف والإضافة لا تكون حتّى تستقرّ اللّغة، ويستحيل أن يكون للّغة حكم في الإضافة ورسم، حتّى يعلم بها أنّ حقّ الاسم أن يضاف إلى هذا دون ذلك» هو سؤال استشرافيّ حقّا؛ إذ أكثر الشعر الحديث يدير الصورة على التركيب بالإضافة. ولكن ما يفسد هذه الرؤية الاستشرافيّة، أنّ المقاييس التي يضعها عبد القاهر للحكم على الجملة بأنّها مجاز، ليست مقاييس شعريّة أو بلاغيّة أو علميّة خالصة، بل تشوبها رؤية دينيّة صريحة، إذ ينبغي في تقديره أن نعلم من «اعتقاد المتكلّم أنّه لا يثبت الفعل، إلاّ للقادر، وأنّه لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة. فطريق الحكم على الكلام بالمجاز أن تعلم اعتقادهم التّوحيد إمّا بمعرفة أحوالهم السّابقة، أو بأن تجد في كلامهم من بعد إطلاق هذا النّحو ما يكشف عن قصد المجاز فيه». وقد ساق أمثلة من القرآن أثبت الفعل في جميعها لما لا يثبت له فعل إذا رجعنا إلى المعقول على معنى السبب، ليستنتج أنّ القول بالمجاز يستدعي إنعام نظر وإمعان فكر «والنّكتة أنّ المجاز لم يكن مجازا، لأنّه إثبات الحكم لغير مستحقّه، بل لأنّه أثبت لما لا يستحقّ، تشبيها وردّا له إلى ما يستحقّ».
كل هذا يعزّز رأينا في أنّ «المعنى الحقيقيّ» في الشعر ليس بالوضوح الذي نتصوّره. والنّظريّة البلاغيّة عند العرب ترجع شأنها شأن سائر علومهم وفنونهم إلى المختلف الدّينيّ أو العقديّ. وهي بلاغة حجاجيّة في جانب كبير منها، وسمها الخلاف بين الملل والنّحل بميسمه. وعبد القاهر لا يستثنى ولا يخرج، وهو الأشعري؛ من هذا الحكم. وما نخاله في تفريقه بين الحقيقة والمجاز، إلاّ أقرب ما يكون إلى صفة المتكلّم الذي يجعل أفكاره في خدمة منطقه الدّينيّ. ومن هذا الجانب فإنّ نظريّته تظلّ ـ على طرافتها ـ تابعا من توابع الرّؤية الدّينيّة، وإن في هذا الاحتكام إلى اعتقاد المتكلّم في ما يتعلّق بضروب من الصّور المجازيّة. وأغلب الظّنّ أنّ قدرا من الخلط لابدّ أن يترتّب على هذا الالتباس بين ما هو دينيّ وما هو بلاغيّ، فيكون الانزلاق من معنى «ظاهر» إلى آخر «مضمر» أو الفصل القاطع بينهما بدون وعي ظاهر وبغير جليّة. وعلى الرغم من أنّنا لسنا بصدد الخوض في نظريّة عبد القاهر، وإنّما هي فسحة كان لا بدّ منها عسى أن نوضّح المنطق القديم في التّمييز بين «حقيقة» و«مجاز»، أو بين «ظاهر» و«مضمر»؛ فإنّ هذا الخطاب البلاغيّ الذي ينوّه بالعقل ويحتكم إليه، يستمدّ وظيفته من كونه «يعقل عن الله» إمّا «بفكر ونظر» أو «ببصيرة ومعرفة»؛ أي أنّه منشدّ أبدا إلى رؤية دينيّة، بل إنّ هذه النّظرة «العقليّة «التي تبحث في المجاز، لتردّ من تفريط قوم فيه بلزوم الظّواهر، ومن إفراط آخرين فيه بالعدول عن الظّاهر والإغراب في التّأويل، إنّما تجد إطارها المرجعيّ في «العقل الأشعريّ»؛ وتكاد لا تبرح دائرة الاشتقاق اللّغويّ الذي يعتبر العقل مأخوذا من «عقل الدّابّة» أي إذا جمع قوائمها ومنعها من الحركة؛ وليس العقل القادر على تشكيل المعرفة وتصوّرها وترتيبها في حيّز المفاهيم المجرّدة.

٭ كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية