لندن-“القدس العربي”:رغم أن الاتحاد الأوروبي صادق بالإجماع على البيان السياسي واتفاقية انسحاب بريطانيا منه، لكن مانعا أساسيا لا يزال باقيا. لن تكون مصادقة مجلس العموم البريطاني المحتملة على اتفاقية الانسحاب بسهولة مصادقة الأوروبيين عليه، ولم يجف حبر توقيع قادة الدول الأوروبية، وعلت الأصوات الرافضة للاتفاقية من الحزبين الرئيسيين، المحافظين والعمال. ورغم أن أعضاء حزبي المحافظين والعمال لديهم اختلافات واسعة في وجهات النظر حول كيفية الانسحاب من التكتل الأوروبي، لكنهم يتفقون على بريكست.
وفضلاً عن إعلانه السابق حول أن حزبه سيصوت ضد أي اتفاق يتوصل إليه حزب المحافظين الحاكم مع الأوروبيين، مباشرةً بعد الإعلان عن المصادقة الأوروبية، اعتبر زعيم حزب العمال البريطاني، جيرمي كوربين، الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وحكومة تريزا ماي هزيمة سيئة الحظ لمفاوضات طويلة ستترك بريطانيا وحيدة منفردة مع السيئين في العالم، بالإشارة إلى إدارة دونالد ترامب. لكن الأسوأ من ذلك والخبر الصادم لتريزا ماي جاء من داخل حزبها، حيث أعلن 80 برلمانيا من أعضاء حزب المحافظين أنهم لن يصادقوا على اتفاقية الانسحاب، فضلاً على أن الحزب الاتحادي الديمقراطي البريطاني أصدر بياناً رسمياً وأعلن خلاله رفضه لما توصلت إليه ماي مع الأوروبيين.
ويراهن حزب العمال على أن تفشل الحكومة البريطانية في تمرير اتفاق الانسحاب في البرلمان، ويؤدي ذلك إلى إجراء انتخابات مبكرة أخرى. وفي حال حصل ذلك وفاز حزب العمال في الانتخابات المحتملة، سيعمل على تدشين جولة جديدة من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. وقال كوربين “سنعمل بالتعاون مع الآخرين حتى نلغي النتائج غير المرغوبة التي توصلوا إليها، وعلينا أن نطمئن من أننا نعرض مشروعا بديلا على طاولة المفاوضات لنصل إلى اتفاق منطقي يضمن معاهدة جمركية دائمة لبريطانيا، واتفاقا جامعا حول الأسواق والتجارة، ودعم حقوق العمال والمستهلكين، والحفاظ على البيئة”.
وهناك أوجه تشابه بين مقترح جيرمي كوربين وما يوصف بـ”نموذج النرويج” للتعاون الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي، حيث النرويج عضو في المنطقة الاقتصادية الأوروبية المعروفة باسم السوق الموحدة-بجانب 28 دولة أعضاء حاليا في الاتحاد الأوروبي-وايسلندا وليختنشتاين. بينما إذا أرادت بريطانيا البقاء في السوق الأوروبية، يجب عليها أن تقبل حرية التجارة، لكن حزب العمال البريطاني وفي بيانه أكد “بعد مغادرة الاتحاد الأوروبي، ستنتهي حرية التجارة”، وحول قيود مرحلة ما بعد بريكست أوضح البيان أن من الضروري دعم أصحاب الأعمال، وتعديل تراخيص العمل، وتغيير قوانين التأشيرة بعد فك الارتباط بالتكتل الأوروبي. وتتعارض جميع هذه الخطوات مع “نموذج النرويج”. لكن ليس من الواضح كيف سيستطيع حزب العمال البريطاني اقناع الاتحاد الأوروبي بإلغاء معاهداته وقواعده إذا تولى أمر التفاوض، الأمر الذي عجزت عن تحقيقه حكومة المحافظين برئاسة تريزا ماي.
وجاء الرد الأوروبي على الأصوات الرافضة للاتفاق الأخير على لسان رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، حيث حذر قائلاً “أولئك الذين يظنون أنهم ومن خلال عدم المصادقة على الاتفاق الأخير، سيتمكنون من التوصل إلى اتفاق أفضل (مما توصلت تريزا ماي إليه)، سيندمون في الثانية الأولى بعد رفضهم للاتفاق”، وأكد “من المستبعد أن يتم تدشين مفاوضات جديدة بين لندن وبروكسل بهدف التوصل إلى اتفاق أفضل. أعتقد أن الجانبين الأوروبي والبريطاني لهما ثلاثة خيارات لا أكثر، وهي الاتفاق الذي توصلت إليه تريزا ماي، أو الانسحاب دون اتفاق، أو إلغاء بريكست”. وقال رئيس وزراء جمهورية ايرلندا، ليو فارادكار، “لا توجد خطة باء، والحقيقة هي أننا توصلنا إلى أفضل اتفاق ممكن فيما يتعلق بكيفية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي”.
مع ذلك فمن المبكر القول إن النقاشات والخلافات في البرلمان البريطاني حول خطة تريزا ماي ستؤدي إلى انتخابات مبكرة أخرى. يمكن أن يصوت حلفاء حكومة ماي وبعض أعضاء حزبها ضد اتفاقها مع الاتحاد الأوروبي، لكن من غير الوارد أن يسقطوا حكومتها تمهيداً لانتخابات مبكرة، لأن ذلك سيمهد الظروف لصالح الأحزاب المعارضة وعلى رأسها حزب العمال، وسيخسر المحافظون أنفسهم قبل تريزا ماي. لكن الخطر الأكبر على حكومة ماي هو حليفها أي الحزب الاتحادي الديمقراطي البريطاني، الذي يسيطر على 28 مقعدا من 90 في برلمان ايرلندا الشمالية فضلاً على 10 مقاعد في مجلس العموم البريطاني، وأنه من بين 5 من الأحزاب الكبرى في البرلمان. وسبق أن فرض جميع شروطه على ماي خلال المصادقة على ميزانية البلاد العامة من خلال تهديده بعرقلة تمرير مشاريع الحكومة. وتعتبر معارضة هذا الحزب لاتفاق الانسحاب معضلة جديدة لتريزا ماي حتى وإن وافق جميع نواب حزب المحافظين في البرلمان على ذلك.
ولا تقتصر مصائب ماي على ذلك، حيث كشفت صحيفة “التايمز” أن نواب حزب المحافظين المعارضين لاتفاق الانسحاب، اشترطوا استقالة تريزا ماي من منصبها مقابل مصادقتهم على الاتفاق. وأكدت الصحيفة نقلاً عن مصادر مطلعة من داخل حزب المحافظين رفضوا الإفصاح عن هويتهم، أن النواب المحافظين ربطوا مصادقتهم على اتفاق الانسحاب بأن تعلن ماي موعد استقالتها من منصب رئاسة الوزراء. وحتى اللحظة طالب 25 من النواب المحافظين باستقالة ماي، وإذا بلغ عدد هؤلاء إلى 48 نائبا محافظا، ستعقد جلسة البرلمان لتجديد الثقة بحكومة ماي. وبالإضافة إلى ذلك يعتقد غالبية أعضاء حزب المحافظين أن الاتفاق الذي توصلت إليه ماي، يحفظ سيطرة الاتحاد الأوروبي على بريطانيا، ما أكده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قائلاً إن “اتفاق ماي” يصب في صالح الاتحاد الأوروبي، وأنه يضر بالمصالح التجارية البريطانية مع الولايات المتحدة.