بمناسبة مرور 80 عاما على تأسيس جماعة «الفن والحرية»: تجربة يصعب تكرارها… أصحابها ضحايا أحلامهم المطلقة

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: «من المعروف أن المجتمع الحاضر ينظر بعين الاشمئزاز إلى كل خلق جديد في الفن والأدب طالما يهدد النظم الثقافية التي تثبت قدم المجتمع، سواء أكان من ناحية التفكير أو من ناحية المعنى. ويظهر هذا الشعور بالاشمئزاز جليا في البلاد الأوتوقراطية النزعة، وخصوصا في ألمانيا، حيث يتجسم التعدي الشنيع ضد الفن الحر الذي دعاه هؤلاء الغشم (الفن المنحط). فمن سيزان إلى بيكاسو وكل ما أنجزته العبقرية الفنية المعاصرة، هذا الإنتاج الكثير الحرية والقوي الشعور بالإنسانية، قوبل بالشتائم وديس بالأقدام. ونحن نعتقد أن التعصب للدين والجنس، أو للوطن الذي يريد بعض الأفراد أن يخضع له مصير الفن الحديث، ما هو إلا مجرد هزء وسخرية .نحن لا نرى في هذه الأساطير الرجعية إلا سجونا للفكر. إن الفن بصفته مبادلة فكرية وعاطفية دائمة تشترك فيها الإنسانية جمعاء، لن يقبل مثل هذه الحدود المصطنعة… يا رجال الأدب ويا رجال الفن لنقف معاً ونقبل التحدي. يجب أن نقف في صف هذا الفن المنحط ففيه كل آمال المستقبل». (من بيان يحيا الفن المنحط).

ربما كان هذا البيان، الذي كتبه جورج حنين ووقعه العديد من فناني وكتّاب جماعة الفن والحرية في ما بعد، يعد معبراً صادقاً عن فكر ورؤية الجماعة، التي تأسست عام 1938. فهي جماعة تعرف أهدافها جيداً وكذلك أعداءها. وبمناسبة مرور 80 عاما على تأسيسها، حيث لا يزال أثرها ممتداً في الثقافة المصرية، أقام منتدى الشعر المصري الجديد في حزب التجمع ندوة تحتفي بهذه التجربة التي لم تتكرر من وقتها. شارك في الندوة التي أدارها الشاعر محمود قرني، كل من المترجم والمؤرخ بشير السباعي، وأستاذ الأدب الفرنسي في كلية الألسن حنان منيب.

أفكار الجماعة وميراثها

أشار محمود قرني بداية إلى أن السؤال سيظل متجدداً حول قيمة ميراث الجماعة، وحول الاختراقات التي حققتها، لاسيما أنها ولدت من رحم مجتمع بطريركي محافظ كان يعيش تحت وطأة الاحتلال ويعاني من تمزقات تعكس واقعاً محلياً معقداً. كما أن بيان «يحيا الفن المنحط» الذي أصدرته عام 1938 لا شك كان انتصاراً لقيم التجديد في الفن والأدب ضد النظم الأوتوقراطية التي تعزز المخاوف حول الهويات الوطنية. بدا ذلك في التضامن مع طليعة الفن الغربي.. إيلوار، كاندينسكي، ماكس أرنست، بول كلي، وغيرهم ضد الفاشية الأوروبية، لاسيما في ألمانيا وإيطاليا. ولعل المواجهة التي خاضها الشاعر جورج حنين أحد أبرز أعضاء الجماعة مع مؤسس المستقبلية الإيطالية فيليبو مارينيتي بعد تحالف جماعة الأخير مع موسيليني تعد واحدة من أعلى تعبيرات رفض (حنين) وجماعته لتحالفات الحرب، وصراعات الكولونيالية، ونزعات رأس المال في السيطرة على المزيد من المستعمرات، وتشريد المزيد من البشر.

الاتحاد الأممي للفن الحر المستقل

وقال السباعي إن تأسيس الجماعة كان نتاجاً لتوحيد جهود الفنانين والكتاب المستقلين للتصدي لكل أشكال التضييق على حرية التعبير الجمالي، وهي أشكال كانت موجودة في أوروبا، وفي إيطاليا وبشكل أكبر في ألمانيا، وبطبيعة الحال كانت موجودة في روسيا الستالينية. وكانت الثورة الإسبانية في نزعها الأخير لصالح الفاشيست، لذا كان التضييق على حرية التعبير آخذاً في الاتساع، وكان العالم بشكل عام على أبواب حرب عالمية جديدة. هذه الحرب تعني تهديد المدنية والإبداع، وانتشار وانفلات كل أنواع الرقابة والسيطرة على العقول والتحكم في ما يقال وما لا يقال، وفي ما يعرض وما لا يعرض، حيث يحل النداء التعبوي محل الإبداع الخلاق المستقل. في هذه الظروف نوقشت هذه المشكلة المحتدمة أثناء لقاء أندريه بريتون ودييغو ريفيرا وفريدا كالو وليون تروتسكي، وخلال هذه المناقشات تبلورت فكرة تأسيس (اتحاد أممي للفن الحر المستقل)، بمعنى إنشاء منظمة أممية للكتاب والفنانين الأحرار المستقلين عن كل الأنظمة الموجودة في العالم. بعيداً عن الاتحادات التقليدية للكتاب والفنانين، حيث كانت هذه الاتحادات أصلا وثيقة الارتباط بالأنظمة الموجودة والمسيطرة على الحياة الثقافية في العديد من البلدان. وبالتالي كان لا بد من تأسيس هذا الاتحاد الأممي للفن الثوري الحر، ثوري لأنه بصدد الدعوة إلى تغيير الحياة، وهو شعار السيرياليين، أو تغيير المجتمع وهو شعار الماركسيين. والحر أو المستقل غير المرتبط كذلك باتجاه محدد في مجال الإبداع والإنتاج الفني. لأن هذا التيار يدعو إلى الحرية المطلقة في مجال الإبداع، ولا يدعو إلى تكريس اتجاه محدد، كالسيريالية مثلاً. بالفعل حدثت مبادرات لتشكيل شعب وفروع لهذا الاتحاد، نيكولاس كالاس اليوناني المولود في سويسرا أخذ مبادرة بالاشتراك مع زملاء آخرين من أجل تأسيس شعبة فرنسية لهذا الاتحاد، وفي بلجيكا حدث شيء مماثل، وفي عدد قليل جداً من البلدان التي كانت على وشك السقوط تحت الاحتلال النازي. ولأنه كان من المستحيل أن تتشكل جماعة بهذا الشكل في مصر بصفة شعبة لهذا الاتحاد، فقد تشكلت هذه الشعبة، وهي جماعة (الفن والحرية)، من دون أن يتم الإعلان عن أنها شعبة للاتحاد الأممي للفن الثوري الحر.

جورج حنين ودوره

ثم يتساءل بشير السباعي عن كيفية حدوث هذا اللقاء والتواصل؟ فيجيب بأن السبب هو أن الفاعل الثقافي الرئيسي في نشاط جماعة الفن والحرية، الذي كتب بيان «يحيا الفن المنحط»، هو جورج حنين وكان عائدا للتو من باريس على إثر نشر ديوانه الأول «لا مبررات الوجود»، وكان صديقا لنيكولاس كالاس، وبالطبع كان معروفا أنه كان صديقا من قبل لأندريه بريتون. وكانت المراسلات مستمرة ومتصلة، كذلك كان صديقا للروائي الفرنسي أندريه كاليه. ثم ظهر بيان «يحيا الفن المنحط» باعتباره صدى للبيان الذي صدر في المكسيك. بعد ذلك صدرت نشرة الفن والحرية في عام 1939، بدون توقيعات أصحابها، ثم صدرت مجلة «التطور» لسان حال الجماعة عام 1940، وتوقفت بعد العدد السابع، لتضييق الأمن المصري على المجلة وأفكارها، التي كانت تثير الكثير من المشكلات في الأوساط الثقافية والاجتماعية. وقد جاء في افتتاحية عددها الأول.. «نحن نؤمن بالتطور الدائم والتغير المستمر. نحن نقاوم الأساطير والخرافات ونكافح القيم المتوارثة التي وضعت لاستغلال قوى الفرد في حياته المادية والروحية».

ألبير قصيري وأندريه شديد

من جانبها أشارت حنان منيب إلى دور كل من ألبير قصيري وأندريه شديد في نقل أفكار عن مصر والشرق إلى أوروربا، خاصة فرنسا. قصيري الذي حمل معه ذكرياته عن مصر ومعالم الحياة فيها، وشديد التي حملت الروح الشرقية من خلال نساء وحيدات معذبات في الغالب، كحالة إنسانية تجاوزت المجتمعات الشرقية إلى مساحات أصدق وأرحب. شديد التي كانت تقول إنها تنتمي إلى وطن لا عَلَم له، تختلف بذلك عن قصيري، الذي نقل بعضا من الكلمات والعبارات العامية المصرية إلى اللغة الفرنسية، ولم يقبل طيلة الفترة التي قضاها في باريس أن يتنازل عن جنسيته المصرية، رغم كونه يكتب عن عالم لا يعرفه البلد الذي يعيش فيه، ويكتب بلغة لا يعرفها الذين يكتب عنهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية