حيرة البشرية في أمرنا

كان موضوع غلاف الاكونومست الأسبوع الماضي عن «مأساة العرب» مؤلما بدقة التشريح. عبرت المجلة عن بالقول إن فشل البلدان العربية الذريع في تحقيق الديمقراطية، والسعادة والثروة لشعوبها هو «أحد الأسئلة الكبرى في عصرنا. فما الذي يجعل المجتمعات العربية عرضة دائمة للأنظمة المنحطة وللمتزمتين المصممين على القضاء عليها (وعلى من يتصورون أنهم حلفاؤها في الغرب)؟»
لا تتجاهل الأكونومست ما تذهب إليه الأدبيات الغربية من وجود تلازم تاريخي بين الشرق والاستبداد. فتقول: إن الجمود، الناجم عن وقوع الشعوب بين مطرقة أنظمة متعفنة وسندان معارضة أكثر تعفنا، قد فاقم بواعث القلق السائد منذ زمن بعيد (في الأوساط الأكاديمية والسياسية الغربية) من أن تكون البلدان العربية غير قادرة، من الأساس، على التلاؤم مع العالم الحديث. وتضيف أن هذا القلق أدى إلى بروز تشكيلة من النظريات الكبرى (حول استحالة الحداثة عند العرب). إلا أن المجلة تدحض ذلك بأسلوبها المركّز، فتقول: «ولكنّ ما يقف خلف الفشل السياسي للمنطقة ليس غياب التحديث، وإنما هو نمط التحديث المحدد الذي سادها في القرن العشرين».
وتحرص الاكونومست على التذكير بأن السؤال الذي طرحته في تحقيقها ليس جديدا، إذ إن المثقفين العرب طرحوه منذ القرن التاسع عشر. وهذا بالطبع صحيح. فسؤال النهضة يتدلى منذ حوالي قرنين بصيغ متنوعة لعل أشهرها: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟»، حسب عنوان كتاب لشكيب أرسلان. للإجابة تستعرض المجلة تفسيرات الباحثين: من سياسية (الدولة الريعية)، واجتماعية (المؤسسات الأبوية) وديموغرافية (الانفجار السكاني). أما عن التفسير التاريخي (الامبريالية الغربية)، فتقول: «إن الحدود التي فرضها راسمو الخرائط الأوروبيون قد أنشأت كيانات سياسية صعبة المأخذ اضطرت لخوض تجارب تاريخية أليمة، وفي معظم الأحيان عنيفة، في سبيل التمكن من بناء الوطن والدولة». ثم تضيف دون تلطيف: «إن زرع دولة يهودية في فلسطين أدى إلى دق إسفين مادي بين البلدان العربية ووفر ذريعة لهيمنة العسكر على المجتمعات العربية المجاورة».
ثم تتطرق المجلة لقضية شبه مسكوت عنها لفرط حساسيتها: «إن معظم الأكاديميين يحترسون من الإشارة إلى الإسلام باعتباره عائقا أساسيا ضد التحديث. ولكن بعضهم، وليس من الغربيين فحسب، يعتقدون أن له في هذه القضية يدا». على أن المثال الذي تضربه المجلة لا يفي بالغرض. حيث تستشهد بباحث الاقتصاد الأمريكي، التركي الأصل، تيمور كوران الذي يرى أن «قوانين الميراث الإسلامية، التي تتسم بنزعة مفرطة إلى المساواة، قد كانت عائقا ضد رأس المال تراكما واستثمارا، وأن هذا قد حال دون (ثورة) التصنيع». جيد أن تطرح المجلة قضية علاقة الإسلام بالتقدم أو التأخر بكل صراحة، ولكن ليس بمثال محدود القيمة التفسيرية كهذا تتضح القضية.
والرأي عندي أن عبد الله العروي قد طرح أجرأ التحليلات لكل ما يتعلق بقضايا التأخر التاريخي العربي. وإذا كانت معرفة الاكونومست، والإعلام الغربي عموما، بهذا المفكر المغربي الفذ غير متوقعة ولا مطلوبة، فإنه يبقى أن غربته في قومه هي في الصميم من «مأساة العرب».

مالك التريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية