إدريس علوش: الشعر فاتن كالمرأة ومثير كالسلطة

حجم الخط
0

كل القرائن تتفق على رأي واحد بأن الشاعر المغربي إدريس علوش سيظل طفلا بريئا وعاشقا مشاكسا، جريئا ومناضلا يُقبل على الحياة بإحساس جميل ورؤية هادئة في شغبها وصامتة في ضجيجها، وبين هذا وذاك حفر لنفسه مسارا يقر به الجميع، وتشهد له دواوينه الكثيرة.
* لو نعود إلى البدايات الأولى مع الشعر، ما الذي دفعك للخوض في هذا المجال الإبداعي؟
** أذكر أني كنت أستيقظ باكرا لأقرأ ما توفر لي من أعمال شعرية خصوصا أعمال معين بسيسو ومحمود درويش وتوفيق زياد وما توفر من ترجمات شعر عبد اللطيف اللعبي، فضلا عن بعض المعلقات، وكثرة هذه القراءات أنتجت فيضا من النصوص الأولية التي كانت مادة خام تحتاج لغربلة وإعادة إنتاج علَّها تصبح نصا ينتسب لأحد الأجناس الأدبية.
* بعد إصدار ثلاثة عشر ديوانا، لماذا لم تفكروا بولوج ميدان إبداعي آخر غير الشعر؟
** لا أملك جوابا لهذا الأمر الآن، لكن بالتأكيد هناك خلل ما أو ورطة من نوع آخر، وربما لأن الشعر فاتن وجذاب كالمرأة ومثير للشهوة كالسلطة تماما.
* الموت والحزن حاضر دوما في عناوين قصائدكم ( «دفتر الموتى»، «مرثية حذاء»، «فارس الشهداء»)، كيف تفسرون ذلك؟
** مرد ذلك هو إحساسي بالفقدان وجسارة الخسارة عند غياب أناس أحبهم سواء كنت على تماس مباشر معهم أو شكلوا جزءا من وعيي النقدي والإبداعي، وأعتقد أني حين أكتب عنهم أعيد لهم بعض الاعتبار، أو بمعنى آخر: كأني أرثي نفسي عبر إبداع نصوص تخص جانبا من حيواتهم.
* ما هي طبيعة العلاقة التي تجمعكم مع اللغة وهل توافقون على تشبيهها من قبل هيدغر بـ»مأوى الفكر»؟
** أعتقد أن اللغة كائن حي كباقي الكائنات تعيش وتحيا باستعارات الواقع وتناقضاته وتستمد قوتها من روح العصر وجوهره الحي، لكن إيقاع تطور اللغة العربية يبدو بطيئا مقارنة باللغات الحية الأخرى كالألمانية والفرنسية والانجليزية، لكن على المستوى الإبداعي تتفاوت مسألة تطويع اللغة من مبدع وآخر، وخاصة من خلال التقاط صور أساسها المتخيل الذي يضفي جمالية استثنائية على نصوص الشاعر، وهذا ينطبق أيضا على القصة والرواية والمسرح أيضا.
* لماذا تلجأون عادة لنشر دواوينكم في دول المشرق العربي؟
**الصدفة وحدها أدت لنشر إصداراتي في دور نشر مشرقية، ولم تكن لدي أية إستراتيجية لذك، لكني أفدت كثيرا من هذه المصادفات السعيدة، كما أن ذلك ساهم في مد جسور التواصل مع قارئ نهم يتابع عن كثب كل جديد على صعيد الإبداع الأدبي.
* ما سبب لجوئكم لكتابة وتصنيف العديد من الأنطولوجيات الشعرية؟
** العمل في الأنطولوجيات يفسح المجال أمام المبدع للاطلاع على تجارب عدد كبير من الأدباء والاحتكاك بتجاربهم الشعرية، حيث يختار إدراج بعض الأسماء دون سواها في هذه الأعمال وفق رؤيته للإبداع وقضاياه، وهذا يحمله مسؤولية الاصطدام مع أسماء مبدعة لم يدرجها صاحب هذه الانطولوجيات في عمله.
رغم أن عدم إدراج بعض الأسماء لا يعني أنها ليست هامة، لكن المعايير التي تم اعتمادها استنادا إلى رؤية المبدع الفنية والجمالية لهذه النصوص، إنها بمعنى أدق مسألة مركبة ومعقدة في آن وقد تصل أحيانا إلى حالات قصوى من السوريالية نادرا ما يستطيع المبدع الخروج من شرنقتها، لهذه الاعتبارات لا يغامر العديد من الكتاب في خوض غمار هذه التجربة رغم أنها ليست صعبة.
* لو نتحدث قليلا عن تجربة مجلة «مرافىء» التي أصدرتها عام 1998، والأسباب التي حالت دون استمرارها.
** حاولت أنا والناقد يحيى بن الوليد والفنانين أحمد غيلان والراحل عبد الإله بوعود إضفاء مزيد من الشاعرية على المدينة التي ننتمي إليها ونعشقها بجنون، فخضنا غمار هذه التجربة استنادا إلى النقاش والحوار الذي جمعنا في مقهى الميناء بمدينة «أصيلة»، وكنا نعلم مسبقا أننا لا نستطيع أن نستمر طويلا نظرا للتكلفة المادية التي يتطلبها الإعداد لهذا «المشروع الحلم»، ولجهلنا أيضا في أساليب التسويق وطرق الأبواب التي تدعم مثل هذه التجارب الثقافية، لكن لا زالت تعتريني الرغبة الأكيدة في إعادة خوض هذه التجربة مجددا.
* يشكل السفر رافدا ثمينا في صناعة خيال وفكر المبدع، إلى أي مدى ساهم ذلك في تجربتكم الشعرية؟
** السفر كتاب مفتوح على تكهنات تعدد النصوص والتجارب ومجال فسيح لاكتشاف الذات والآخر معاً، شخصيا لا أتصور مبدعا خارجا عن دوائر السفر المتعددة، إنه يهديك الإمكانيات الخلاقة لتطوير نصك وسبر مغاوير تجربتك.
شخصيا، كلما سافرت اكتشف ذاتي للمرة الثانية لأن الرتابة والتكرار والروتين يعيدني إلى حالة القنوط وأحيانا حالات الاكتئاب، والسفر يغير كل هذه الأحوال والتقلبات والانزياحات السلبية بقدراته الهائلة على التجدد والاكتشاف وإعطاء المبدع حق الانتساب إلى حيوات متنوعة ومختلفة عن السائد الذي كان يقض مضجع متخيله.
* ألا تفكرون في توثيق تجربة السفر في شكل يوميات أو مذكرات على سبيل المثال؟
** نعم، بدأت أشتغل على هذا الموضوع مؤخرا، حيث بدأت بالكتابة عن علاقتي بالجزائر التي زرتها مرات عدة ويشدني إليها سحرها وشاعريتها، هي بلد عظيم في انتسابه لدوحة وجذور شجرة إفريقيا وحوض المتوسط، وعظيم بتاريخه وثورته المجيدة وإنسانيته، فكل مرة أزوره أكتشف فيه أشياء جديدة.
* هذا يعني أنك معلّق دوما بالأماكن التي تنتمي إليها أو تلك التي زرتها.
* الأكيد أن المكان يشكل أفقا لامتناهيا بالنسبة للمبدع، وشرفة للتفكير والتأمل ساعة إنتاج النص والانخراط في صيرورته، فمدن مثل «أصيلة» و»العرائش» و»طنجة» تشكل بالنسبة لي ورشة مفتوحة على مصراعيها لتدبير شؤون الكتابة تنظيرا وتفكيرا وإنتاجا وعطاء.
* كيف تقيمون الساحة الإبداعية في المغرب؟
** هي ليست ساحة فحسب، بل ساحات وحقول متعددة ومختلفة وهذا جانب صحي، فكل حقل ينتمي لجنس إبداعي محدد وليس من السهل اختزال هذا الأمر في فقرة صغيرة، ولكن الأكيد أن الساحة الإبداعية في المغرب حافلة بالعطاء وما تحتاجه هو الـتأسيس لراصد، دعنا نسميه «المرصد المغربي لقضايا وشؤون الإبداع والثقافة».
وهذا المرصد مهمته مواكبة صيرورة الفعل الإبداعي المستمد من تناقضات التركيبة الاجتماعية التي يعرفها المغاربة، وبكل مستوياته وتجاربه وحقوله في الشعر والمسرح والموسيقى والفوتوغرافيا والتشكيل والسينما، ليعكس روح هذه التجربة ويقف عند مكامن الجدة والقوة والضعف الذي قد يعتريها، ويسرني القول إن الساحة الإبداعية في المغرب تستحق الانتباه والاهتمام والمواكبة، إنها تجربة غنية وثرية ومغرية وخلاقة وجذابة أيضا.

حوار: محمد البغوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية