بيتنا الافريقي: الكاتب اليتيم

اليوم ثمة أكثر من افريقيا: افريقيا الكذبة القائلة إن الاستعمار كان في جوهره مشروعا حضاريا، ساهم في تحديث المجتمعات الافريقية، التي لم تتطور لانعدام وجود دولة، بما يشير إلى «سبات بشري» مختلف عن «سبات حيوان»، لأن «الإنسان الحيوان» كالطفل الذي لا يعقل، ولكن يمكن أن يصبح عقلانيا؛ بينما لا يملك الحيوان أي إمكان لإدراك نفسه.
وثمة افريقيا «النخب الفرنسية الجديدة» الريفية الساحرة، التي يتعايش فيها الأحياء والأموات، الذين لم يفقدوا أصواتهم في فوضى «بابل الأصوات»، والآلهة التي تغني في الأنهار وتختبئ في الأدغال. وثمة افريقيا الافريقية التي يكتبها أبناؤها، وهم لها وعليها: أفريقيا سوينكا وكريستوفر أوكيغبو وجي بي كلارك وتشينوا أتشيبي، وغيرهم من الذين أرسوا أسس التقاليد الأدبية الافريقية المناهضة للعبودية والاستعمار، الناطقة بالإنكليزية والفرنسية مثل سنغور وإيمي سيزار وديوب؛ في ما اصطلح عليه بـ«الزنوجة» التيار الأدبي والسياسي المعروف. وعلى الرغم من هذا التحول، فإن الكاتب الافريقي لا يزال «كاتبا يتيما». وقد ترسخت لديّ هذه الصورة منذ أن حضرت أواخر التسعينيات، بدعوة من اليونسكو مع ستين كاتبا افريقيا، المؤتمر الأول للكتاب الافارقة، الذي انعقد في مدينة أصيلة المغربية. كان المؤتمر حدثا ثقافيا، إذ هي المرة الأولى التي يلتقي فيها كتاب وشعراء من شتى أنحاء القارة: من المغرب وتونس والجزائر ومصر والكونغو والسنغال ومدغشقر والكوت دي فوار وجيبوتي وأوغندا… بمبادرة من الراحل محمد بن عيسى؛ ليناقشوا الكتابات الافريقية والمستقبل في جلسات حية خصصت لمكانة الكاتب الافريقي في المجتمع الافريقي، والكتابة الافريقية في علاقتها بالهوية والمخيال، وقضية التواصل بين كتاب القارة. وهي قضايا من المتعود الثقافي، أو هي لا تزال عالقة بأذيال الأيديولوجيا، وتكاد تُغفل أن وعي الكتابة، إنما هو وعي في الكتابة ذاتها؛ وليس بحثا في قضايا هي من مشمولات وزارات الثقافة في افريقيا أو اليونسكو أو منظمة الوحدة الافريقية.
وأي حديث يستقيم عن مكانة الكاتب الافريقي في ظل «خيارات» يكاد أكثرها لا يعير التفاتا لمكونات المجتمع المدني ومستلزماته، من مؤسسات ثقافية مستقلة؟ وهل يشفع لثقافتنا وقارتنا فوز ثلاثة من أبنائها بجائزة نوبل؟ لقد تعزز لديّ الانطباع ولا يزال، بأن الكاتب الافريقي «كاتب يتيم» سواء كتب بلغته أم بلغة الآخر، فثمة هوة عميقة بين اللغة الفرنسية وهي لغة الأدب عند هؤلاء، واللغة المحلية التي يكتسبونها منذ الطفولة. وقد استمعت إلى كاتبة من مدغشقر «ميشيل» تقول، إنها تستشعر أنوثتها، وتحتفي بعالم المرأة الحميم؛ وتشحذ جرأتها في الفرنسية، وليس في لغتها المحلية التي يكتب بها وفيها أكثر الرجال في بلدها. وقد شاطرنها هذا الرأي جل الحاضرات، ولم تشذ سوى «مرياما ندوي بنج»[مريم] السنغالية؛ فقد اعترفت وهي المسلمة بأنها متحفظة حتى في الكتابة بالفرنسية. وهذا ما وقفت عليه في كتابها القصصي الصادر بالفرنسية «روائح الطفولة» 1995؛ وهي تحاول فيه أن تسترجع عالم الطفولة المندثر، بفرنسية أنيقة، بل «عالية» تخلو من لغة الأطفال، إلا في مواضع قليلة.
ولا بد من التذكير في هذا السياق، بسمتين تلازمان وضع الفرنسية في افريقيا السوداء والمغرب العربي، والشام بالنسبة إلى البعض، فهي إرث التاريخ أو هبته، مثلما هي إرث الاستعمار أو أثره. على أن ظهور الأدب العربي أو المغاربي الناطق بالفرنسية، وإنْ في شكل أشعار بارناسية وحكايات شعبية، وقصص محلية «عرقية»؛ وهو الذي تنسب أبوته إلى الاستعمار، شكّل عند أحد أبرز المستعربين وهو جاك بيرك، «مفاجأة إنهاء الاستعمار الغامضة آنَ كانت سياسة كارثية تقطع صلتنا [الفرنسيون] بالشرق».
كان لا بد من أخذ هذا «القرين» بالاعتبار، وهو جزء من ثقافة المغاربيين عامة؛ أما تنزيله في آدابهم ذات اللسان العربي، أو حمله على وجه من «التعددية اللغوية»، فقد يكون من الدعاوى الموهومة. والأدب مهما يكن الموقف منه؛ هو ملتقى حقين: الحق التاريخي (الانتماء إلى العالم العربي) والحق الأدبي (اللغة العربية).
على أن احتفاء الأوروبيين بأدبنا المكتوب بلغاتهم (الفرنسية خاصة) لم يفضِ إلى أدب متوسطي تتجاوب فيه لغات البحر الأبيض المتوسط، تلك التي وسمتها العربية بميسمها مثل الإسبانية والبرتغالية والإيطالية والفرنسية؛ ولا هو مهد السبيل لبعث «متخيل» متوسطي.
لكن إذا كانت الآداب المغاربية (في تونس والمغرب والجزائر) المكتوبة بالعربية ترجع إلى الحقبة الأولى من الفتح العربي؛ فإن قرينتها المكتوبة بالفرنسية حديثة الميلاد، إذ نشأت خلال الحقبة الاستعمارية، وتحديدا في النصف الأول من القرن العشرين، بل إن الفرنسي جون ديجو يرجع ظهورها من منظور أدبي جمالي خالص، إلى الخمسينيات من القرن الماضي. وهو يعزو ذلك إلى أسباب من أبرزها الدور الذي نهضت به بعض دور النشر في التعريف بهذه الآداب ذات اللسان الفرنسي.
والواقع اليوم أن الفرنسية المنتشرة بشكل أو بآخر في جميع القارات، بدأت تخلي المشهد لصالح اللغة الإنكليزية، من حيث هي لغة عالمية هي لغة الحداثة. لكن الفرنسية وإن لم تعد منذ عقود في الصدارة، لا تزال لغة علم وحداثة، على الرغم من ناقوس الخطر الذي يدق في مواجهة التدهور اللغوي في فرنسا نفسها؟ والسؤال نفسه يطرح في شمال افريقيا كله، بما في ذلك الجزائر. والحق أن الفرنسية تحرر كثيرا منا من ثقل التقاليد، سواء عند من يكتب بها، أو من يتعلم منها ومن آدابها. صحيح أن الفرنسية ليست في أفضل حالاتها، الأمر الذي يستدعي تشخيصا عميقا لوضعها، من حيث هي اليوم ليست أكثر من «لغة إقليمية» بعبارة إميل سيوران. وصحيح أيضا أنها من دون أدب عظيم لن تكون سوى صدفة فارغة. وهذا الأدب المغاربي الناطق بالفرنسية هو كما يقول رشيد ميموني (1945/1995) هو «أدب الأمر الواقع»، الذي لم نتدبر له مستقبلا ولا وضعا.
أتذكر اليوم أن الجلسة اللافتة هي التي كان محورها المخيال والهوية في الكتابات الافريقية، وقد تميزت بتدخلات الطيب صالح والطاهر البكري من تونس وهنري لوبيز منسق اليونسكو وسمبان عصمان السنغالي… وفيها سُلط الضوء على لغة يكتسبها الكاتب منذ طفولته، ويستعملها في كل ما هو يومي ومعيش، ولغة يتعلمها في المدرسة مثل العربية الفصحى؛ ثم يكتب بها. فهو كاتب «ممزق» أو «موزع» بين عالمين لغويين.. وتلك معضلته إذ كيف له أن يجسر الهوة بين مخيال الطفولة الضارب بجذوره في أغوار اللاشعور عند أي فرد منا، ومخيال ترسيه الفصحى بكل ما تكتنز من تراث وتاريخ؛ وهي لغة رياضية، صورة من «الجذر التربيعي» كُنه اللغة العربية وأصلها، كما قال لنا المستشرق الفرنسي ريجيس بلشير أواخر الستينيات في الجامعة التونسية. والعربية هي اللغة السامية الوحيدة التي ترتكز على وزن واحد، تتولد منه فروع اللغة وأغصانها وأوراقها. ومن الميسور دائما إرجاع كل الكلمات العربية من أسماء وأفعال، إلى ذلك الجذر؛ ما جاء منها على وزن اسم الفاعل، أو على وزن اسم المفعول، أو المصدر أو اسم الآلة أو أفعل التفضيل، والأغرب أن كل هذه الصيغ الاشتقاقية صيغ وزنية إيقاعية. وبسبب من ذلك سماها العرب أوزانا، لا في علم العروض فقط، وإنما في علم الصرف أيضا، وعددها لا يتجاوز العشرين.
ما أزال أتذكر مداخلتي، وقد شبهت علاقة الكاتب العربي والافريقي عامة بلغته، بأسطورة جودر، أحد أبطال ألف ليلة وليلة بأمه غير الحقيقية. وجودر يتوهم أنه من أجل الظفر بكنز، كان يعري أمه؛ ثم يدرك أنها لم تكن أمه الحقيقية، وإنما شبحها. ولعل هذه الأسطورة تساعد أكثر على استجلاء موضوعات مثل الحب والموت والخوف والقلق؛ وتسمح بالحديث عن علاقة بين جسد الطفل وجسد الأم؛ خالية من كل شعور بالذنب. فإذا كان «أوديب» الغربي آثما يرزح تحت وطأة الجريمة التي ارتكبها، فإن جودر العربي لم ير الأم عارية إلا بسبب من الخيالات الفاسدة، والهلوسات البصرية. وجسد «الأم» العاري الذي رآه، لم يكن إلا جسدا متخيلا أو شبحا بلا روح، بل إن جودر على عكس «أوديب» يتبين أن الفعل الذي أتاه لم يكن إلا تحريرا لذاته ولأمه معا. قد لا يعدم القارئ إذن علاقة «حقيقية» أو «متخيلة» بين ذات الكاتب وهو يكتب بلغة «المستعمر» وذاته وهو يعيش ويحيا ويحلم ويتخيل بلغته الأم. لكنه قد لا يقدر على تحرير نفسه ونصه من «فرضية الخيال»؛ حتى وهو يتمثل تجربة «واقعية»، أو هي «قابلة للوقوع». وهذا ما يجعل النص في جانبه الأغنى، عند جل الكتاب الافارقة من عرب وغيرهم، يأخذ بـ»ميثاق» السيرة؛ على الرغم من أن القارئ لا يملك أي وسيلة لاختبار «واقعيته».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية