بعد اتفاق بريكست: الاتحاد الأوروبي في مواجهة تحدي الحفاظ على الموقف المُوّحد

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-“القدس العربي”: رغم انقساماتهم العميقة بشأن العديد من الملفات، بما فيها ملف الهجرة، إلاّ أن الدول الأوروبية السبع والعشرين استطاعت أن تتحدث بصوت واحد على مدى الأشهر الثمانية عشر التي استغرقتها مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “بريكست” والتي انطلقت بعدما حركت بريطانيا المادة 50 نتيجة الاستفتاء، الذي صوت فيه البريطانيون عام 2016 بالأغلبية للخروج من الاتحاد الأوروبي. وخرج الاتحاد الأوروبي باتفاق لقي ترحيب جميع الدول الأعضاء، والذين تنتظرهم مفاوضات إضافية حول التبادل التجاري في اختبار جديد لموقفهم الموحد.

ونجح الاتحاد على طول المفاوضات مع بريطانيا في الحفاظ على وحدة موقف دوله من حيث الشكل والمضمون، إذ لم تقم أي منها بالتحرك بمفردها ولم تكن هناك أي خلافات بين مفاوض الاتحاد ميشيل بارنييه ومجلس الاتحاد الأوروبي. وتمكنت بذلك المؤسسة التي غالبا ما يتم انتقادها بسبب الفشل من إعادة صورة الكتلة المتماسكة والمستقرة إلى الواجهة. ويحترم الاتفاق المؤقت الذي تم التوصل إليه يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بين لندن والاتحاد الأوروبي، جميع الخطوط الحمراء التي حددها رؤساء الدول الأوروبية الـ27 والمتمثلة في مسألة حماية مصير المغتربين وموضوع دفع المملكة المتحدة لجميع التزاماتها المالية والدفاع بأي ثمن عن السوق الداخلية للاتحاد وتجنب عودة الحدود في ايرلندا للحفاظ على اتفاقات السلام لعام 1998.

اختلاف المرجعية السياسية

صلابةٌ الموقف الأوروبي هذه وتَوحّده خلال مفاوضات الانفصال مع بريطانيا، قال عنها الباحث السياسي وأستاذ الفلسفة السياسية في باريس رامي الخليفة العلي، إن هناك عوامل ساهمت فيها رغم الخلافات الكبيرة بين الدول الأعضاء في الاتحاد. أبرزها أن “هناك اجماعاً على ضرورة العمل على أن لا يتكرر السيناريو البريطاني (بريكست)، وهو ما يفسر عدم تساهل الأوروبيين في المفاوضات مع لندن، لأن تسهيل عملية الانفصال ربما يشجع دولاً أخرى على الحذو حذو بريطانيا مستقبلاً”. وفي هذا الصدد أيضا، أكد الكاتبُ والمحلل السياسي من امستردام نور الدين العمراني، أن “تَوحد قادة الدول الأوروبية الـ27 في مواجهة المملكة المتحدة ليس التزاماً منهم بمعاهدة الاتحاد، وإنما لإظهار أن قاطره الاتحاد تسير على السكة وأن بريكست لن یزعزع تماسك أعضاء الاتحاد”.

بالإضافة إلى ذلك، يرى باحثون أوروبيون أن هناك رهانات أخرى مرتبطة بالمرجعية الجيوسياسة، إذ يعتقد العديد من الساسة الأوروبيين أن بريطانيا كانت دائماً تشكل “الشوکة في الحلق” بحكم تقالید سیاسیة مرتبطة بالملكیة ونظام الحكم الذي يؤمن بالخصوصیة کمفهوم متمیز ضمن الأسرة الأوروبیة.  وهذا واضح، وفق نور الدين العمراني، من خلال تشبث البریطانيین بالباوند بدلاً من الیورو کعملة نقدیة متداولة.

وعلى المنوال نفسه، تحدث أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة السوربون عبد العزيز ونيس، مشيراً إلى أن بريطانيا لم تكن أبداً معنية بفضاء الشينغن، ولم تدخل في العملة الأوروبية الموحدة (اليورو). كما أن “بريطانيا عكس فرنسا وألمانيا تنجذب للنموذج الأمريكي-الاسترالي متعدد الثقافات والجاليات بمؤثرات نظرية تشارلز تايلور القريبة من نظريتي توكوفيل وماركس فيبر القائمتين على أساس أن الاقتصاد يأتي قبل كل شيء”.

تنافسٌ ألماني-فرنسي خفي

ووفق عدد من المراقبين في فرنسا ودول أوروبية أخرى، فإن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي الذي لم تكن يوماً عضواً فيه بشكل كامل وملموس، من شأنه أن يصب أكثر في مصلحة دول الاتحاد التي سيتجه إليها عدد من البنوك والشركات الكبرى. ويوضح الخبير في الشؤون الأوروبية أنطوان شاربنتيي، أن هناك تنافساً خفياً بين ألمانيا وفرنسا بالأخص لجذب البنوك والشركات الكبرى. وفي المقابل، يؤكد بعض المتابعين أن الاتحاد الأوروبي وعلى الرغم من بريكست إلاّ أنه يحرص على المحافظة على بريطانيا كحليف استراتيجي ومهم للغاية في كل التطورات التي تحصل في القارة، حيث أن خروجها من الاتحاد يعني الانفصال عن عضو بارز ومركز اقتصادي ومالي قوي وعالمي ويشغل مقعدًا دائما في مجلس الأمن الدولي. كما أن الأوروبيين يدركون أن هذا الانفصال سيضعف الاتحاد الأوروبي سياسياً واقتصادياً حتى لو كانت المملكة المتحدة هي من يتأثر به أكثر بعد أن أصبحت معزولة. وأيضا، هناك روابط أخرى تفرض نفسها، كوجود بريطانيا ضمن حلف الناتو مع البلدان الأوروبية ومسألة الأمن الأوروبي والأطلسي في مواجهة روسيا والصين، حيث أن بريطانيا تبقى بغض النظر عن مآلات بريكست، الامتداد البحري الجغرافي والتاريخي لأوروبا؛ كما يشير عبد العزيز ونيس.

ولا يزالُ هذا الاتفاق المؤقت الذي يرى الأوروبيون أنه صبّ إلى حد كبير في مصلحتهم بانتظار المصادقة عليه أو رفضه من قبل مجلس العموم البريطاني يوم 11 كانون الأول/ديسمبر الجاري، في ختام خمسة أيام من المداولات. وبصرف النظر عن اتفاق الانسحاب سيكون على الطرفين التفاوض على شكل علاقتهما المستقبلية، وخصوصا في ما يتعلق بالتبادل التجاري الحر.

وفي حال مصادقة البرلمان البريطاني على اتفاق بريكست الذي تم التوصل إليه يوم الأحد الماضي في بروكسل، فإن وَحدة موقف دول الاتحاد الأوروبي ستكون أمام اختبار جديد أكثر صعوبة هذه المرة، مع بدء المرحلة الثانية من المفاوضات الحساسة للغاية، يوم 30 آذار/مارس عام 2019، حول اتفاقية تجارة حرة تحكم العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وهي مفاوضات أوضح رامي الخليفة العلي، أنها لن تكون أقل مرارة من مفاوضات بريكست الشاقة، خاصة فيما يتعلق بمواضيع مثل الصيد والمخاوف من الإغراق المالي والاجتماعي أو البيئي. ومن شأن عدم تطابق مصالح الدول الأعضاء في الاتحاد حول موضوع التبادل التجاري الحر أن يصب في مصلحة المفاوضين البريطانيين الذين سيراهنون حتماً على الانقسامات الأوروبية المحتملة.

وفي هذا السياق، سبق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن شدد على مسألة الصيد، مطالباً بالعبور الحر إلى المياه الإقليمية للمملكة المتحدة، وإلا فإنه سيعيق المباحثات بطريقة تحبس بريطانيا في الاتحاد الجمركي في تهديد واضحٍ. ويسمح هذا الدخول المجاني للصيادين الفرنسيين من منطقتي بريتان ونورماندي وأيضا منطقة هاوتس دي فرانس، بتحقيق نحو 30 في المئة من صيدهم. الألمان بدورهم، يولون اهتماماً كبيراً لمسألة التبادل السلس في قطاع تصنيع السيارات الذي تمتد سلاسل إنتاجه بين بلدهم والمملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى. وقد أشارت دراسة أجراها معهد “ديلويت” في حزيران/يونيو عام 2017 أن نحو 18 ألف وظيفة في هذا القطاع لها علاقة بـ”بريكست” ويمكن أن تتعرض للتهديد في حالة حدوث ارتفاع راديكالي في الأسعار على الأراضي البريطانية.

وتعد هولندا ثالث أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة التي تستورد بشكل رئيسي المعدات التكنولوجية من هولندا (أجهزة الكمبيوتر والهواتف ومعدات البث). واليوم، تشعر الحكومة الهولندية بقلق كبير إزاء مسألة عودة الرقابة الجمركية في التجارة بين البلدين، كما يوضح المحلل السياسي من امستردام نور الدين العمراني.

أما الحلفاء التقليديون لبريطانيا مثل دول البلطيق (بولندا وسلوفاكيا) فتبقى لديهم علاقات تجارية وثيقة معها، بحكم إقامة العديد من مواطني هذه البلدان في بريطانيا. أضف إلى ذلك، أن للدعم البريطاني لهذه الدول في إطار السياسة الأمنية والحمائية تجاه روسيا وزنا كبيرا في هذا التحالف.

في حين، يبدو من غير المستبعد أن تلعب ايطاليا بورقة مختلفة عن باقي دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، وذلك بسبب توتر علاقاتها مؤخرا مع المفوضية الأوروبية على خلفية إعلانها عن ميزانيتها للعام الجديد.

ووسط هذا التنوع لمصالح الدول الأوروبية الـ 27 في علاقتها بالمملكة المتحدة، فإن من الواضح أنه لن يكون لهذه الدول الأهداف ولا الأدوات نفسها في تفاوضها مع البريطانيين حول موضوع التبادل التجاري الحر؛ ما يعني أن الحفاظ على الموقف الموحد الذي اتسمت به مفاوضاتهم الماضية حول اتفاق بريكست التي استمرت ثمانية أشهر. ولذلك فإن الحفاظ على موقف “مُوحد ومتماسك” في مواجهة بريطانيا، سيكون التحدي الأكبر أمام الاتحاد الأوروبي في الأشهر المقبلة. هذا إذا اعتبرنا طبعاً أن البرلمان البريطاني سيوافق بعد بضعة أيام على اتفاق المرحلة الأولى الذي تم التوصل إليه يوم الأحد الماضي بين الطرفين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية