لندن – “القدس العربي”: وضعت مجلة “فرانس فوتبول”، نفسها في موقف لا تُحسد عليه، وقد تندم عليه في المستقبل القريب جدا، باستنساخ حفل “كربوني” لحفل توزيع جوائز الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) والاتحاد الدولي (فيفا)، والأسوأ من ذلك تسريب أدق تفاصيله، بما فيها ترتيب العشرة الأولى قبل أسبوع من موعده، ليفتح الباب على مصراعيه لأسئلة كثيرة. أبسطها، ما الهدف من البروباغندا قبل الحفل؟ ولمّ التقليد الأعمى لحفل الفيفا؟ ما الجديد؟ من الأساس لماذا حدث الانفصال بعد الشراكة الناجحة مع الفيفا؟ ناهيك عن الطامة الكبرى، بالانطباع السيئ عند كل من أهدر من عمره ما يزيد على ساعة، لمشاهدة حفل “مسخ” معروفة نتائجه مُسبقا، اكتمل بتسليم الجائزة لمن لا تتوافر لديه الشروط والأحكام المتعارف عليها، ليفوز بـ”الكرة الذهبية”، التي تُمنح منذ الخمسينات، للاعب الأكثر تأثيرا في أوروبا من الناحية الفردية والجماعية.
العلامة التجارية في خطر
تبقى المصداقية الشيء الأهم لأي علامة تجارية “عالمية” في مختلف المجالات، بدون المصداقية، لن أقول لك ستنتهي المؤسسات، بل في أضعف الإيمان ستخسر الكثير من أسهمها، أي أرباح مادية أقل من المتوقعة في نهاية العام، وهذا بالكاد، أكثر شيء يُنغص الحياة على أصحاب رؤوس الأموال، وكما نعرف “فرانس فوتبول”، واحدة من أشهر العلامات التجارية الكروية عالميا، لكن بعد السذاجة والاستخفاف بعقول أبسط المتابعين منذ اليوم الأول من إعلان قائمة المنافسين على الجائزة المرموقة، وحتى لقطة لوكا مودريتش الأخيرة، باتت المجلة في أمس وأحوج الحاجة لمراجعة حساباتها من جديد، قبل أن تفقد مصداقيتها تماما أمام الرأي العام، إن لم تكن فقدت جزءا كبيرا منه، بعد حملة السخرية الكبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي عكست مدى ذكاء المتابعين في عصر “فيسبوك” و”تويتر” و”انستغرام”. لا أحد يختلف على ضرورة وصحة التغيير في شتى مجالات الحياة، وفي اللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم، فمنذ سنوات هناك مطالبات وضغوط لتغيير الوجه الفائز بالجوائز الفردية المرموقة، لوجه آخر غير كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، ولنكن مُحقين، كانت هناك فرص نادرة، لتغيير الوجوه، على سبيل المثال نموذج المايسترو تشافي هيرنانديز موسم 2008-2009، قبل بداية الموسم، كان فائزا لتوه باليورو، وفي الختام، خرج من موسمه الخيالي بـ30 تمريرة حاسمة بجانب 10 أهداف بتوقيعه، ونتذكر جيدا أنه حقق كل البطولات المحلية والقارية مع البارسا، لكن في النهاية لم يحصل على الجائزة، في حين احتاج مودريتش تمريرتين حاسمتين في 37 مباراة مع ريال مدريد في الليغا ودوري الأبطال وثلاثة مع منتخب بلاده على مدار العام، ليُعانق الجائزة التي تحظى بأهمية خاصة بالنسبة للنجوم والأساطير. الأمر ينطبق كذلك على الرسام أندريس إنييستا، هو الآخر كان أفضل حالاً من لوكا سواء في البطولات الجماعية أو التأثير الفردي، يكفي أنه كان الأكثر تأثيرا في صفوف المنتخب الإسباني، وصاحب هدف التتويج بالمونديال على حساب هولندا.
مثال آخر لا يسعه إلا البكاء على حاله بعدما شاهد مودريتش يفوز بالكرة الذهبية، الفرنسي فرانك ريبيري، في موسم 2012-2013، لم يختلف اثنان على أنه كان الأحق بالجائزة، بعد موسمه الخيالي مع البايرن، الذي ختمه بالتتويج بالثلاثية التاريخية، بعد مساهمته بـ23 تمريرة حاسمة و11 هدفا، وسبقه ويسلي شنايدر، الذي فعل كل شيء في كرة القدم عام 2010، ثلاثية مع الإنتر والوصول لنهائي كأس العالم، وبتأثير فردي أكثر من لوكا، صنع 15 هدفا وسجل ثمانية في موسم ثلاثية الإنتر، والسبب الرئيسي في عدم فوز هؤلاء بالجائزة، هو الشرط الذي لا يتوافر عادة سوى في المهاجمين ورؤوس الحربة. عن الغزارة التهديفية نتحدث، بدليل أنه منذ ظهور الجائزة إلى النور في منتصف الخمسينات، أي أكثر من 6 عقود، تّوج بها 39 مهاجما، مقابل 19 لاعب وسط، ومدافعان اثنان هما فرانز بكنباور وفابيو كانافارو، وحارس وحيد هو الأسطورة ليف ياشين، وفي العقود الأخيرة بالذات، اتسعت الفجوة بين المهاجمين، وبالأحرى الذين يبصمون على موسم استثنائي من حيث عدد الأهداف، وبقية أصحاب المراكز الأخرى، إلا صناع اللعب الخارقين، في مقدمتهم المراوغ الأعظم رونالدينيو، وهو عزز من مصداقية ونزاهة “الكرة الذهبية”، وجعلها تحظى بثقة واحترام عموم المشجعين، ربما بدرجة تفوق الفيفا في بعض الفترات، خاصة في نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة، ولو نتذكر، آنذاك فاز بها مايكل أوين وأندريه شيفتشينكو وبافل نيدفيد وريفالدو وآخرون، في زمن زين الدين زيدان ورونالدو الظاهرة والملكين أليساندرو ديل بييرو وفرانشيسكو توتي، وهذا رّسخ اعتقادا لدى الجميع، أن “الكرة الذهبية”، لا تُمنح إلا لأفضل لاعب في العالم قولاً وفعلاً.
هل يستحقها مودريتش؟
الإجابة على هذا السؤال تستحق إلقاء ولو نظرة عابرة على موسم لوكا سواء مع الريال أو منتخب بلاده. مع النادي الملكي، من الصعب الاتفاق على ما قدمه، هناك من يرى أنه لم يُقدم موسمه الأفضل على الإطلاق، والبعض يرى العكس، لكن بالنظر إلى تأثيره، سنجد أنه مثل البقية، لم يكن له أي دور على مستوى الدوري المحلي، بالصورة المُخيبة للآمال التي أنهاها الريال متأخرا عن برشلونة بـ19 نقطة، ومن يُريد المراجعة، لن يجد نسخة براقة للوكا، أفضل من مباراتي الذهاب ضد يوفنتوس في ذهاب ربع نهائي الأبطال والبايرن في ذهاب نصف النهائي، وبوجه عام، من الصعب وضع أرقامه في مقارنة مع أرقام كريستيانو رونالدو في حملة الاحتفاظ بالأبطال للمرة الثالثة على التوالي والثالثة عشرة في تاريخ النادي، حيث سجل الدون 15 هدفا وصنع 13 في 13 مشاركة في الكأس ذات الأذنين، بينما مودريتش، صنع هدفا وسجل مثله في 11 مباراة، وما زاد الطين بلة، وضاعف ردود الأفعال السلبية على اختيار الفائز بالجائزة، أنه من المرات النادرة، وربما للمرة الأولى في التاريخ، تُمنح للاعب بلا تأثير حقيقي أو بمعنى أدق وأكثر واقعية، مُختف تماما داخل المستطيل الأخضر لحوالي ربع سنة ميلادية أو أكثر، لنا أن نتخيل أنه منذ بداية الموسم، لم يُقدم سوى 3 تمريرات حاسمة لرفاقه، منها اثنان في نزهة دور مجموعات أبطال أوروبا! هذا في الوقت الذي يأكل فيه كريستيانو الأخضر واليابس في بلاد البيتزا، وميسي يُقدم عجب العجاب مع برشلونة للعام الثاني على التوالي.
أضف إلى ذلك، أنه من المفترض أن التصويت على القائمة انتهى منذ فترة قصيرة، وليس في أغسطس/ آب أو سبتمبر/ أيلول مثل تصويت اليويفا والفيفا، أي هؤلاء الخبراء، لهم أعين شاهدوا بداية مودريتش المُخيبة لآمال الريال ومشجعيه هذا الموسم، وشاهدوا كذلك ما يفعله رونالدو وميسي حتى هذه اللحظة، والمُثير للريبة، ويُعزز الشبهات والقيل والقال حول اختيار الفائز، أن المصوتين أرادوا وضع شيء مختلف عن اليويفا والفيفا، بدمج أداء اللاعبين منذ بداية الموسم الجديد، مع تقييم الأداء عموما الموسم الماضي، ضمن معايير الاختيار، وهو ما ترتب عليه، ابتعاد محمد صلاح عن الخمسة الأوائل، بحجة تراجع مستواه هذا الموسم مقارنة مع الصورة الهوليوودية التي كان عليها الموسم الماضي، لكن ما يدعو للسخرية ربما بدرجة تفوق اختيار مودريتش، أنه بنفس هذه المعايير، خرج ميسي من قائمة الثلاثة الأوائل للمرة الأولى منذ عام 2007، وبدون مبالغة، في موسم يُعّد الأفضل لليو على مدار تاريخه من ناحية الأرقام الفردية، التي كانت دائما وأبدا معيارا وشرطا لا نقاش فيه للمنافسة على الكرة الذهبية، لذلك لم يجد مدرب برشلونة ارنستو فالفيردي وصفا لاختيارات “فرانس فوتبول”، أدق من “سخافة”، أما صحيفة “ميرور”، فلخصت الحفل في هذا العنوان “عندما ترى ميسي الخامس على مستوى العالم، عليك أن تدرك أن هناك خطأ كبيرا في معايير الاختيار”.
النوايا واضحة منذ اليوم الأول
أشرنا أعلاه، أن “فرانس فوتبول”، استخفت بعقول متابعيها بوجه خاص والمتابعين عموما. كيف حدث ذلك؟ في التاسع من أكتوبر/ تشرين الاول الماضي، أي بعد ساعات قليلة من إعلان أسماء المُرشحين للجائزة، أرادت الصحيفة مشاركة زائرين موقعها الإلكتروني، في اختيار المُرشح المُفضل والأوفر حظا للفوز بالجائزة، ولأن الأغلبية الكاسحة تفهم قواعد اللعبة، وتفهم أن “الكرة الذهبية”، ليست مثل بقية الجوائز، لا تخضع للاتفاقات أو المجاملات، ذهب جُل الأصوات لليونيل ميسي، الذي لا يُنافسه أحد في إحصائيته الفردية. لاعب أنهى الموسم الماضي بحصيلة تهديفية وصلت لـ45 هدفا بالإضافة لـ20 تمريرة حاسمة، متفوقا على صلاح ورونالدو، كليهما سجل 44 هدفا، فماذا تنتظر من مشجع محايد مطلوب منه التصويت لاختيار أفضل لاعب في أوروبا؟ فكانت النتيجة الطبيعية، انحسار الأصوات بينهم، بأفضلية لليو الذي حصل بمفرده على 45% من الأصوات، تماما مثل عدد الأهداف، هو أمر لم يرق للمجلة، التي اُضطرت لحذف الاستفتاء، والأدهى من ذلك، طعنت على مصداقيته، بحجة تدخل “الذباب الإلكتروني” بحسابات مزورة. ولو افترضنا جدلاً أن الحسابات الوهمية أعطت ليو أفضلية على صلاح ورونالدو، السؤال الذي يفرض نفسه بشدة، لماذا لم يحصل لوكا مودريتش ولو على صوت يتيم على مدار أكثر من 48 ساعة من التصويت؟ الإجابة تبدو مُحرجة ومُعقدة بالنسبة للمجلة، لأن ما حدث، أثبت أن الاستفتاء حُذف حفاظا على صورة المصوتين أمام زائري المجلة، أو انتقاما من ميسي لعدم حضوره حفل العام الماضي، أو تمهيدا لتغيير وجه الفائز، تنفيذا لأوامر وجهات سيادية خفية مثلاً؟ لا أحد يعلم، المهم، سيذكر التاريخ أنه في واحد من أفضل مواسم رونالدو وميسي عبر تاريخيهما، فاز لوكا مودريتش بكل الجوائز الفردية المرموقة على مستوى العالم، بداية بأفضل لاعب في المونديال، وتبعها بجائزة أفضل لاعب في اليويفا، التي تُمنح منذ تدشينها لأفضل لاعب في دوري أبطال أوروبا، ثم الجائزتين الأهم “The Best” و”الكرة الذهبية”، في إنجاز غير مسبوق لأي أسطورة أو رمز مارس كرة القدم منذ أن اخترعها الشعب الإنكليزي في النصف الثاني من القرن قبل الماضي.
العزاء الوحيد
ما قد يجعل اختيار مودريتش “مهضوما” في قادم المواعيد، أن يكون ما حدث، بداية لعهد جديد من معايير اختيار أفضل لاعب في العالم، ألا تكون حكرا على رؤوس الحربة واللاعبين المهاجمين فقط، بل للأكثر تأثيرا في الفرق والمنتخبات الجماعية، مثل الموضة الحديثة في عالم المنتخبات، بظهور قوى عظمى جديدة تعتمد على الجماعية بدلاً من انتظار الحل الفردي، وهذا يعني أن التكنولوجيا ستلعب دورا لا يُستهان به، في اختيار اللاعب الأحق بجائزة أفضل لاعب في العالم، أن يشمل التقييم عدد تمريراته، والأخطاء، والركلات الثابتة، وتدخلاته، وألعاب الهواء وغيرها من الإحصائيات على مدار الموسم، أشبه بجمع نقاط كل لاعب على مدار الموسم او العام الميلادي، وهذا سيكون نهاية لزمن صناع اللعب والمهاجمين، الذين يخطفون دائما الأضواء من كل اللاعبين، ويقينا هذا لن يحدث في الأعوام المقبلة، أو على الأقل في العام المقبل، من جديد، ستتغير المعايير لتكون مُفَصلة من أجل لاعب بعينه، ربما لخدمة مؤسسات أو أندية مُحددة بدون ذكر أسماء، هذه الأندية وشركاتها الراعية تَعول كثيرا في استثماراتها على أفضل لاعب في العالم بغض النظر عن اسمه، فقط يكون صاحب الجائزة تابعا لهم، لجلب عدد مُعين من الإعلانات.
ويبدو لي بشكل شخصي، وكأن “فرانس فوتبول”، اقتحمت اللعبة، إلى أن يثبت العكس، ويتم الاختيار في قادم المواعيد بنفس معايير اختيار لوكا مودريتش، وهذا في حد ذاته، سيفقد الجائزة الكثير من رونقها، وسينسف حقيقة أنها تُمنح للنجوم المتألقة بشكل خارق على المستوى الفردي، بالتالي ستكون العواقب وخيمة على سمعة الجائزة وعلامتها التجارية، وفي أسوأ الظروف، لو استمرت “الكرة الذهبية”، بدون ابتكار أو تجديد في ما يخص الفائز، بمعايير مختلفة عن الفائز بجائزة الفيفا، في ظرف عامين، ستنهار “الكرة الذهبية” أمام “The Best، ومن يدري، قد تصدق التقارير التي تتحدث عن استعداد جاني انفانتينو لشراء أسهم العلامة التجارية لجائزة “فرانس فوتبول”، في ظل اتساع فارق الأهمية بين الجائزتين منذ انفصال 2016. هل سيحدث؟ ربما، لكن إلى أن يحدث، على المجلة الفرنسية العودة لسابق عهدها أو التطوير بدون مجاملات أو محسوبية لتفادي فتح أي مجال للتشكيك في نزاهة وعدالة الاختيار كما فعلت هذه المرة.