رحيل عمود الشعر الشعبي العراقي عريان السيد خلف

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: تلقى بحزن شديد الوسط الثقافي في العراق خبر وفاة الشاعر عريان السيد خلف أمس الاربعاء 5 / 11/ 2018، بعد تدهور حالته الصحية أثناء نقله إلى مستشفى مدينة الطب في العاصمة العراقية بغداد، وقد نعاه اتحاد الأدباء والكتاب في العراق على لسان ناطقه الإعلامي الشاعر عمر السراي بكلمة جاء فيها «وداعا صياد الهموم.. وداعا عريان السيد خلف..ينعى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الشاعر الكبير، شاعر الشعب عريان السيد خلف، الذي وافته المنية إثر نوبة قلبية صباح اليوم في الطريق إلى مشفى مدينة الطب في بغداد. الذكر الطيب للراحل المبدع الأصيل…ستظل قصائده محفورة في وجدان الوطن…والعزاء كل العزاء للعراق كله».

يذكر أن الشاعر الراحل سبق أن تعرض إلى حادث خطير في العام الماضي، عندما انقلبت سيارته بينما كان يقودها في أحد شوارع بغداد، ومن بعدها انحسرت مشاركاته الشعرية بسبب وضعه الصحي الذي مال إلى عدم الاستقرار. واليوم يغادر ميدان الشعر والحياة معا بعد أن كان صوتا اصيلا ومتفردا يتردد صداه في الوجدان الشعبي، ولو عدنا إلى أرشيف الأغنية العراقية خلال العقود الثلاثة الماضية فلن تكون مفاجأة عندما نجد أن أجمل النصوص الغنائية كانت بتوقيعه، وقد غناها أهم المطربين العراقيين، أبرزهم: سعدون جابر، قحطان العطار، رياض أحمد، أمل خضير، عبد فلك.
بدأت مسيرته في عالم الكتابة الشعرية مطلع ستينيات القرن الماضي منحازا بشعره إلى المزاج الشعبي العام الذي كان يستشعره في الأزقة والحارات الشعبية وبين صفوف العمال والكسبة والفلاحين. ولم يتوقف خلال رحلته الطويلة عن إدامة نسغ الشعر في حياته والأمل بيوم أفضل لبلده على الرغم من أن الظروف التي عاصرها كانت معبأة بالتوتر والقلق، نتيجة للصراعات السياسية التي شهدها العراق في العقود الخمسة الماضية وكان هو شخصيا على تماس مباشر معها بسبب ارتباطه بالحزب الشيوعي العراقي، وكان قد أصدر خلال رحلته في عالم الشعر ست مجاميع من بينها «تل الورد» و»صياد الهموم».

كان لابد لسيرته الذاتية أن تنعكس عليها حالة الشد والجذب التي دمغت العلاقة بين الشيوعيين والأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق.

بطبيعة الحال كان لابد لسيرته الذاتية أن تنعكس عليها حالة الشد والجذب التي دمغت العلاقة بين الشيوعيين والأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق، فقد دفع المثقفون ضريبة باهظة نتيجة اهتزاز الثقة بينهما في الفضاء الضيق لتلك العلاقة، وهذا ما دفع الكثير منهم الى الهروب خارج العراق خشية السقوط في ظلمة المعتقلات التي ابتعلت حياة ومصير الكثيرين، إلاّ أن عريان اختار البقاء ولم يغادرمثل آخرين من زملائه ورفاقه. وتشير وقائع حياته طيلة الفترة التي سبقت العام 2003 إلى أنه لم يتوقف عن كتابة الشعر وحضور الفعاليات الثقافية لكنه لم يكن ضمن الذين تخلوا عن قناعاتهم وانخرطوا في جوقة المهرجين في فعاليات وحفلات النظام من الشعراء وهم كثيرون، بل بقي محتفظا بنزعته الذاتية التي تبحث دائما عن كل يعمق علاقتها بالوجدان الشعبي للطبقات الفقيرة والمقهورة التي ينتمي لها بفكره وبجذوره الاجتماعية، فالشاعر الراحل من مواليد الاربعينيات في قضاء قلعة سُكَّر التابع لمحافظة ذي قار/الناصرية في جنوب العراق،والمطلع على الأحوال الاجتماعية لبلاد ما بين النهرين من السهل جدا أن يكون لديه تصور واضح عن البيئة الجنوبية التي جاء منها عريان وانعكاساتها على شخصيته بما تزخر به من حمولة تاريخية وثقافية تحتشد فيها صور ساخنة تشير إلى حقيقة الصراع الطبقي ما بين الفلاحين وسلطة الاقطاع، ومن جانب آخر ذاك الحضور الطاغي للذخيرة الدينية الشيعية بشعائرها الطقسية الباعثة على الحزن والشجن والارتجال الشعري، والتي تمتد عميقا في بنية الإنسان الجنوبي لتجعل من روحه على قدر عال من الشفافية ولتكتظ في داخله مشاعر وأحاسيس ملتبهة تتفجر بشكل آلي ودون تحضير مسبق في صياغة الجملة الشعرية.
برحيل عريان السيد خلف يكون الشعر الشعبي العراقي قد فقد نخلة عالية من بستانه الوارف بالشعراء الذين لا يمكن احصاء عددهم ، ففي كل بيت من جنوب العراق ستجد شاعرا، وسيكون من الصعب أن تتكرر السمات الفنية التي كان عليها شعر عريان في أشعار من سيأتي بعده، فلكل شاعر كبير خاصيته التي ينفرد بها عن غيره طالما البواعث والروافد التي شكلت تجربته الإنسانية والفنية لها محطاتها وسماتها التي تأخذه إلى ركنه الخاص الذي لن ينافسه عليه احد ،ويكاد الوسط الثقافي أن يتفق على أن خريطة الشعر العراقي فقدت خلال العقود الثلاثة الأخيرة أهم ثلاثة شعراء معاصرين يكتبون باللهجة العامية، في مقدمتهم الشاعر زامل سعيد فتاح الذي توفي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي بحادث سير، وكاظم اسماعيل كاطع الذي رحل قبل سنوات معدودة ، وأخيرا عريان السيد خلف، ولم يتبق من الأسماء الكبيرة سوى مظفر النواب الذي يعد الأبرز والاهم في تاريخ الشعر العراقي المكتوب بالعامية، إلاّ أن النواب ونتيجة لما يعانيه من أمراض وبسبب تقدمه في السن لم يعد يمتلك حضورا في الفعاليات والأمسيات الشعرية كما كان عليه منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية الثالثة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية