فيلم «الزوجة» لبيورن رانغ حين تتوارى الكاتبة المبدعة خلف ظل رجل

لندن ـ «القدس العربي»: حين نشاهد فيلم «الزوجة» (2017) للمخرج السويدي بيورن رانغ، يبدو لنا للوهلة الأولى أن الفيلم عن علاقة زوجية تكاد تكون مثالية: زوجة حنونة تذكر زوجها بأدويته بينما يبدو هو محبا عطوفا، كما تبدو الزوجة في ترقب تام حين يأتي الاتصال المهم الذي ينتظرانه بشغف، لكن تلك العلاقة المثالية ظاهرا تخفي الكثير من الأسرار، ليست فقط أسرارا عما يدور في الحياة الزوجية والمنزل، ولكنها أيضا أسرار عن التحقق الإبداعي، وعن عالم النشر والعقبات التي تقف أمام المرأة حين تخوض مجال الكتابة الإبداعية والأدب والنشر.

الزوجة التي تعنون الفيلم هي جوان (غلين كلوز) في أداء متميز للغاية، وهي زوجة للأديب الأمريكي المرموق جوزيف كاسيلمان (الممثل البريطاني جوناثان برايس). تبدأ أحداث الفيلم وكاسيلمان وجوان في منزلهما يترقبان بقلق إعلان جوائز نوبل في الآداب، حيث يترقب الزوجان أن يكون كاسيلمان الفائز بها.
في اتصال هاتفي يتلقى الزوجان النبأ السعيد المرتقب، فقد فاز كاسيلمان بالجائزة، ويتلقى الدعوة هو وزوجته للسفر إلى استوكهولم في السويد لتسلمها والاحتفاء بنتاجه الأدبي. لكن تلهف جوان لمعرفة الفائز وإحساسها البالغ بالفخر بعد إعلان الجائزة يوحيان بأن تلك السعادة أكثر من سعادة زوجة بنجاح زوجها، فهي تبدو كما لو كانت تفخر بنجاح شخصي لها. يبدو الزوجان كما لو كانا شركاء في الفوز وشركاء في الإبداع. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: أترى الزوجة كانت شريكة إبداعية لزوجها برضاها التام؟ ونجد نفسنا نتساءل ترى من الكاتب الحقيقي لأعمال هذا الأديب المتوج بأرفع الجوائز الأدبية؟ ويطرح الفيلم أسئلة عن ملكية النص الأدبي: ترى هل المؤلف هو صاحب الفكرة الأولية للنص؟ أم هل مؤلفه هو من يصيغ النص بأسلوبه ويضع شخصياته؟

يقر المجتمع الأدبي العالمي بموهبة كاسيلمان الفذة كأديب وروائي، وعند وصول الزوجين إلى استوكهولم تتوارى الزوجة جوان في ظل زوجها الأديب، الذي يقر بفضلها عليه كقرينة ورفيقة درب.

يقر المجتمع الأدبي العالمي بموهبة كاسيلمان الفذة كأديب وروائي، وعند وصول الزوجين إلى استوكهولم تتوارى الزوجة جوان في ظل زوجها الأديب، الذي يقر بفضلها عليه كقرينة ورفيقة درب ومسيرة عمر، ولكن الزوج والزوجة يؤكدان على أن المجد الأدبي للزوج بمفرده، وأن الموهبة موهبته بمفرده بينما لم يزد دور الزوجة عن تهيئة المناخ لزوجها ليكتب ويتفرغ للإبداع. ولكن هناك ما يشير إلى أن أسرارا ستتكشف، حيث يخفق كاسيلمان في تذكر شخصية رئيسية في عمل من أعماله، كما يبدو غير ملم بالكثير من تفاصيل أعماله. وعلى النقيض من ذلك، تبدو جوان أكثر شغفا بنتاج زوجها الأدبي، وأكثر إلماما بشخصيات أعماله. تشي كل اختلاجة في وجه جوان بشعور بالفخر الشخصي التام بالتكريم والحفاوة التي يلقاها زوجها الأديب الشهير، وهو ما يبدو لنا ليس فخر زوجة بزوجها، بل فخر خالق بخلقه أو إعجاب فنان بإبداعه. ترى هل كان الزوج يستغل قدرات زوجته الإبداعية ليحقق النجاح؟ ترى هل كانت الزوجة تختفي في ظل زوجها لتحقق إبداعيا من خلاله؟ أم هل تراهما تعاونا للتوصل إلى صيغة لإبداعهما لتحقق لهما معا النجاح والمجد الأدبي؟ هل أجبرت أجواء المجال الأدبي والنقدي ودور النشر جوان على الاختفاء في ظل زوجها؟
تتكشف لنا الحقائق رويدا رويدا، حيث يعود الفيلم بنا في عدد من مشاهد العودة إلى الماضي «الفلاش باك» إلى بدايات العلاقة بين جوان وكاسيلمان، فقد كانت جوان منذ عقود طالبة للكتابة الإبداعية في صف جامعي يشرف عليه كاسيلمان. كانت طالبة ذات موهبة تنبئ بمستقبل واعد كمؤلفة وروائية يشار لها بالبنان. لكن لقاء عابرا بمؤلفة تسعى لتحقيق اعتراف الأوساط الأدبية يعيد جوان إلى أرض الواقع، ويصدمها بالحقائق التي تواجهها الكاتبات النساء. تكشف لها الكاتبة ما لم تكن تحسب حسابه: عالم النشر والنقد الأدبي، عالم يسيطر عليه الرجال. الرجال هم من يديرون دور النشر، وهم من في يدهم قبول الأعمال للنشر أم رفضها، كما أن أغلب النقاد من الرجال، الذين يتحزبون تأييدا لأبناء جنسهم، بينما يهونون من شأن أي كاتبة أو مؤلفة وينتقصون من قدر موهبتها. يأتي هذا اللقاء بمثابة لطمة على وجه جوان وصدمة تجبرها على تغيير اتجاهها.
كان هذا اللقاء الصادم في واقعيته مع كاتبة أحد الأسباب الرئيسية لتواري جوان عن الأضواء، واكتفائها بالعيش في ظل زوجها، حيث أيقنت أنها تمتلك موهبة تفوق موهبة زوجها، ولكنه كرجل يمتلك حظوظا للنجاح في المجال الأدبي، أكبر بكثير من حظوظها. نكاد أحيانا أن نتساءل هل أحبا بعضهما حقا، أم هل ارتأى هو فيها موهبة لا يملكها ستحقق له النجاح والشهرة، وارتأت هي فيه واجهة يمكن عن طريقها أن ترى أعمالها النور ولو تحت اسم مؤلف آخر هو زوجها. إنها علاقة ملتبسة ومعقدة للغاية، علاقة يختلط فيها الحب بالاحتياج، ويختلط فيها الكذب بالحقيقة. هي علاقة لا تتحقق فيها أنا الكاتب الأقل موهبة إلا باختفاء الكاتبة الأكثر موهبة وعيشها كشبح في ظله. يكشف الفيلم، المقتبس عن رواية بالاسم ذاته للمؤلفة ميغ وليتزر، صعوبة أن تجد المرأة الاعتراف بموهبتها ككاتبة في مجال يهيمن عليه الرجال.
يعيش كاسيلمان النجاح الأدبي والمادي معتمدا في الأساس على تفوق زوجته الأدبي، وعلى إعادة صياغتها لنصوصه الركيكة وإلى خلقها شخصيات روائية تمنح ثراء لنتاجه الأدبي. كما أنه تعويضا لإحساسه بالضآلة أمام قامتها الأدبية المديدة، لا يجد سبيلا لمداواة رجولته الجريحة بسبب تفوق زوجته في الموهبة، إلا الانخراط في علاقات مع أخريات وفي مغازلة النساء. كما أدى شعور كاسيلمان الدفين بالإحساس بالتقزم أمام موهبة زوجته إلى علاقة مضطربة للغاية مع ابنه الشاب. فالابن قصاص شاب يسعى لتحقيق ذاته في مجال الكتابة الإبداعية، ولكن الأب يسعى دوما إلى الانتقاص من شأن ابنه وإلى التقليل من شأن موهبته. الفيلم تعبير صادق للغاية عن مدى التباس العلاقات الإنسانية، وعن مدى تعقيد العلاقات بين الأزواج. كما أنه يسلط الضوء على الصعوبة الكبيرة التي تواجه المرأة الموهوبة التي تدخل عالم الكتابة الإبداعية والنقد الأدبي الذي يهيمن عليه الرجال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية