■ فاشية جديدة مطوّرة هذه التي تعنتقها إسرائيل وفاشيّوها المستوطنون الذين يطبقون أساليبها في التفنن بقتل الأحياء، حتى الأطفال، فهم لا يتوانون عن ممارستها بحقهم. لقد أعلن النائب العام الفلسطيني في الضفة الغربية، أن التشريح الأولي لجثمان الشهيد الفتى محمد أبو خضير من القدس الشرقية، الذي خطفه المستوطنون الإسرائيليون وقتلوه بطريقة وحشية بشعة، أظهر أنهم أحرقوه حيّاً. لقد سكبوا البنزين في فمه وعلى جسمه وأشعلوا فيه النار، التي التهمته حتى لم يتبق من جثمانه سوى أجزاء محروقة قليلة لم تملأ حتى كيسا صغيرا.
لقد أثبت التشريح وجود مادة (الشحبار) في منطقة البلعوم والرئتين، الأمر الذي يدّل على أن عملية حرقه أجريت وهو على قيد الحياة. كما أظهر التشريح أن الحروق تغطي 90٪ من سطح الجسم، وأن منطقة الرأس تعرضت لإصابة «بجروح رضيّة» وتم أخذ عينات ومسحات من سوائل وأنسجة الجسم لفحصها مخبرياً لإعداد تقرير طبي نهائي. إصابات الرأس تدل على أنه تم تعذيبه بعصي أو بأعقاب بنادق يحملها الفاعلون.
الكيان الصهيوني وفي خطوةٍ يُقصد منها امتصاص الغضب الدولي الذي استنكر هذه الجريمة البشعة، أعلن في بيانٍ رسمي أن أجهزة أمنة تمكنت من القبض على الفاعلين ليتبين أنهم حاخام وأبناؤه، تصوروا أن يقوم من يُفترض به أنه «رجل دين» بهذه الجريمة النكراء، لا نستغرب ذلك في الحالة الصهيونية، فالحاخامات في دولة الكيان ليسوا استثناء من غالبية الشارع الإسرائيلي الذي تقوده عصابات ليست أكثر من قُطّاع طرق، بل تفوقت الصهيونية عليهم في وسائلها. تعاليم الحاخامات في المدارس الدينية: «يجوز قتل العربي حتى الطفل من العرب» وشعار «العرب ليسوا أكثر من صراصير وأفاع»، وشعار «العربي الجيد هو العربي الميت»، إلى غير ذلك من التعاليم الحاقدة العنصرية التي تُفتّي «بأن كل الأغيار- غير اليهود- ليسوا أكثر من عبيد يتوجب أن يكونوا عبيداً لليهود». لا نستغرب هذا الفعل الشنيع والمخُزي من رجل دين مارست حكوماته المتعاقبة مذابح لا تُعدّ ولا تُحصى بحق الفلسطينيين والعرب والإنسانية جمعاء.
لا نستغرب هذه الجريمة النكراء من حاخام تتلمذ على يدي الحاقد مائير كاهانا وبن غوريون وغولدا مائير ونتنياهو ورابين وبيريز وغيرهم. ومن قبل على يدي وتعاليم كل من هرتزل وجابوتينسكي. لا نستغرب هذا الإجرام الذي يُمارس إسرائيلياً حكومةً وشارعاً ومستوطنين وجيشا وحاخامات. لا نستغرب ذلك من شارع يتحول بتسارعٍ حاد إلى التطرف والحقد على العرب، بمن فيهم الفلسطينيون. لا نستغرب ذلك من دولة تربي أجيالها المتعاقبة على ثقافة الكراهية للفلسطينيين والعرب. هذه هي حقيقة إسرائيل، التعبير العضوي عن الصهيونية. الإسرائيليون جميعهم عندما يمارس القتل ضد الفلسطينيين والعرب، فإنهم يدركون أنهم لن ينالوا عقاباً من محاكم القضاء في دولتهم العنصرية. لقد حكمت المحكمة الإسرائيلية على شيدمي الضابط المسؤول عن مذبحة دير ياسين بالغرامة «عشرة أغورات»، إنها تساوي «قرشا واحدا». أما من أحرق الأقصى ومن قام بالمجزرة في الحرم الإبراهيمي في الخليل، فهما «مختلاّن عقلياً» لذا لن يُحاكما. الجنود أو المستوطنون الذين يقومون بقتل فلسطينيين عن سابق إصرار وترصد، كما حصل في الانتفاضتين الأولى والثانية، وكما يحصل حالياً، يحاكمون وتصدر عليهم أحكام بالسجن بضعة أشهر، يقضونها في ما يسمى بـ»سجون خاصة» هي أقرب إلى فنادق ذات خمسة نجوم منها إلى سجونٍ عقابية، يخرجون من السجن متى يشاؤون، ويجري الإفراج عنهم بعد قضائهم في السجن (الفندق) بضعة أيام. هذا لا نقوله نحن فقط، بل منظمات حقوق الإنسان ومنها: منظمة الدفاع عن حقوق الأقلية العربية في إسرائيل «عدالة»، ولها تقارير مثبتة في هذا الصعيد. لقد برّأ القضاء الإسرائيلي سائق الجرّار الذي قتل عن عمد الناشطة الأمريكية ريتشيل كوري عندما قام بدهسها بأوامر من جيش الاحتلال، عندما كانت تقف أمام بيت فلسطيني أراد الإسرائيليون هدمه. اعتقدت هذه الفتاة أن الإسرائيليين لن يقوموا بقتلها، هذه هي «العدالة»الإسرائيلية، هذا هو القضاء الصهيوني و»استقلاليته» المزعومة. هذه هي «الديمقراطية»الإسرائيلية» وهؤلاء هم»حاخامات»هذه الدولة.
لم يكتف الإسرائيليون بقتل الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير وحرقه حيّا، لقد قاموا باعتقال ابن عمه، الطفل طارق أبو خضير (15سنة) وعذبوه بالنبادق والبساطير والعصي، إلى الحد الذي شوّهوا فيه وجهه وبدنه، وصورته بعد التعذيب منشورة في كل الوسائل الإعلامية. عذّبوه إلى الحد الذي كان واضحاً جداً عليه. الفتى أرغم الولايات المتحدة (فهو وأهله يحملون الجنسية الأمريكية) على الإعراب عن قلقها العميق حيال تعرض طفل فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية إلى «الضرب المبرح». وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية جين بساكي في بيان صحافي (السبت 5 يوليو/تموز الحالي): «إن الفتى طارق هو مواطن أمريكي تحتجزه السلطات الإسرائيلية في القدس، وقد زاره مسؤول من القنصلية الأمريكية، وإننا منزعجون من التقارير التي تقول بأنه قد عُذّب بشدة من قبل الشرطة الإسرائيلية».
المتحدثة الأمريكية حاولت التخفيف من عملية التعذيب واعتبرتها «استخداماً مفرطاً للقوة». وغضّت الناطقة الأمريكية الطرف عن رؤية الجريمة على حقيقيتها، وتناست كل الجرائم التي ارتكبتها وما تزال ترتكبها إسرائيل ضد عامة شعبنا. إنها نظرة حولاء وسياسة الكيل بمكيالين.
شعبنا لم تُضعف الجرائم الصهيونية من عزيمته القوية على مقاومة الاحتلال قام بهبّة كبيرة في القدس وفي أنحاء كثيرة من الضفة الغربية وفي قطاع غزة المحاصَر للعام الثامن على التوالي، ويتعرض يومياً لغارات الطائرات الإسرائيلية التي تسفر عن ضحايا كثيرين ومئات الجرحى، والمَهدّد بعدوانٍ واسعٍ عليه من قبل إسرائيل بين يومٍ وآخر. امتدّت الهبة الشعبية إلى الفلسطينيين في الشتات وإلى الأمة العربية وإلى عواصم ومدن في دول كثيرة على الصعيد العالمي، استنكاراً للجرائم الصهيونية وتأييداً لنضال شعبنا العادل من أجل حقوقه المشروعة العادلة. لقد انتقلت الهبّة الشعبية إلى أهلنا داخل ما يسمى بالخط الأخضر ـ المنطقة المحتلة عام 1948ـ وقام أهلنا هناك بنشاطات واسعة. هذا مما أزعج ويُزعج إسرائيل التي تعتبرهم مواطنين ولكن من درجة عاشرة. هذا يثبت وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. المقاومة شرّعتها الأمم المتحدة باعتبارها حقا مشروعأ للشعوب المحتلة أرضها.
الفاشية مدرسة واحدة، لكن الصهيونية طوّرت من أساليبها وهذا ما نراه يومياً من جرائم ترتكبها إسرائيل بحق أهلنا وشعبنا وأمتنا.
الرحمة للشهيد محمد أبو خضير والنصر لشعبنا في مقاومته والعار لإسرائيل.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد٭