انشغال الصحافيين إما بـ«التطبيل» لأهل السلطة أو الهروب إلى القاع وما يقدم لا يعدو كونه «كلام جرايد»

حسنين كروم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: احتلت أعمال منتدى إفريقيا في شرم الشيخ، وكلمة الرئيس السيسي، ووجود عدد من قادة القارة، وثلاثة آلاف مشارك، على اهتمامات الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 8 و9 ديسمبر/كانون الأول في صور تغطية للحدث ومقالات، وكان الحاضر الغائب هو الزعيم الراحل جمال عبد الناصر باعتباره الذي أرسى نفوذ مصر وعلاقاتها مع كل بلدان القارة، منذ كانت خاضعة للاستعمار، واعتبار الرئيس السيسي الثاني الذي يعيد مصر إلى القارة، بعد أن فقدت مكانتها فيها، في عهدي الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك.

ترهل النظام الحكومي وتجاهل من ساندوا 30 يونيو والإصلاح الاجتماعي وثيق الصلة بإصلاح الخطاب الديني

لكن الأحداث التي اجتذبت اهتمامات قطاعات مختلفة من الشعب، حسب اتصالها بها، كانت الضربة التي حققتها الشرطة بالتوصل إلى المكان الذي يختبئ فيه من بقي على قيد الحياة من أعضاء الخلية التي قتلت سبعة من أشقائنا الأقباط في المنيا، بعد عودتهم من زيارة دير الأنبا صموئيل المعترف، وأهمية العملية تأتي من أنها تمت في الذكرى الأربعين للحادث، والقتيلان هما أبو مصعب وأبو صهيب، والإسمان حركيان، ولم يعلن عن اسميهما الحقيقيين ولا جنسيتيهما. والتوصل إلى مكانهما يدل على القدرة العالية لجهاز الأمن الوطني في جمع المعلومات، لأن مكانهما كان في محافظة أسيوط أيضا. تمت العملية بالتعاون مع القوات المسلحة. ويظهر أن طائرات الجيش اكتشفت مكان سيارة في المنطقة، واتضح أن الارهابيين استخدموها في العملية، وكانت الشرطة قد نجحت في قتل تسعة عشر إرهابيا من الذين شاركوا في العملية، بعد يوم واحد من وقوعها، بعد أن دفعت عناصرها لغلق كل الطرق حتى لا يهرب الإرهابيون إلى ليبيا. أيضا اهتم أصحاب الفنادق السياحية في الغردقة وشرم الشيخ وكذلك الحكومة بوصول اللجنة الروسية التي تتفقد الإجراءات الأمنية في المطارات ومدى الالتزام بها، تمهيدا لاستئناف رحلات الطيران الشارتر، تنفيذا لاتفاق الرئيس السيسي مع الرئيس بوتين أثناء زيارته روسيا. وسكان المحافظات الساحلية اهتموا بموجة البرد والأمطار، كما لا يزال الاهتمام بارزا بواقعة فستان الفنانة رانيا يوسف وأحداث فرنسا والسترات الصفراء،
وإلى ما عندنامن أخبار..

حكومة ووزراء

ونبدأ بالحكومة والمشاكل التي تريد حلها، ومنها المشكلة التي تهم ملايين الأسر من ملاك العقارات، الذين حجزوا شققا لديهم ولم يتمكنوا من دخولها لأنها بنيت بدون تصاريح، أو لأنهم تجاوزوا الارتفاعات المحددة لها، ومنعت الحكومة إدخال المرافق إليها، إذ بدأ مجلس النواب في إعداد قانون جديد للتصالح مع هذه المخالفات، وبشروط وسوف تحصل الدولة نتيجة هذه المصالحات على حوالي ثلاثة آلاف مليون جنيه، أي على طريقة المثل الشعبي «يا بخت من نفع واستنفع». وقد نشرت مجلة «الإذاعة والتلفزيون» حديثا مع علاء والي رئيس لجنة الإسكان في مجلس النواب أجرته معه داليا أبو شقة قال فيه: «بالفعل هناك مشروع قانون تم إقراره داخل اللجنة، وهو الآن في المراجعة لدى أمانة المجلس لتعديل بعض المواد التي كانت محل اختلاف من جانب الحكومة، وسيتم الانتهاء من صياغة المشروع النهائي خلال الأسبوع المقبل، وقد كنا في انتظار صدور هذا القانون منذ بدء دورة الانعقاد الأولى للمجلس، فمنذ عام 2000 هناك مخالفات عديدة، ولكن بعد عام 2011 ارتفعت نسبة المخالفات بصورة غير طبيعية، وكان علينا مواجهة تلك المشكلة، خاصة أن إزالة المباني المخالفة أمر غير منطقى لأنه يضر بثروات المواطنين. ومنذ 2016 بدأت هذه المخالفات في التراجع، لكنها لم تنته لذلك فإن لجنة الإسكان بصدد إقرار قانونين أحدهما للتصالح على مخالفات البناء والآخر لتعديل قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، حيث تقدم عدد من النواب بمشروعات تخص التصالح على مخالفات البناء، كما أرسلت الحكومة مشروع قانون أيضًا وتم عمل المقارنات بين مشروعي الحكومة والنواب، للخروج بالصيغة القانونية لمشروع القانون الأسبوع الماضي. قانون التصالح في مخالفات البناء حدد 6 شروط تقريباً للتصالح وتقنين المباني القائمة منها، عدم التعدي على المباني المحددة في قانون الآثار، وعدم مخالفة شروط الطيران المدني والحربي، وعدم التعدي على أراضي الدولة والأراضي الزراعية والأراضي في حرم النيل. كما اشترط السلامة الإنشائية للمبنى بناء على شهادات من مكاتب استشارية تصبح هي المسؤولة جنائيًا عما تقدمه من تقرير عن سلامة المبنى، وعدم مخالفة خطوط التنظيم المحددة من هيئة التخطيط العمراني، سيتقدم صاحب المخالفة بطلب التصالح إلى اللجنة المشكلة من الجهة الإدارية متمثلة في المحافظة، وهي لجنة استشارية معتمدة لتحقيق الشفافية وسيطبق القانون لمدة عام على الأكثر بعدها لن يحق للمخالف التقدم بطلب للتصالح».

السكك الحديد

ومن مشكلة التصالح في المباني المخالفة إلى السماح للقطاع الخاص بالاستثمار في السكك الحديد، واتهام الحكومة بأنها تستعد لبيعها للمستثمرين، وهو ما نفاه المهندس أشرف رسلان رئيس الهيئة في حديث أجراه معه في «الوطن» توفيق شعبان قال فيه: «لا يمكن في أي حال من الأحوال خصخصتها، بل إنه من المستحيل أن يحدث ذلك، وتم الانتهاء من إجراء تعديل قانون السكة الحديد في مجلس النواب للسماح بدخول القطاع الخاص، لأن قانون السكة الحديد الحالي ينص على أن الهيئة دون غيرها مسؤولة عن كل هذه الأمور، ومشاركة القطاع الخاص تستهدف تطوير ودعم هذا المرافق، لأن الاستثمارات المطلوبة ضخمة والتعديل يسمح للشركات الاستثمارية الكبرى بالمشاركة في المنظومة، والعمل في إعداد خطة لتطوير السكك الحديد لتخفيف العبء عن الموازنة العامة للدولة، والسماح للقطاع الخاص سوف يكون بالاشتراك في إنشاء الخطوط الجديدة، والصيانة ومنظومة نقل البضائع للعمل على زيادة إيرادات السكة الحديد بمقابل مادي تحدده الهيئة».

أمنيات لن تتحقق

وفي «اليوم السابع» شن علاء عبد الهادي في «الأخبار» هجوما على الحكومة وهو يعبر عن أمنيات يدرك قبل غيره أنها لن تتحقق وهي من نوع: «هل يأتي اليوم الذي لا يكون فيه كل هم المصري أن يطعم الأفواة الجائعة المعلقة في رقبته، هل يأتي اليوم الذي يخشى فيه المصري من المرض، وهو سنة من سنن الله التي يبتلي بها بعضا من عباده؟ ويأمن على أن يقدم له العلاج الذي يليق بكرامته، كإنسان كرمه الله. هل يأتي اليوم الذي فيه تعود للطبقة المتوسطة، صمام أمان أي مجتمع، عافتيها وتزداد مساحتها وتعود لها قدراتها الشرائية التي تآكلت منذ إجراءات التعويم، التي لم ترعها وتسببت في فرمها وسحقها وسقوط أعداد كبيرة منها في ذيل قائمتها إلى طبقة الفقراء».

كاريكاتير

وبعد أن قرأ الرسام عمرو سليم ما كتبه علاء عن الطبقة الوسطى أخبرنا أنه كان في زيارة قريب له من الأغنياء فوجد ابنه يسأله: يعني أيه يا بابا الطبقة المتوسطة؟ فرد عليه وهو يدخن سيجارة ويرتدي روب دي شامبر: حاجة بتتاكل يا حبيبي.

مستشفى سرطان الأطفال

ونظل مع الحكومة ووزارة التضامن الاجتماعي التي أصدرت تقريرها بعد خمسة أشهر من التحقيقات في المخالفات التي كتبها في عدة مقالات الكاتب والسيناريست وحيد حامد في «المصري اليوم» عن مخالفات مالية وإدارية تحدث في مستشفى سرطان الأطفال 57357 وشاركه في الحملة الدكتور محمد الباز رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «الدستور»، ومن خلال برنامج له في إحدى القنوات الفضائية، وجاء تقرير الوزارة نافيا ما ذكره وحيد وإن اعترف بوجود مخالفات إدارية طالب إدارة المستشفى بالتخلص منها. ما أغضب في «الدستور» أشرف عبد الشافي، فاتهم الوزارة بالتستر على إدارة المستشفى، كما هاجم الصحافيين والإعلاميين الذين دافعوا عن إدارة المستشفى وقال: «كان الرهان على الإعلام ليناقش التقرير، وانتظرنا مفاجآت ترد على كيد الكائدين، وتفند مزاعم وحيد حامد والذين معه، وتكشف حيثيات هذه البراءة المفاجئة، لكن ما حدث كان أكثر إثارة فقد خرج من يقول: كنت متأكدًا من براءة مستشفى سرطان الأطفال، وكاد آخر يقفز من الشاشة ليبقر بطن وحيد حامد المفترى اللي بيشيع الفتنة. وقبض ثالث على مؤخرة الموضوع مؤكدًا أن الدكتور شريف أبوالنجا رجل وطني هُمام، وعوج رابع شفته السفلى ومص العليا ممتعضًا من وحيد حامد وكل اللي أشاعوا الشائعات، وأطل شاب وسيم ليطالب وحيد حامد بالاعتذار العلني، ورنت الزغاريد ودقت الطبول وصعدت الغازية لتقديم فقرتها الراقصة انتصارًا وابتهاجًا ببراءة السيد شريف أبوالنجا، اللي سمعته زي اللولي الله الله الله، كل هؤلاء ظهروا الآن يهللون للتقرير المنقوص دونما تفنيد أو فضح لكل مفترٍ تطاول على المستشفى وصاحبه؟ كل هؤلاء يرون الحق قد ظهر وزغلل العيون؟ كل هؤلاء تركوا وحيد حامد يصرخ على مدار سبعة أشهر، ولم يراجعوه في كلمة أو حرف، ثم انتفضوا اليوم يمزقون جسده ويحرضون المحامين الملاكي ضده! فاللجنة الموقرة اعترفت بأن المؤسسة غير مرخصة وقالت إنها أمهلت السادة في مجلس الأمناء بالبدء في إجراءات ترخيص أكاديمية 57357 للعلوم الصحية، بعدما ثبت أنها غير مرخصة، كما اعترفت بوجود مخالفات إدارية، صحيح لم تعلن تفاصيلها كاملة إلا أنها اعترفت بوجود فضيحة تخص طريقة جمع المال عن طريق الرسائل النصية، في حين أن ذلك غير منصوص عليه في تراخيص المؤسسة. اللجنة ناقضت نفسها ولم تبرئ المستشفى بقدر ما أدانته، ومن قرأ لكم السطر الأخير خدعكم لتهللوا وتكبروا وتهنئوا أخاكم شريف بالبراءة، كنتم تريدون مخرجًا سريعًا بعد أن كشف الرأي العام موقفكم المخزي منذ فتح ملف المستشفى، فبعضكم اختفى من المشهد حرصًا على صفقاته الإعلانية، والبعض الآخر عمل نفسه من بنها حرصًا على «السبوبة» والتعاون المشترك، في حين صمت فريق ثالث حفاظًا على علاقته العاطفية مع السيد شريف أبوالنجا، أو أحد أفراد عائلته، وقفتم تراقبون خوفًا وطمعًا حتى إذا خرج تقرير هزيل يفضح أكثر مما يستر تكالبتم تتصايحون وتنبحون في مشهد جماعي غريب ومثير ومسيء للآداب العامة. حجم الفساد الذي لم تشاهدوه أجبر اللجنة على الاعتراف بجزء منه حتى لا تكون الفضيحة كاملة الأركان، لكنكم لا تقرأون وتتصورون أن بإمكانكم تضليل شعب اكتمل وعيه ولم يعد في حاجة إلى دليل على وجود فضيحة طالما تجمعتم بهذا الشكل المريب».

أين حلفاء النظام؟

لماذا أبعد النظام حلفاءه الذين ساعدوه في ثورة الثلاثين من يونيو/حزيران 2013 التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين، هذا هو السؤال الذي عاد لطرحه في «المصري اليوم» رئيس تحريرها الأسبق محمد السيد صالح الذي قارن بين النظام الحالي ونظام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وسياسات كل منهما قال محذرا النظام من ابتعاد الجماهير عنه: «تشغلني كثيراً مجموعة من الأسئلة البسيطة المرتبطة بشركاء 30 يونيو/حزيران، من انقلب منهم على حماسته القديمة لهذه الثورة، من تحول للصمت، من تجاهلته القوة الجارفة، من دخل الحبس بسبب دعاوى قضائية، أو خلافات سياسية تحمست لهذه الأسئلة في الذكرى الأولى والثانية لهذه الثورة التصحيحية، لكن بعد ذلك خفت أنا وغيرى من أن نعيد الكرة لنسأل السؤال نفسه، لزيادة الفئات التي أشرت إليها، ولخطورة صياغة إجابات صادقة ودقيقة في ظل الضغوط الموجودة في المجال العام. أنا أعتبر نفسى منتميًا لفكرة هذه الثورة، لكنني أتساءل اليوم: هل أردنا دولة بهذه المواصفات الموجودة حاليًا؟ كان عبدالناصر عسكريًا أيضًا لكنه عندما تهيأت له الظروف وحكم مصر اختار مستشارين مؤهلين صاغوا له نظرية اقتصادية واجتماعية وسياسية مقنعة، لم تكن الأمور مثالية، وتم إسقاط شركاء ثورته أيضًا، لكن كانت هناك حشود الجماهير والمثقفين والإعلاميين في ظهره، المدارس والجامعات تدرس معالم برنامجه السياسي لتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، صدرنا هذه الفكرة للعالم العربي ولإفريقيا ولجميع حركات التحرر. مرة ثانية أقول إنه لم يكن فكراً مثاليًا للغاية، لكن كانت هناك رؤية شاملة، الآن ما هو طريقنا؟ ما هي نظريتنا في الحكم؟ ما أفزعني أكثر ما كتبته الكاتبة الدكتورة لميس جابر في «الوطن» والدكتور عماد جاد في «المصرى اليوم»، لميس واحدة من أبرز كارهي الإخوان ومعها ثورة يناير/كانون الثاني كلها، ومن أوائل من بشروا ثم دعموا ثورة ثلاثين يونيو/حزيران، لكن عندما تتحدث وبقوة في مقالها «من البيت بيتك إلى مكملين» عن فشل الإعلام المصري حاليًا واتجاه الغالبية من المتابعين إلى وسائل إخوانية تعمل من خارج البلاد، مع سرد قصتها مع برنامج «البيت بيتك» الناجح والمعارض في نهاية عهد مبارك، فإنه جرس إنذار لقد أسعدني انتشار مقالها، ولكن من يقرأ ويناقش. أما عماد جاد فكانت لهجته حادة ودقيقة، وهو يتحدث عن التجاهل الذي يعانيه كثيرون من الذين آمنوا وساندوا «النظام الحالي» ثم كان مصيرهم إلى الظل والتجاوز. أعتقد أن عماد جاد يقصد نفسه بهذه الإشارة هو واحد من أذكى الخبراء السياسيين في «مركز الأهرام للدراسات» وله خبرة عريضة في إدارة العمل الإعلامي. في عدد من الفضائيات وقف في وجه الإخوان وانخرط في أنشطة حزبية ليبرالية آمن بالرئيس السيسي وحكمه، لكن بعض «الأجهزة» تجاوزته تمامًا. أما في الأطراف فالوضع اختلف تمامًا في المقاهي، وفي وسط الأصدقاء والأهل، تراجع الحماس العام والدعم. نسبة كبيرة هزمتها هموم ارتفاع الأسعار وتدني الخدمات وترهل النظام الحكومي الذي لا يستجيب لمعظم الشكاوى. معظم الإنجازات بعيدة عن مجتمعاتهم التي يعيشون فيها. أصبح لديهم لامبالاة بما يحدث، البعض خائف يترقب وآخرون ما زال يشغلهم هذا الخطاب الدعائي المركزي من الإعلام الرسمي. أتمنى أن نستفيد من الأخطاء السابقة في ممارسات مبارك ونظامه ثم كوارث الإخوان دروس قريبة كل الخبراء أفاضوا في شرح هذه الخطايا».

الصحافة الصفراء

محمد سعد عبد الحفيظ في «الشروق» يقول: «في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وبداية تلك الألفية، وبينما أقف بين كتل من اللحم في أحد قطارات الدرجة الثالثة أو المميزة المتجهة إلى بلدتي في شمال الصعيد نهاية كل أسبوع، يرتفع صوت أحد سريحة الصحف، «إقرأ الحادثة، ضبط ممثلة شهيرة في وضع مخل، سقوط عصابة تبادل الزوجات في الجيزة، القبض على فلانة في بيت دعارة، إلخ»، ويمر بعده آخر بنداء، «أخبار، مساء، جمهورية»، وأضيف إليهم لاحقا «العربي، الأسبوع، صوت الأمة». كان النوع الأول من صحافة الفضائح هو الأرخص والأكثر رواجا بين ركاب قطار الدرجة الثالثة، من ذوي التعليم المتوسط والطلبة، كانوا يتداولون نسخ الصحف الصفراء لقتل الوقت الذي يطول بفعل الوقوف على الأقدام لرحلة قد تمتد نصف يوم. يعلم هؤلاء أن ما تحتويه تلك الجرائد لا يعدو كونه قصصا «مضروبة» تنقصها الحبكة في كثير من الأحيان، لكنها تناسب الحالة المزرية التي فرضتها زحمة القطار وسخونة الطقس، يقلبون صفحاتها ويتفحصون صورها العارية ثم يفترشونها على أرضية القطار بقية الرحلة. مع الوقت، ولما أذنت الحالة المادية للعبد لله بركوب العربات المكيفة في قطار الدرجة الثانية، انخفض صوت السريحة واختفت تقريبا صحف «الفضائح»، ودس عدد كبير من الركاب رؤوسهم في صفحات صحف الحكومة أو صحف المعارضة بمختلف اتجاهاتها، يقرؤونها من الصفحة الأخيرة إلى الأولى أو العكس، فهي السبيل الوحيد لقتل وقت الرحلة قبل اختراع الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي. كان سوق القراءة في مصر يجمع حتى وقت قريب بين الصحافة الجادة التي تشتبك مع قضايا جادة تهم المواطن وتفككها من وجهات نظر مختلفة، وبين صحافة الإثارة والفضائح التي تسترزق من أخبار فضائح نجوم المجتمع والفنانين والمواضيع الجنسية والسحر والشعوذة وقشور الدين، التي تعتمد على المعلومات التافهة والأخبار المفبركة، وأغلبية المحتوى الصحافي المنشور فيها يكون مسروقا من وسائل أخرى أو «مضروبا» من وحى خيال المحرر. تخاطب الصحافة الصفراء شهوات القارئ وتعمل على دغدغة غرائزه بجره إلى نميمة مجتمع المشاهير وأخبار الجريمة والجنس، ونشر الصور العارية، وجمهورها عادة يكون من الطبقات الأقل تعليما وثقافة، وكانت تراخيص تلك الصحف عادة أجنبية، حيث التكلفة الأقل والبعد عن رقابة المجلس الأعلى للصحافة أو نقابة الصحافيين. في الفترة الأخيرة، وعندما حجبت معظم القضايا الجادة عن المناقشة، ومنع أهل القلم من الاشتباك مع القرارات الحكومية والتشريعات البرلمانية، طغى «الصفار» على معظم المنصات الإعلامية، وصارت «خناقة» حمو بيكا ومجدي شطة وفستان رانيا يوسف الذي لم يكشف أكثر مما تكشفه صاحبته في أدوارها الفنية، هي أو غيرها هو «التريند» الذي يسعى الكل إلى «ركوبه». عندما فرض الفراغ على محرري الصحافة وخلت الأجندة التحريرية من أي اشتباك الذي هو أساس مهنتنا، تحولت «حبة» رانيا يوسف إلى «قبة»، فتقدم طلبات الإحاطة البرلمانية وتتحرك بلاغات راغبي الشهرة بسرعة البرق إلى ساحات المحاكم، وتدبج المقالات والتقارير مع صور للفستان العاري. خلال السنوات الأخيرة، انتهى بنا الحال إلى أن تصبح أخبار الفستان وحمو بيكا واختفاء الأعضاء التناسلية في الجنة هي الأكثر قراءة على مواقع الصحف التي من المفترض أنها تستهدف جمهور الدرجة الأولى والثانية من القراء. انعدمت الثقة بين الصحافة والناس وفقدنا جمهورنا الطبيعي، وانشغلنا إما بـ«التطبيل» لأهل السلطة، أو الهروب إلى القاع بالنبش في القشور والاشتباك مع مقدمة ومؤخرة فستان رانيا، فصار كل ما نقدمه لا يعدو كونه كلام جرايد».

مشاكل وانتقادات

وإلى المشاكل والانتقادات ومنها المشكلة التي تسبب فيها البعض بجهلهم في أزمة عابرة مع كوريا الجنوبية، عندما طالبوا بجمع الكلاب الضالة التي كثرت وبيعها إلى كوريا الجنوبية لأنهم ياكلون الكلاب، وردت كوريا بأن شعبها لا يأكل كلابه. وقالت داليا جمال ساخرة في «أخبار اليوم» من الذين يريدون التخلص من الكلاب: «الحقيقة إن كنا نلوم البسطاء إذا كانت معلوماتهم عن الدول الأخرى تقف عند عصور مضت، إلا أنني لا التمس العذر لمسؤول كبير أو صحافي يحمل شهادات عليا لا يعلم معظم مدن كوريا الجنوبية، هي مدن ذكية ومتوسط دخل المواطن الكوري الجنوبي من أعلى الدخول في العالم، والأستاذ اللي عاوز يصدّر الكلاب البلدي لكوريا مش واخد باله أن السيارات الكورية بدأت تسحب البساط من السيارات اليابانية والأجهزة الكهربائية والهواتف المحمولة الكورية، جعلت اليابان وأوروبا ترفع راية الاستسلام. وفي هذه الحالة يبقى على اللي خايف من «هوهوة» الكلاب البلدي ومش عاوز يشوفها ما يزعلش لما مواطن من دولة أجنبية يعايره كمصري بأكل الفول، مع أن الفول لا هو عيب ولا حرام، لأنه من باب أولى لازم يراعي الدول التانية ومن علشان واحد خايف الكلب يعضه يقوم يهبش في دول الناس».
وإشارة داليا إلى الفول وإمكانية معايرة المصريين بأكله فلأنه في الدول الأوروبية وأمريكا يقدم طعاما للمواشي، ومنذ خمسين سنة كان بعض الإخوة العرب عندما يشتبكون في معارك مع مصر كانوا يصفون شعبها بأنه شعب فوالة، ولكن الفول والطعمية انتقلت الآن إلى دول الخليج العربية، خاصة في سحور رمضان وهو وجبة الصباح المفضلة لدى المصريين الأغنياء والفقراء، والبعض يطلق عليها «مسمار البطن» أي يشبع حتى يحين موعد الغداء. وبالاضافة لانتشار مطاعم الفول والطعمية فهناك العربات التي تنتشر في الشوارع لبيع السندوتشات وأذكر أن احد المطاعم كان يعلق يافطة كتب فيها أن خلص الفول أن مش مسؤول.

احتمالات العدوى

«في بداية الاحتجاجات على رفع نسبة الضريبة على بعض أنواع الوقود في فرنسا، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: «لن نقدم أي تنازلات لمثيري الفوضى، لأن ذلك سيضع المخربين والفوضويين على قدم المساواة مع المواطنين، الذين يعبرون عن رأيهم بطريقة سلمية». وبعدها بأيام قليلة قال وزير داخليته مساء السبت الماضي: «ندرس جميع الإجراءات التي تسمح لنا بضمان نشر الأمن في البلاد، لا محرمات عندي ونحن مستعدون لاتخاذ الإجراءات جميعا ضد مثيرى الشغب والانقسام. وهناك نحو تسعين ألف شرطي، بينهم 4600 عنصر منتشرين في العاصمة باريس للسيطرة على أعمال العنف. هذا ما كان في البداية، لكن ما حدث في النهاية، خصوصا مساء الأربعاء الماضي، أن الحكومة والرئيس رضخا لمطالب الفوضويين والمخربين غير السلميين، حسب وصفهم، وقرروا ليس فقط تعليق الضريبة لمدة ستة شهور، ولكن إلغاءها تماما والتفكير في بدائل أخرى. يتساءل عماد الدين حسين في «الشروق»، هل أخطأ ماكرون وحكومته، حينما استجابوا لمطالب، اعتبروها في البداية غير منطقية؟ في عالم السياسة، خصوصا في الديمقراطيات القوية، لا توجد مباريات صفرية، أي فائز كامل، ومهزوم كامل، بل هناك دائما الحلول الوسط، أو الفوز والهزيمة النسبية،.على سبيل المثال نفّذ موظفو السكة الحديد في فرنسا إضرابا كبيرا، عن العمل في شهر يونيو/حزيران الماضي، اعتراضا على تعديل وتقليل الحكومة بعض المزايا، التي كانوا يحصلون عليها، ومنها على سبيل المثال ضمان استمرارهم في الوظيفة مدى الحياة، بدون قدرة الحكومة على إنهاء التعاقد معهم. يومها رفضت الحكومة تماما، الاستماع إلى مطالبهم، مدعومة بأن غالبية الفرنسيين أيضا، رفضوا هذه المطالب واعتبروها غير منطقية. وقتها أيضا فإن أكثر من ثلثي الفرنسيين كانوا يؤيدون الإصلاحات الاقتصادية التي طرحها ماكرون منذ فوزه الكاسح بمنصب الرئيس، قبل 18 شهرا. المفارقة أن النسبة نفسها، بل أكثر منها وهي 72٪ من الفرنسيين صاروا يؤيدون المطالب التي رفعتها مظاهرات حركة «السترات الصفراء» التي بدأت بمطلب واحد فقط وهو، إلغاء الضريبة على بعض أنواع الوقود، وانتهت بأكثر من 40 مطلبا تشمل الاستفتاء على سياسات ماكرون وإجراء انتخابات مبكرة، لكي يقول الشعب رأيه في سياسات الرئيس الاجتماعية والاقتصادية. ما حدث هو أسوأ كابوس فكر فيه ماكرون، الرجل كان يحلم باستعادة النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافى لفرنسا، بل قيادة الاتحاد الأوروبى، أو على الأقل التأثير فيه بالدرجة الألمانية. وتابعنا في الأسابيع الأخيرة، الدعوات التي خرجت من باريس على لسان ماكرون لتشكيل جيش أوروبي موحد بديل عن الابتزاز الذي يمارسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليل نهار ضد الجميع، خاصة الاتحاد الأوروبي، لكي يتحمل تمويل الوجود الأمريكي في القارة العجوز، ضد أي تهديدات خارجية محتملة، خصوصا من روسيا. هل ما حدث هو مؤامرة خارجية جاءت من ترامب وأمريكا ردا على الجيش الموحد؟ بالطبع لا يوجد مستحيل في عالم السياسة، لكن يصعب إلى حد ما تصديق الدور الأمريكي السريع في إشعال الأزمة. كما يصعب أيضا تصور أن يقود أي تيار إسلامي مهما كانت قوته هذه المظاهرات، لأن هذا التيار صار أضعف من أن يؤثر في محيطه التقليدي، حتى يكون قادرا على قلب الطاولة بالكامل في بلد بحجم فرنسا. الاقرب إلى الصواب أن هناك ظروفا موضوعية كثيرة دفعت الفرنسيين للنزول والاحتجاج بمثل هذه الصورة العنيفة. قد يكون هناك دور خارجي، لكنه سيظل عاملا مساعدا أو مستفيدا، لكن الزعم بأنه الدور الوحيد يحتاج إلى أدلة حاسمة. والأفضل من الجدل حول هذه الأسئلة، هو الانشغال بالقراءة الهادئة والموضوعية لهذه الاحتجاجات غير المتوقعة، لأن احتمالات انتقالها لمحيطها تبدو ممكنة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلتها منتشرة عالميا، وهنا يأتي الحديث عن احتمالات العدوى».

لكل مجتمع أولوياته

«أثارت الدعوة لإصلاح الخطاب الديني حالة محمودة من الجدل، حسب رأي وائل لطفي في «الوطن»، وكانت الملاحظة الأساسية أن عدداً من الذين يجب أن يكونوا في المعسكر المطالب بالإصلاح لم يكونوا كذلك، وكان التفسير أنهم لم يتعاملوا مع مطلب الإصلاح بموضوعية وتجرد، وإنما ربطوه برغبتهم في أن يكونوا في الصف المناوئ للدولة، رغم أن الدولة هنا تتبنى مطلباً إصلاحياً كان يمكنها التغاضي عنه لو نظرت لحسابات السياسة الضيقة. كان مما طرح أيضاً تلك الفكرة التي تقول أن الإصلاح السياسي يجب أن يسبق الإصلاح الديني، وهي فكرة لا يمكن القطع بصحتها، ففي أوروبا مثلاً سبق الإصلاح الديني 1517 «الماجنا كارتا» بقرن كامل، وسبق الثورة الفرنسية بقرنين تقريباً، ولا يعني هذا أن الإصلاح السياسي ليس ضرورة، لكن لكل مجتمع أولوياته، ولا يمكن وضع العصا في عجلة الإصلاح، لأن هناك من يرغب في أن يبدو بعيداً أو معارضاً لكل ما تطرحه الدولة، حتى لو كان ما تطرحه رغبة صادقة في إصلاح ما يعرف الجميع أنه ينبغي إصلاحه. أياً كان الأمر فالاقتراح الآن أن تتبنى الدولة بمؤسساتها المختلفة حملة لإصلاح (الخطاب الأخلاقي)، أو حملة لإصلاح أخلاق المصريين، وهي حملة لا أظن أنها ستكون محل خلاف بين أي من الأطراف المختلفة، كما لا أظن أنها ستصطدم بأي من الثوابت التي يظن البعض أن عليه أن يقاتل للحفاظ عليها. لقد أورثت الأربعين عاماً الماضية المجتمع المصري بعضاً من أسوأ العادات التي لا يمكن الفخر بها، ويعرف الجميع ما نعانيه جميعاً من جراء صفات مثل المظهرية، والكذب، والتدين المظهري، والطقوسي، وعدم إتقان العمل، وعدم الرغبة في بذل الجهد، وهي كلها صفات نعرف جميعاً أنها قد تفشت بين المصريين، وأشار الرئيس السيسي لها في كلمته في احتفال المولد النبوي الشريف. إن المطلوب الآن من مؤسسات الدولة المختلفة أن تتبنى حملة للإصلاح الاجتماعي، سبق لي وكتبت عنها مراراً على صفحات جريدتي «الوطن» و«روزاليوسف»، ولا شك أن الإصلاح الاجتماعي وثيق الصلة بإصلاح الخطاب الديني، وإن كان لا يصطدم بما يظنه البعض ثوابت ينبغي الحفاظ عليها، إذ يمكن للأزهر في هذه الحالة أن يجند دعاته والإمكانات الهائلة التي يحظى بها للمشاركة في هذه الحملة مع مؤسسات الدولة الأخرى كخطوة على طريق الإصلاح، وهو طريق طويل يمكن البدء فيه إذا خلصت النوايا وصدق العزم».

البابا وزيارة القدس

وتعرض البابا تواضروس الثاني بابا المسيحيين الأرثوذكس وهم الأغلبية الساحقة، للانتقاد في «الجمهورية» من لويس جرجس بسبب تأييده زيارة الأقباط لمدينة القدس، في حديث له مع فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» السعودية وقال جرجس: قال البابا إن منع زيارة المسيحيين للأماكن المقدسة في القدس لم يكن أمرا جيدا، وبرر ذلك بوجود أعداد كبيرة من المصريين والأقباط، استقروا هناك وعملوا في بعض الصناعات اليدوية، وعندما توقفت زيارات المصريين الأقباط لم تجد هذه الصناعات من يشتريها، ونتيجة ذلك قل عددهم بشكل كبير، وانخفضت أحوالهم المعيشية وبدأوا يتركون فلسطين، وهذا ليس جيدا. وأضاف البابا في حيثياته، لنا مطران قبطي ولنا كنائس ولنا أديرة هناك من قرون طويلة، ولنا مدارس وهذا كله موجود في القدس، وسواء كانت العلاقة مقطوعة أو غير مقطوعة التواجد القبطي مستمر على الأراضي المقدسة، بعد قوله أن فلسطين بلاد محتلة، وهو أن تظل القدس عاصمة للدولتين القدس الشرقية والقدس الغربية. في المقابل ليس بعيدا عن الذاكرة ما اتخذه الكيان الصهيوني من خطوات لتهويد القدس ثم المباركة الأمريكية لهذه الخطوات بنقل السفارة إلى هناك، عفوا قداسة البابا كان قرار منع زيارة القدس جيدا، وسيظل كذلك رغم صعوباته الروحية على الأقباط المتطلعين إلى الحج للأماكن المقدسة، لكنه أمر مفروض عليهم وضريبة أخرى يجب أن يدفعوها حفاظا على وحدة الوطن».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية