من لطائف العربيّة، وما أكثرها؛ أنّ لكلمة “جريمة” ذاكرة لغويّة تكاد لا تحتفظ بأيّ أثر لمجرم أو قاتل، حتى لكأنّ الجريمة غير الجريمة. بل إنّ جذرها نباتيّ كما هي الجذور في الأرض والطبيعة، فالجرم هو القطع، والشجرة الجريمة هي المقطوعة، والجريم هو النوى أو التمر اليابس. والجرمة هم القوم يجترمون النخل أي يصرمونه أو يقطعونه، وتعني أيضا البسر الأحمر والأصفر. ولامرئ القيس بيت جميل في وصف ما على هوادج أنطاكية من وشي وعهن، وتشبيهه بجرمة النخل وجنّة يثرب، وكانت كثيرة النخل. وجرم صوف الشاة جزّه وجلمه. وتجرّم القرن أو تخرّم أي انقضى. وسنة مجرمة أي تامّة، وهذا كلّه من القطع؛ لأنّ السنة إذ تمضي تصير مقطوعة من السنة المستقبلة.
وكان العربي يقسم فيقول: “لا والذي أخرج العذق من الجريمة، والنار من الوثيمة”؛ وهو يريد بالجريمة النواة تخرج منها النخلة، وبالوثيمة الحجارة المكسورة. على أنّ اللغة تقرض كلمة “جرم” قرضا قد يكون حسنا وقد لا يكون، فالجرم ألواح الجسد وجثمانه، والصوت واللون. وامرأة جريمة ذات جرم وجسم، وأرض جرم حارّة. وتجرّم فلان على فلان ادّعى عليه ذنبا لم يفعله. والجرم الذنب، وأجرم جنى جناية. وفي القرآن “حتى يلج الجملُ في سمِ الخيّاط وكذلك نَجزي المجرمين” والمجرم هاهنا الكافر؛ وهو المعنى الغالب في الآيات التي تطّرد فيها كلمة المجرمين بصيغة الجمع، وإن كانت تعني أيضا الآثم أو المذنب. وفلان جريمة أهله أي كاسبهم.
نعم للغة ذاكرة، ولكنّها ذاكرة للنسيان أيضا، إذ عندما تبدأ الجرائم بالتكاثر، كما يقول برتولد برشت؛ حتى أنّنا لا نكترث بها، وعندما لا تُحتمل الآلام، حتى أنّنا نسدّ آذاننا عن صيحات الاستغاثة؛ فإنّ الصيحات تتساقط هي أيضا مثل مطر الصيف.
إنّ الواقع لا يضمحلّ تماما في ما هو وهم أو توهّم وخيال، وخاصّة في الجريمة عندما يعاد تمثيلها، بل إنّ الوهم هو الذي يضمحلّ في واقع الشيء التامّ أو حقيقته. ومن حسن حظّ الضحيّة أنّه لا وجود لجريمة كاملة أو “مثاليّة “خالية من العيوب. عام 1997 عمد طالبان في المعهد الروماني لفلسفة القانون في روما، إلى قتل طالبة لا يعرفانها؛ لدعم نظريّتهما في الجريمة المثالية. وهي الجريمة التي نعتت بالفلسفيّة، وكادت تخفى إلى الأبد.
ولكن من هو الضحيّة؟
مرّة أخرى لا تسعفنا ذاكرة اللسان، فالضحيّة قبل أن تكتسب المعنى الحديث المبذول؛ لم تكن تعني أكثر من “الحيوان الأضحية” مثل الشاة التي تذبح ضحوة. وكذا كان الأمر في اللاتينيّة الكلاسيكيّة، قبل أن تتسع الكلمة منذ القرن الثامن عشر، لتشمل كلّ من يُقتل أو يُجرح في كارثة أو حادث وما إليهما. وتذكر ميشلا مارزانو في مقالها “التشيؤ والعفو” أنّ استعمال كلمة “ضحيّة” كان من الندرة بمكان حتى نهايات القرن الخامس عشر. أمّا في الأزمنة الحديثة، فإنّ أكثر المعاجم والموسوعات تستخدم هذه الكلمة في وصف كلّ من يكون عرضة لأذى جسدي خطير. بل إنّ إساءة استعمالها، جعل مفهومها مبتذلا خاليا من أيّ تمييز بين ضحيّة وضحيّة؛ إذ صرنا نعتبر كلّ شخص كان عرضة لأيّ مظلمة أو أيّ ضرر “ضحيّة”؛ سواء أكان هذا الضرر ناجما عن عنف أو ظلم، أو حتى عن مرض أو حادث أو اغتصاب أو تعذيب أو قتل؛ فالكلّ ضحايا والكلّ مظلومون. والتعميم كان ولا يزال مدخلا إلى المغالطات. بل هو لا يصدق حتى في الموت، وكذب ابن نبانة السعدي (941م/ 1041م)، فمن مات بالسيف ليس كمن مات بغيره، وتعدّد الأسباب يجعل الموت عددا لا واحدا، وكلّ يذوق الموت؛ لكن كلّ يموت وحده.
من هو الضحيّة إذن؟ كيف نحدّ الكلمة حدّا مانعا جامعا قاطعا، دون أن نجعل منها مقولة أنطولوجيّة كلّيّة؟ قد يقع في الظنّ أنّنا نجد ضالّتنا في النصوص القانونيّة إذ هي التي تأخذ بظُلامات الناس، وتباشر قضايا الضحايا والمظلومين؛ على أنّ ظنّنا سرعان ما يخيب، فالضحيّة هو كلّ من كان موضوع أذى أو إهانة أو مخالفة أو خرق للقانون؛ أكان مدّعيا أم شاكيا. بيْد أنّ منظّمة الأمم المتّحدة حدّدت المفهوم بكثير من التدقيق والتفصيل في قرار لها صدر عام 1985 ينصّ على أنّ الضحيّة/ الضحايا “هم أشخاص أفراد أو جماعة، كانوا عرضة لظلم، ونيل من حرمتهم الجسديّة خاصّة أو العقليّة، ومعاناة نفسيّة وخسارة مادّيّة؛ وتعدّ خطير على حقوقهم الأساسيّة؛ بسبب من أفعال أو إغفالات تنتهك القانون الجزائي المعمول به في دولة عضو، بما فيها الدول التي تحظر تجاوزات السلطة”. ومع ذلك يظلّ مفهوم الضحيّة محفوفا بغموض غير يسير، وقد لا يوضّحه سوى الضحيّة؛ والضحايا لا يتكلّمون دائما لسبب أو لآخر؛ إمّا لأنّهم في طيّ الموت، أو لخوف، أو لأنّهم لا يحسنون التعبير عن محنتهم؛ أو لأنّهم صفحوا أو نسوا. ولكن ثمّة شهادات ذاتيّة تتضافر لا في صياغة مفهوم للضحيّة دقيق فحسب؛ بل في القول إنّ الضحيّة هو مفهوم الضحيّة حقّا، على نحو ما يكون الشاعر قصيدته، والرسّام لوحته. ومن هذه الشهادات، شهادة بريمو ليفي “لو أنّه إنسان”، وكم أتمنّى أن أقرأ شهادات بهذا العمق وهذا الشجن المعقود حدّ الضنى، لضحايانا وما أكثرهم في بلاد العرب والمسلمين؛ وخاصّة في سوريا أو فلسطين حيث الفلسطينيّون “ضحايا النازيّة”، حيث الضحيّة هو الشخص الذي يُشلّ ويفقد منزلته الإنسانيّة، ويصير مجرّد شيء يصرّفه الجلاّد ويتصرّف فيه كما يشاء؛ ولا تفكير له ولا تدبير، بل لا إرادة له ولا رغبة، بل يُقطع لسانه، ولا “يقيم” في جسده الخاصّ كما نقيم. بل هو يفقد إحساسه بالزمان وبالمكان على نحو ما نحسّ ونكابد.
عام 1944 حُمل بريمو ليفي، وهو في الخامسة والعشرين، مع أكثر من ستمائة؛ إلى أوشفيتز حيث كل شيء عبث أو عدم، حيث الجميع قطيع يُعامل بكل احتقار، يضربون دون غضب، ويمحون دون سبب. وعليك أن لا تسأل “لماذا؟” بل عليك أن لا تفكّر في السؤال أصلا أو في أن تُسأل، بل عليك أن لا تحاول أن تفهم؛ بل عليك أن لا تستشرف أيّ مستقبل، أو تتساءل متى تخلص من هذا الجحيم؛ والجنود الألمان النازيّون لا يفسّرون أفعالهم أبدا. هم يأمرون ويطالبون، وكلّ ما ينشدونه من الأسير؛ ويفلحون فيه عادة، أن يفقد أيّ إحساس أو وعي بكيانه أو ذاته. وباختصار أن لا يعود مالكا لزمام نفسه؛ وأن يتقبّل عجزه وقلّة حيلته، بل هو إذ يستسلم لجلاّديه جسدا ونفسا، يستبطن شيئا فشيئا، موقف الجلاّد الذي يعتبره أقلّ من إنسان، أو أدنى من حيوان؛ فهو “شيء” لا أكثر ولا أقلّ، ولا اسم له؛ بل يجعلون منه رقما موشوما في الذراع اليسرى، بل “إمّعة” لا شخصيّة ولا رأي له: دمية أو “عروسة” يُتلاعب بها، وهي تُحرّك بالحيطان. ومن ثمّة لا يحقّ له أن يتصرّف بإرادته أو من تلقاء نفسه. وعليه فإنّ كلّ ما كان ذا معنى عنده يُمحى، وكل ما كان رابطا بالعالم، يُقطع. حتى أنّي وأنا أقرأ شهادة بريمو ليفي، لم أتمالك أن ومضت في ذاكرتي سورة “عبس”؛ فلكلّ يومئذ وقد تقطّعت به السبل، شأن يغنيه؛ وهو يُقطع عن أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه؛ بل لا يتفرّغ لما هو فيه من هول الموقف وشدّته، لأحد، ولا يشتغل حتى بنفسه.
في عالم يستطيع فيه أفراد أوتوا سلطان المال والنفوذ، أن يجعلوا من الغير ضحايا، تخذلنا اللغة، ولا نجد العبارة التي تفي الموضوع حقّه من الوصف والتصوير. وقد لا نجد أبلغ من قول جيل دولوز “الغير ينعدم” فهو الآخر الذي لا نعترف به “آخرا”؛ وهو من ثمّة مجعول للغياب والنسيان والمحو والهجران.
من هو المجرم؟ من هو الضحيّة إذن؟
قد يكون الجواب السائغ في ذاكرة اللسان، فمثلما ترجع كلّ معاني الجريمة إلى جذر القطع؛ ترجع كذلك كلّ معاني الضحيّة كيفما قلّبتها، وعلى أيّ وجه حملتها؛ إلى القتل والذبح والنحر، وهو شكل من أشكال القطع والبتر. ثنائيّة لا فكاك منها: القاطع/ القاتل والمقطوع/ المقتول. وفي حديث الاستسقاء ضاحت البلاد أي برزت للشمس، وظهرت بانقطاع النبات فيها. ومن لطائف العربيّة أيضا أنّ أصوات الحروف تجري على سمت الأحداث ومسموعها. قسْ على ذلك كلّ هذه الأفعال التي تتصدّرها القاف أو تقفلها (قتل وقطع وقسم وقصم وقلم وقلع وقبر وقعر ونفق وفتق ورتق وسلق وفلق…) وإذا صحّ لك ذلك فاعلم أنّ القاتل بوجهين: وجهه ووجه ضحيّته.
* كاتب تونسي