يكنز متحف الأرميتاج ثروة فنية وأثرية نادرة،يفوق عددها الثلاثة ملايين تحفة، تغطي أبرز مراحل ارتقاء وتداعي حضارات المجتمعات البشرية، منذ العصر السومري وحتى الحضارة الأوروبية المعاصرة.وتشمل، في المقام الأول، لوحات تشكيلية وتماثيل وجداريات ونقوشاً ومجوهرات وبدلات ملوك وأمراء وجنرالات عظام ومسكوكات ومجموعة ساعات فاخرة ومنتجات الفن التطبيقي والحرف الفنية الأخرى. وتشير أدبيات المتحف إلى أن المرء بحاجة إلى ثمانية أعوام لمعاينة مقتنياتهكاملة، إذا ما شاهد، وللحظات، كل ما هو معروضفي قاعات ورواق المتحف ومرسوم على جدرانه وسقوفه. وتذكر أن طول قاعات الأرميتاج زهاء عشرين كيلو متراَ. وحسب البيانات الرسمية يعد الأرميتاج الأكثر ارتياداً من بين متاحف العالم، بما فيها اللوفر والمتحف البريطاني والمتربوليتان.
قصور الأرميتاج
يضم متحف الأرميتاج خمس بنايات، أشهرها القصر الشتوي. ومن يزور ميدان القصر يتمتع برؤية هذا المبنى الباذخ فاخر الابهة والجمال، الذي وضع في تصميمه المعماري (ب. ف. راستريللي) كل علوم وفنون العمران الايطالي والفرنسي حتى غدا تحفة أثرية فريدة، قائمة بذاتها، في مجمل العمران الأوروبي الحديث. ولبناء قصر القياصرة الأبهى، صرف هذا المعماري الفذ مع فريقه ثمان سنوات (1754-1762)، ليخرجه بكل هذه الهيبة والرحاب التي تتناغم مع عظمة إمبراطورية أل رومانوف (1613-1917)، وفيه جسد جلال وشموخ وطموح الإمبراطورة الأشهر في تاريخ روسيا يَكاتيرينا الثانية (1729- 1796).
إضافة إلى هذا القصر الامبراطوري، المطل على نهر النيفا وجسوره العملاقة ذات التصاميم الفخمة، تندرج أيضاً في مجمع متحف الأرميتاج، ومنذ عشرينات القرن الماضي، قصور لا تقل روعةً وبهاءً؛ الأرميتاج الصغير (شيده المعماري فاللين- ديلاموت)، الأرميتاج الكبير (شيده المعماري يو. فيلتين)، مسرح الأرميتاج (شيده المعماري ج. كفارينغي) والأرميتاج الجديد (شيده المعماري ل. فون كلينتسي).
ظهرت مجموعة الأرميتاج اقتداءً بما كان شائعاً في بلاطات ملوك أوروبا. ويعود الفضل في ظهور أول صالون لوحات تشكيلية في روسيا إلى القيصر المستنير بطرس الأول، إذ عرض آنئذ مجموعة رسومات في مقره الصيفي بضاحية بيترغوف. ولاحقاً، في عام1887، تم إهداء الأفضل منها إلى الأرميتاج.
تاريخ تأسيس الأرميتاج
أما قصة تأسيس متحف الأرميتاج (الخلوة) فينسبها مؤرخو الفن الروسي إلى عام (1764)، في نهاية هذا العام تحتفل الأوساط الثقافية والفنية العالمية بذكرى مرور (250) عاماً على تأسيسه، حينما اشترت الإمبراطورة يكاتيرينا الثانية نحو (225) لوحة فنية، من أعظم أعمال فناني أوروبا الغربية عن طريق النبيل والتاجر الألماني غوتسكوفسكي. وبدايةً، تم عرضها على جدران بهو الراحة للقيصرة في القصر الشتوي- الذي شُيّدَ سنة (1762) على ضفة نهر النيفا بمدينة سانت- بطرسبورغ،وظل حتى مستهل أكتوبر عام (1917) المقر المركزي لقياصرة روسيا (آل رومانوف) وحكوماتهم- ومن حينذاك الحين تحول البهو، مع تعاقب السنين، إلى متحف مصغر خاص بالقياصرة وأسرهم.
ولعرض ما تم شراؤه وجمعه من لوحات زيتية ومنحوتات وقطع أثرية نادرة، من مصادر محلية ودولية بُني الأرميتاج القديم عام(1778). وتنقل المصادر، أن قيصر روسيا سمح لمشاهير الرسامين والنحّاة الروس، مطلع القرن التاسع عشر، بالعمل داخل صالات القصر بعد أن كان الدخول للمتحف الإمبراطوري محصوراً بحاشية القيصر. وهنا رسم الفنان الروسي العبقري كارل برولوف لوحته الشهيرة (اليوم الأخير لبومبي) 1833، التي استغرقت ثلاث سنوات من العمل المضني. واليوم، ومنذ أكثر من قرن، تعرض هذه اللوحة العملاقة والأشهر بين مجمل كنوز الفن التشكيلي الروسي، في المتحف الروسي الكبير بمدينة سانت-بطرسبورغ. كما وعمل في قاعات الأرميتاج النّحّات العظيم فيدوتوف، مؤسس الواقعية النقدية في الفن الروسي، الذي تأثر به نخبة من الفنانين الروس، وفي الغرة منهم؛ الرسام تريتياكوف في لوحة (صباح الفارس)، والرسام فينيتسيانوف صاحب لوحة (المزرعة) التي رسمها عام (1820)، وغيرهما من عمالقة الفن التشكيلي الروسي في القرن التاسع عشر. ونشير إلى أن شاعر روسيا الأكبر الكسندر بوشكين قرأ، عام(1832)،مؤلفات الكاتب الفرنسي الأشهر فولتير في مكتبة الأرميتاج. ويحفظ الأرشيف الروسي مراسلات إمبراطورة روسيا يَكاتيرينا الثانية( 1729-1796)مع أديب فرنسا فولتير.
المجموعات الفنية والأثرية
وإثر تراكم أعمال فنية نادرة، مقتناة من خارج روسيا، تمثل مدارس فنية أوروبية مختلفة، بينها نفائس من مجموعة مالميزونسكي المملوكة سابقاً للأمبراطورة جوزيفين، تم تشييد الأرميتاج الجديد كملحق بالمبنى الأساسي للقصر الشتوي. وفي وقت لاحق، في عام(1852)، أصبح الأرميتاج الجديد متحفاً عاماً يتم الدخول إليه ببطاقات محددة. وحينها كانت زيارة الأرميتاج لعامة الناس أمراً غير مسموح به، حتى عندما حصل على صفة (متحف عام). وفقط في عام (1863) بات الدخول إلى المتحف من غير قيد.
من هذا يتبين أنَّ المجموعة الشخصية للإمبراطورة يكاتيرينا الثانية شكلت نواة مجموعات الأرميتاج الحالية، وحينئذ عُرضت في صالون بُني لها بالقرب من القصر الشتوي والمنشآت الملتصقة به، ومن يومها نالت تسمية (الأرميتاج). ولأهمية وثراء كنوز هذا المتحف وتوسع وظائفه الثقافية والعلمية جرى، في عام (1905)، تشكيل مؤسسة الأرميتاج تتبع مباشرة لديوان البلاط القيصري، وبقي كما في السابق جزءاً من القصر الإمبراطوري. كما وظهرت مجموعات ليست كبيرة في القصور الأُخرى. غير أن اللوحات الفنية المعروضة في قاعات ورواق القصر الشتوي كانت هي الأكبر والأبهى الأغنى بينها.
وتظل مجموعة ماركيز كاميانا، إحدى أهم وأقدم كنوز المتحف وأثراها منذ عام (1861). ومن يومها زينت، صالونات الأرميتاج بالخزفيات القديمة، والمصنوعات البرونزية، والمنحوتات النادرة. ومن ثم توالى شراء منتجات الفن التطبيقي للعصر البيزنطي، والعصر الوسيط، وباقي العصور التاريخية من مصادر عدة. هذا وتخبر السجلات أن مقتنيات الأرميتاج الفنية والأثرية بلغت في مستهل القرن العشرين زهاء (600) ألف قطعة تشمل؛ لوحات زيتيةً وإيقونات وتماثيل ومنحوتات ومسكوكات ومصنوعات وقطعاً أثريةً وأزياءً فاخرةً، عرضت في قصور الأرميتاج الأربعة. ولاستيعاب المجموعات الجديدة مع مخزن الأسلحة ومجموعة المسكوكات (نقود وأوسمة وميداليات)، من بينها ألاف القطع النقدية العربية- الإسلامية المبكرة، تم استحداث أقسام جديدة.
أكبر وأثرى المتاحف
وللحفاظ على آثار الأرميتاج النادرة والنفيسة من التلف والنهب، إبان سنوات الحرب العالمية الأولى (1914-1918) تم إخلاء محتوياته ونقلها إلى موسكو على دفعات متتالية، ولم يتم إعادة تلك الثروة الغنية ثانية من موسكو إلى المتحف إلا في عام (1920)، بمرسوم من مجلس مفوضي الشعب.
ودشنت ثورة أكتوبر (1917) مرحلة جديدة في حياة الأرميتاج، وأحدثت نقلة نوعية في محتوياته وأعماله، وخلقت ظروفاً مؤاتية لنمو عاصف في محتويات المتحف. وحينها أصدرت مراسيم وقرارات عديدة تنص على ضرورة صيانة وتطوير كنوز الفن في متحف الأرميتاج والمتاحف الحكومية الأخرى، وأهمها قراري (30 أكتوبر و 12 يناير عام 1917). واعتبرت السلطة السوفييتية الجديدة أن القيم الثقافية والفنية للمتحف هي من ثروات وممتلكات الشعب. وأولت أهمية استثنائية للأرميتاج لذا صدر، وبمبادرة من لينين، مرسوم المحافظة على كنوز الفن. ومن يومها أصبح رفد خزائن ومعروضات الأرميتاج وإثراؤها بنفائس الفن العالمي، وتزين قاعات ورواق الأرميتاج بالجديد والنادر سياسة منهجية للدولة السوفييتية.
ومنذ عشرينات القرن الماضي أخذت كنوز الأرميتاج الفنية بالتعاظم بفضل ما وصلها من مجموعات نادرة من اللوحات الزيتية والتماثيل والمسكوكات والمجوهرات والأثاث من قصور القياصرة والأمراء والنبلاء المؤممة. ولعل أكثرها عظمةً وبهاءً مقتنيات يوسوبوف وستروغونوف وشغالوف وشيريميتوف وغيرهم. كما تم إثراء خزائن الأرميتاج بذخائر المتاحف والمقار الحكومية. وأيضاً انضمت إلى أملاك الأرميتاج قطع فنية، تم إعادتها من اسطنبول سنة (1931)، مع تحف قديمة وتماثيل بيزنطية في غاية البهاء و(بالميرات) فريدة وآثار شرقية نادرة. في الوقت ذاته اقتنى المتحف أعمال فنانين وعلماء روس بارزين من أمثال، تورايفا، وكاستالينسكو، جامع منحوتات آسيا الوسطى، وعالم الآثار بوبرنسكو. وفي عام (1933) حصل الأرميتاج على مواد أثرية منوعة من خزائن المتحف الروسي الكبير جمعها الرّحال الروسي كوزلوف. ووصلت المتحف أيضاً تماثيل ومنحوتات عظيمة من الفن البوذي، ومجموعات هامة من النقود الشرقية أهداها المتحف الآسيوي (معهد الاستشراق).
وتمنح معروضات الأرميتاج الأخصائيين إمكانية دراسة أعمال أبرز مدارس واتجاهات الفن الغربي منذ عصر النهضة حتى أواخر القرن العشرين. وبالأخص فنون القرنين السابع عشر والثامن عشر، التي تعرض وبترتيب كامل ومنوع وغني للغاية. وأيضاً إبداعات الانطباعيين الفرنسيين والهولنديين، وفنون إيطاليا وإسبانيا وإنجلترا. ويشعر المرء حقاً وهو يعاين إيقونات رسامي عصري النهضة والتنوير بصفاء وطهارة وجوه القدِّيسبن التي يفيض منها الإيمان بالله والوجد والنقاء. وتملأ القلب بهجة وانشراحاً تلك اللوحات النادرة للفنانين العظام من عصور واتجاهات عدة؛ ليوناردو دافينشي ومايكل أنجلو وتيتسيان ومويليو وفان ديك وروبينز شنيدرز ورمبرانت ومينيار وفان غوخ، والكثير من لوحات فناني القرن العشرين وبخاصة بابلو بيكاسو.
وللشرق مكانة في الأرميتاج
وللدور المميز الذي يحظى به قسم الشرق في الأرميتاج، منذ عشرينات القرن الماضي، والمساهمات البارزة لعلمائه وباحثيه في دراسة تاريخ ولغات وثقافات وفنون شعوب الشرق، وتطوير علم الآثار وكشوف بعثات التنقيب الأثري في البلدان العربية والإسلامية، ومساعي الأخصائيين المستمرة في تطوير التعاون مع المؤسسات العربية المثيلة في مجالات إقامة المعارض الفنية وعقد المؤتمرات وتبادل الخبراء والوفود العلمية والثقافية، لا بُدَّ من التذكير بأهمية هذا القسم، بالرغم من أنَّ مقتنيات الأرميتاج، كحافظة نفيسة لفنون وثقافات أوروبا الغربية، كانت تغلب عليها إبداعات فناني أوروبا العظام، منذ عصر النهضة وحتى أواخر القرن العشرين، إلا أنّ آثار ثقافات وفنون الشرق الأدنى والأقصى تشغل، مع تأسيس قسم الشرق عام (1920)، مكانة مرموقة بين كنوز المتحف، ويربو عددها على (150) ألف وحدة فنية وأثرية تتوزع على خمسين قاعة عرض، مخصصة لآثار حضارات الشرق البدائية والسومرية والبابلية والفرعونية والإسلامية والهندية والصينية وسواها. ويضم هذا القسم الثقافي – العلمي اليوم القطاعات التالية؛ الشرق القديم، بيزنطة، الشرق الأدنى، آسيا الوسطى، القفقاز والقرم، والشرق الأقصى. وبين جدران قاعاته الباذخة يمكن مشاهدة آثار مميزة من حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة والأنباط وبلاد الشام وجنوب الجزيرة العربية وبلاد فارس والعصر الأموي والعباسي والفاطمي والأيوبي والمملوكي والعثماني والصفوي.
والممتع أن غالبية مدراء متحف الأرميتاج في القرن العشرين كانوا من المستشرقين وأبرزهم؛ يوسف أوربيلي وبوربس بيوتروفسكي وميخائيل بيوتوفسكي (مدير المتحف حالياً، ويُعد من أبرز الأخصائيين في تاريخ وثقافة جنوب الجزيرة العربية ما قبل العصر الإسلامي، وله دراسات هامة في الفنون والثقافة الإسلامية)، وهذا دليل دامغ على سعة المعارف والعلوم الأصولية في مدرسة الاستشراق الروسي العريقة، التي لا تغفل تدريس ودراسة تاريخ وإنجازات حضارات أوروبا المتعاقبة على مر العصور. وهكذا ومنذ تأسيس هذا القسم أصبح الأرميتاج، إلى جانب مهامه الثقافية والعلمية والفنية، أحد أبرز مراكز الاستشراق السوفييتي والروسي اليوم.
٭ باحث وأُستاذ جامعي/ روسيا
ناظم مجيد حمود