تيار الوعي سمة من سمات الرواية الغربية الحديثة والانكليزية تحديدا في الربع الثاني من القرن العشرين، وهو تبعة من تبعات تأثير مدرسة التحليل السيكولوجي الفرويدية. وأهم رواد هذا التيار فرجينيا وولف وجيمس جويس ووليم فوكنر ودورثي ريتشاردسون التي صورت في روايتها “مذكرات باميلا” الدواخل الذهنية للشخصية النسوية المغلوبة على أمرها والمطحونة تحت سطوة عواطفها وسلطة مجتمعها.
ولا غرابة أن يمتح السرد العربي الحديث من هذا التيار في بناء قصص وروايات توصف بأنها واقعية، وهو ما استلهمته القصة القصيرة في العراق ووظفته في إطار التداعي الحر والحوارات الصامتة.
وانبهر الساردون بالغوص في المحتوى الذهني لشخصياتهم محاولين سبر دواخلها النفسية من خلال صنع حبكات متميزة وجديدة تعطي لعنصر الزمن عناية كبيرة، وتمتلك حساسية تجاه المكان وبالشكل الذي يحقق عضوية البناء الذي تترابط خيوطه ترابطا متينا يسهم في فهم سبب تأزم الذوات وعدم توافقها مع واقعها. وهذا هو بالضبط قالب القصة القصيرة بالمعنى الفني الحديث. وهو ما داوم عليه أغلب القصاصين العراقيين منذ أواخر الأربعينيات مثل عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ومحمد روزنامجي.
بيد أن واحدا من قصاصي المرحلة الخمسينية وهو القاص مهدي عيسى الصقر، كان قد برع بشكل لافت للنظر في استلهام فنيات تيار الوعي التقليدية ومنها أسلوب مناجاة النفس الذي يقوم على تقديم المحتوى الذهني مباشرة من الشخصية إلى القارئ (تيار الوعي في الرواية الحديثة، ص56 )، مع التركيز على التداعي الحر وما فيه من مستويات ما قبل الوعي التي تنتمي إلى عالم الصمت على وفق التكنيكات التي شخّصها الناقد روبرت همفري ومنها طريقة توظيف المونولوج بوصفه أسلوبا نفسيا يقدم المحتوى النفسي للشخصية مميزا بين المونولوج المباشر الذي لا يهتم بتدخل المؤلف ولا يفترض وجود سامع أو جمهور وهو عادة ما يكون بضمير الأنا وبين المونولوج غير المباشر الذي يكون بضمير الغائب ويفترض وجود جمهور كما يسمح بإعطاء إحساس بحضور المؤلف المستمر من خلال ما يضخه من المعلومات الواسعة كمادة غير متكلم بها يقدمها كما لو أنها كانت تأتي من وعي شخصية ما.
وهذا التكنيك الأخير هو الذي استعمله مهدي عيسى الصقر معطيا مساحة خاصة لتيار الوعي الذي سمح للتداعي الحر أن يتحقق، عاكسا تأزم الشخصية بمشاعر الخزي والسأم من الحياة الرتيبة والتي تجثم كالكابوس على وعيها.
وبالشكل الذي يجعل الشخصية تعترف في وعيها الباطني بالخيبة والخذلان، وهو ما نلمسه في قصة “الغل” القصيرة والمنشورة في مجلة الأديب اللبنانية العدد الثاني عشر عام 1955.
و”الغل” هي قصة سيكولوجية تحفل بالتداعيات الحرة اللاشعورية والحوارات الداخلية التي تبرز أفضلية الصمت على الكلام، من خلال سارد عليم يتغلغل في البواطن أكثر مما يهتم بالظواهر راصدا الانثيالات ومتحسسا الانفعالات، مباغتا أسرار المسرود، كاشفا عن دوافعه.
ومرد أزمة البطل هو الروتين الذي يهدد زواجه بالفشل بسبب الهوة بين علاقتين غير متوافقتين أحداهما غير شرعية مع مومس تشعره بضعفه زارعة فيه المشاعر المحتدمة والمنفلتة، “حياتها مع الرجال جعلتها تدرك كل شيء من عيونهم أنها تشم الحوادث وأحسست برغبة في أن أصفعها”، والأخرى علاقة شرعية مع زوجة تواسيه على ضعفه فيزداد شعوره بالجمود والملل والرتابة وهكذا يغدو الروتين أكثر كآبة وهمّا.
والمدهش في القصة أمران، الأول أن القاص يغادر التوظيف المعتاد للسارد الموضوعي بضمير الغائب المفرد إلى الضمير المخاطب المفرد، وهذا ما يعضد الشعور بالصمت الذي يعتري مشاعر الشخصية ويطفح منعكسا على تصرفاتها، مع استعمال ضميري المتكلم والغياب داخل القصة. وقد أتاح هذا التنوع في الضمائر للسارد العليم الكشف عن بواطن المسرودات الثلاثة (الزوج والزوجة والعشيقة).
والأمر المدهش الثاني هو قصدية تعامل القاص مع تيار الوعي من خلال وضعه المونولوجات المباشرة وغير المباشرة بين أقواس كبيرة تمييزا لها عن مقاطع السرد الاسترجاعي التي يقدمها السارد العليم مترافقة مع بعض الوقفات الوصفية التي تتخللها.
وتكثر في المونولوجات والتساؤلات حول الوجود والسأم من الحياة وروتينها القاتل والملل ” لماذا ينظر إلي هذا الصبي وذاك الكهل وتلك المرأة أيضا؟ هل هناك شيء غريب في وجهي؟ والآن هذا الخط الطويل من السيارات متى ينقطع؟”، كما تتعدد نقاط الحذف كأدلة كتابية على استغوار دواخل الشخصية” كان سؤالها مفاجئا كيف أدركت”.
ولا تختلف الحوارات الخارجية عن الحوارات الداخلية في فصاحة عباراتها وسرعتها وقصرها؛ بيد أن المونولوج الحر غير المباشر عادة ما يستعمله السارد بضمير المتكلم من أجل تحقيق مزيد من المحاسبة والرقابة الذاتية على النفس “ذلك الخادم الوقح ينظر إليّ، أشعر بنظراته تنخر في ظهري ماذا فعلت؟ ما ذلك الشعور الذي انتابني وأنا مع الفاجرة؟”.
ويؤدي الاحتدام الداخلي بالسارد الذاتي إلى الانكفاء على نفسه متداريا من الآخرين، محاولا التستر على مشاعر الاستسلام والهزيمة والخيانة والندم وتأنيب الضمير التي تنتابه “أخاف كل شيء وأخاف نفسي أكثر من أي شيء”.
ويتحول السارد من التكلم إلى الخطاب كنوع من التصدي للأزمة بواقعية تجعله في مواجهة مع الزوجة وجها لوجه “امنعي شفقتك عني امنعي عطفك عني أنك دائما تحاولين ان تشعريني بانك تضحين من أجلي، بأنك أفضل مني”.
وهذا التصدي وتلك المواجهة هما أهم سمات الشخصية في القصة ذات التوجه الواقعي مما كانت قد تميزت به القصة القصيرة الخمسينية سائرة على المسار الواقعي نفسه الذي شهدناه في قصص الأربعينيات والثلاثينيات والعشرينيات إذ لم يكن التشاؤم حاضرا، كما لم يكن الانهزام خيارا أوحد أمام الشخصية.
ويختزل المحتوى الذهني في ختام القصة في شكل رائحة لعينة ترافق الشخصية، معطية لها إحساسا أليما بمزيد من الضعة والدنس، فتزدري حالها وتنظر لنفسها بكدر وابتذال، كما يؤدي تكرار هذه الجملة “كنت واثقة أنك ستجيء يوما” في افتتاح القصة ووسطها وختامها إلى توكيد الانسحاق الذي يعيشه الرجل تحت سطوة المومس ووطأة الاحساس بالخيانة والانهزام “إذن هي كانت واثقة؟ واثقة من الحيوان الكامن في داخلي”.
وهكذا يعي الرجل تذبذبه فهو ضعيف بالخيانة وإن كان قويا بالأنانية، وهو متمرد يعتقد أنه سليم لكنه مريض تعطف عليه زوجته وتواسيه.
وبالمونولوجات المتقطعة القصيرة نعرف انه أدرك عظم خطئه وأنه عازم على تصحيحه، شاعرا بالندم من تعذيبه للآخرين من حوله ولا يكون من سبيل أمامه سوى تحرير المرأتين من أنانيته لعله يقضي على مشاعر السلب والخيبة واللعن والانشقاق التي تعتريه، وقد تجسد ذلك السبيل في نهاية القصة بطريقة دراماتيكية فيها السارد/ الرجل ينظر للمصباح في الغرفة، وقد بدأ ضوؤه يذوي ويصفر رويدا رويدا. في إشارة رمزية إلى أن أزمة الرجل لن تحل ما دام الطريق مظلما، والنهاية مجهولة يختزلها السارد بالقول: “ثم لا أعرف كيف رحت في نوم عميق”.
إن المعالجة النفسية التي تكتنف هذه القصة وغيرها من قصص مهدي عيسى الصقر تجعلنا نستحضر وصف اكونور للقصة القصيرة بأنها “قالب معقد بشكل متزايد وقد ضل عشرات من كتّاب القصة القصيرة في متاهاته” الصوت المنفرد، ص20.
وبالتأكيد لم يظل القاص حبيس هذا القالب لانه كان عارفا طريقه، صانعا لنفسه متاهته الخاصة، التي ربما ضل الطريق إليها عشرات من القصاصين الذين أتوا من بعده، من الذين حاولوا انتهاج تيار الوعي فغادروه مرغمين على انتهاج الواقعية بصورها المختلفة.
لقد وظّف مهدي عيسى الصقر في قصصه القصيرة الأخرى تيار الوعي باتقان، ليس فيه وجل أو تردد، جاعلا من شخصياته المأزومة تجارب قصصية قصيرة؛ هي عبارة عن حياة كاملة من خلال جودة المزج الفني والدرامي بين العناصر الثلاثة (العرض والنمو والعنصر المسرحي).
وكأن المعاناة كلما تضخمت، طفت مختزلة في لحظة، فيها صوت الجماعة مغمور وصوت الذات مسموع، ليتحول الكلام إلى صمت والصمت إلى كلام، كمونولوج على مونولوج أو حوار على مونولوج وسرد على وصف وبالعكس.