■ بدأت مستشفيات مصرية امس في استقبال عدد من ضحايا العدوان الاسرائيلي على غزة، بعد صدور قرار وصف ب»السيادي» بفتح معبر رفح لادخال المساعدات الانسانية. وتحت تحليق كثيف من الطيران الاسرائيلي قرب الحدود، بدأ جسر من سيارات الاسعاف في نقل الجرحى، فيما قامت حملات شعبية في العريش والشيخ زويد بالتبرع بالدماء للضحايا، بينما اعلنت جمعية الهلال الاحمر المصرية عن تجهيز مساعدات طبية لادخالها للقطاع.
وفي الحقيقة ان قرار فتح المعبر لم يكن مفاجئا، الا انه في هذه الظروف التي تستوجب الترفع فوق الخلافات، بل والانسداد السياسي، يستحق التنويه كخطوة واجبة وموفقة تتسق مع جوهر الموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية بغض النظر عن اصوات او احداث شاذة هنا وهناك.
ومن المؤكد ان المطلوب والمتوقع من مصر يظل اكبر من هذا القرار حتى ينجح عهدها الجديد في هذا الاختبار الاقليمي الاول، الذي ستسهم نتيجته في تحديد موقعه من خريطة صراعات لا تقل صعوبة. الا ان فتح المعبر يطرح اسئلة مشروعة ايضا عما قدمه الاخرون في العالم العربي للشعب الفلسطيني في غزة، وهو يعاني الحصار والقصف معا في شهر رمضان في ظروف حياتية قاسية، خاصة بعد استهداف العدو، الذي فقد اعصابه، للمرافق الاساسية في القطاع.
ومن الخطأ ان تترك الحكومات العربية حالة التوتر او القطيعة السياسية مع «حكومة» حماس السابقة في غزة تتقدم على حقيقة استراتيجية اصبحت واضحة للعيان، وهي ان دعم صمود الشعب الفلسطيني اليوم ليس دعما لحركة او تنظيم، بل دعما للامن القومي العربي الذي يتعزز بالضرورة امام «تآكل» قوة الردع الاسرائيلية، حتى تحولت اسرائيل نفسها الى «قبة حديدية وتحتها شعب في الملاجئ».
لكن الواقع هو ان الجامعة العربية كما قال امينها العام امس اكتفت بقرار «يطالب المجتمع الدولي بالتدخل لانهاء العدوان»، وكأنها لم تسمع عن الموقف الامريكي الاوروبي الداعم لاسرائيل، او كأنها لم تجرب الذهاب الى مجلس الامن من قبل وعادت تجر ذيول الخيبة. فأي موقف هذا؟ بل أي جامعة وأي عروبة هذه؟ وما الكلمات الصالحة للنشر التي يمكن ان تصف هذا الـ «لاموقف» بينما الاطفال والنساء في غزة يذبحون يوميا؟
وبموازاة «الانبطاح الرسمي العربي المعتاد» ماذا فعلت تنظيمات وحركات مسلحة عربية مثل، داعش التي اعلنت «خلافتها»، ويبدو ان غزة ليست جزءا منها، حيث لم تحرك ساكنا منذ بدء العدوان سوى مواصلة قطع رقاب الناس من كافة الملل والطوائف في سورية والعراق بدم بارد.
وماذ فعلت الاحزاب او حركات المجتمع المدني او تنظيمات ما يعرف بـ»الاسلام السياسي» في غير بلد، هل نظمت مظاهرات او حملات للضغط السياسي او المقاطعة الشعبية او جمع المساعدات من اجل غزة، أم انها مازالت مشغولة في حروبها وصراعاتها المحلية سعيا لتحقيق مصالحها الضيقة؟
وقد يسارع البعض الى التشكيك في الجدوى الممكنة لاي فعاليات سياسية او شعبية في مساندة غزة، الا ان هذا خطأ كبير فالشعب الفلسطيني في غزة الذي يجلس امام الشاشات الان بعد ان اضطر الى اخلاء الشوارع امس مع تصاعد الاجرام الاسرائيلي، يجتاج الى الدعم المعنوي تماما، كما يحتاج الى المياه والكهرباء والمواد الغذائية ان لم يكن اكثر.
وتتحمل مصر مسؤولية سياسية واخلاقية، خاصة تجاه غزة، حتى في ظلال تعقيدات السياسية الحالية. الا ان ثمة جهات في الدولة المصرية تستطيع جيدا ان ترى بوضوح مصلحة الأمن القومي المصري والعربي حتى تحت غبار الخلافات الايديولوجية والحملات الاعلامية، والا كيف وصلت عشرة الاف من الصواريخ التي تملكها المقاومة الفلسطينة اليوم الى القطاع؟ هل هبطت من السماء؟ أم دخلت من البحر الذي تراقبه اسرائيل على مدار الساعة؟
الحقيقة ان ثمة جهدا استخباريا هائلا استمر لسنوات وشاركت فيه مصر بدون شك، ولو بمجرد غض الطرف، لابد انه ادى الى هذا التغيير في المعادلة الاستراتيجية، عبر دخول صواريخ بعيدة المدى الى قطاع غزة عن طريق الانفاق. اما الذي «يحترفون» شتم الجيش المصري ومؤسساته الامنية فعليهم ان يعودوا الى تصريحات بعض قيادات المقاومة الفلسطينية انفسهم في وصف الدور الوطني الذي قام به اللواء الراحل عمر سليمان وجهاز المخابرات العامة.
لقد كانت غزة عبر التاريخ، ومنذ الدولة الفرعونية، خط الدفاع الاول عن مصر، وهي تعود اليوم كرأس حربة في قلب العدو، ومن هنا فانه بديهي ان دعمها يمثل مصلحة وطنية قبل ان يكون واجبا قوميا او اخلاقيا. ومن هنا ايضا فان العهد الجديد يملك رصيدا وفرصة للذهاب ابعد مما قد يظن، في استعادة الدور المحوري لمصر اقليميا، بممارسة الضغط على اسرائيل وليس المقاومة، لترجمة الواقع الاستراتيجي الجديد سياسيا بانهاء محاصرة القطاع، وفتح كافة المعابر بشكل دائم، والافراج عن الاسرى، والقبول بمبدأ الوحدة الجغرافية والسياسية للوطن الفلسطيني. ومن هذا المنطلق يجب ان تبدأ مصر بنفسها باجراءات متدرجة، تبدأ بسحب السفير من تل ابيب، ما ينبغي ان ينتج اجراءات مشابهة من الاردن والدول العربية التي تملك تمثيلا اسرائيليا من اي نوع. وهو ما ينقل المعركة السياسية، كما انتقلت المواجهة العسكرية لاول مرة، الى داخل اسرائيل.
كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي