كبار المثقفين تخلوا عن دورهم التنويري

عاطف محمد عبد المجيد
حجم الخط
1

■ في مقدمته لكتابه «تهافت المثقفين « الصادر عن دار غراب للنشر والتوزيع في القاهرة، يشير سعيد اللاوندي إلى أن الصرخة الخاصة بموت المثقفين، التي أطلقها الفيلسوف الفرنسي ريجييس ديبريه أثارت ردود أفعال متباينة في الأوساط الثقافية الفرنسية والأوروبية، حتى اعتبرها بعضهم ناقوس خطر لثقل وزن من أطلقها، خاصة وهو يتهم جميع المثقفين بالشعوذة والدجل، مؤكدا أن دور المثقف اندثر إلى غير رجعة.
خطورة الأمر أن هذا الانقلاب، كما يرى المؤلف، يأتي من فرنسا التي تضع الثقافة دائما على رأس اهتماماتها. غير أن عاصفة أخرى قادها كبار رجال الفكر والثقافة والفلسفة هبت معترضة على ما قاله ديبريه، ومنهم من اتهمه بالشطط، وقال بأن المثقفين لم ولن يموتوا. اللاوندي لا يعتقد أن دور المثقف قد اندثر مثلما يقول ديبريه، لكنه قائم وإن حكمته ظروف واعتبارات كثيرة.
من جانبه يؤكد المفكر إيمانويل تود مؤلف كتاب «ما بعد الإمبراطورية» أن المثقفين ما زالوا يدقون نواقيس الخطر ويحذرون من هيمنة أمريكا على العالم، خاصة بعد أن أصبحت، بعد عجز ميزانيتها، كالكلب المسعور الذي يريد أن يُشعل الحروب هنا وهناك. إنها كارثة، حسبما يرى المؤلف، إمبريالية حقيقية ينبغي أن تواجهها أوروبا بطرح البديل، أو بتقديم تصور خاص بتعديل مواقف أمريكا الصادمة لحلفائها وللعالم. هنا يذكر المؤلف أيضا أن جورج بالانديه هو الوحيد الذي اقترب من رأي ديبريه، غير أنه حاول أن يبرر صمت، أو موت، المثقفين.

الخطاب الثقافي

كما سجل البريطاني ميلان راي موقفه قائلا إن الاتهام ينبغي أن لا يُصوّب إلى صدر المثقفين، إنما إلى صدر الولايات المتحدة، التي كذبت على العالم. اللاوندي لا يكتفي بذكر هذا، بل يضيف كذلك أن هناك تيارا فكريا فرنسيا معاصرا رجح طروحات ديبريه، حين كتب إيريك كونان أنه ليس أمامهم سوى أن يصدقوا ديبريه، إذ أن المثقفين رغم محاولاتهم الدائمة لإثبات وجودهم، إلا أنهم على المحك العملي، لا أثر لهم، مؤكدا أن ديبريه له كل الحق في الدعوة إلى التحرر من المثقفين الذين لا عمل لهم سوى تضييع الوقت وتزييف الحقائق. أيّا كان الأمر، والقول للاوندي، لقد كانت صرخة ديبريه كالحجر الذي أُلقي في بحيرة الثقافة الفرنسية، فحركت العقول الراكدة لتأخذ مواقف بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، غير أن الجميع ينطلقون من حقيقة واحدة هي أن الخطاب الثقافي في حاجة إلى إعادة نظر في المنطلقات أو الأهداف.
ثلاثة فصول تكوّن تهافت المثقفين، يتحدث اللاوندي في الأول منها عن القوة الناعمة المصرية المفقودة، وفي ثانيها يتحدث عن تهافت المثقفين، وعن فاروق حسني وفضيحة اليونيسكو يتحدث في ثالثها. هنا يتحدث الكاتب عن الريادة الثقافية التي حملتها اللهجة والسينما المصريتين إلى كل شبر في أرجاء الوطن العربي، والتي باتت أثرا بعد عين، كما يرى، خاصة أن مصر كانت في ما مضى قِبلة الطلاب الثقافية التي كانوا يأتون إليها من كل فج عميق، يخالطون أهلها ويعشقون أجواءها ويتنسمون هواءها، ويتكلمون لهجتها، حتى يكاد يصعب تمييزهم عن المصريين أنفسهم. في السياق ذاته يذكر الكاتب اعتراف الطاهر بن جلون له إذ قال إن في حياة الأدباء العرب محطة أساسية هي محطة مصر، والارتحال إليها أمر لا مناص منه، فإما أن نذهب إلى هناك لنخالط أهلها، ونعيش الأجواء ذاتها التي يعيشها أدباؤها، وإما أن نرحل إليها عبر الورق والكتابات. غير أن هذا لا يمنع الكاتب من أن يتساءل: أين الريادة المصرية يا قوم؟ ولماذا تغير الحال؟ كما يتعجب ممن يتحدثون عن غزو ثقافي مارسته مصر يوما ما على شقيقاتها العربيات، سواء باللهجة المصرية المحببة إلى الجميع، أو بأغانيها وأفلامها التي ملأت الساحة الثقافية. فيما يدافع الجزائري محمد أركون قائلا إن ريادة مصر لا ينكرها إلا جاحد. وباحثا عن الريادة الثقافية المصرية يسأل الكاتب أين الطريق؟ وهل يتعين عليه أن يحمل مصباح ديوجين في جولاته البائسة؟ وأين مصر الثقافية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس؟

ترف زائد

ثمة أشياء مؤلمة، كما يقول الكاتب، منها أن دولا عربية كثيرة أصبحت يافعة ومنتجة بغزارة وتقدمت أشواطا في طريق الإبداع، بينما توقفت الحركة في مصر، أو لعلها تباطأت. كما أن الثقافة قد تبدل بها الحال وتقلبت بها الأيام وأضحت هامشية اليوم وكأنها ترف زائد عن الحاجة. كما أن مثقف اليوم، رغم ضآلة حجمه وتأثيره، قد فقد دوره التنويري والتحم عن عمد بالنخبة الحاكمة، واقتصر دوره على التبرير أو الدفاع ونسي مهمته وهي إزعاج الجميع وليس طمأنتهم والربت على أكتافهم. وكما يتباكى اليونانيون معبرين عن استيائهم لأن أرض الفلاسفة التي أنجبت ثالوث الحكمة سقراط وأفلاطون وأرسطو قد أصابها العقم ولم تقدم فيلسوفا بحجم هذا الثالوث، يتباكى المصريون أن مصر لم تنجب مفكرين كبارا بحجم قامات الطهطاوي ومحمد عبده والعقاد وطه حسين.
في كتابه هذا يكتب اللاوندي أنه يكاد يرى بأم عينيه ما كان يقوله لويس عوض سابقا، فالادعياء الجدد في الدين هم الذين يقودون الأمة كالقطيع، فيحكمون على هذا بالردة، وذاك بالزندقة، وينصّبون أنفسهم قضاة يقتلون هذا شنقا، والآخر بالمقصلة، والثالث رميا بالرصاص.كما يرى أننا بسبب ضيق الأفق وأنانية المثقفين، وطي صفحة التنوير والاستنارة، طوعا أو كرها، أصبحت حرية الفكر غريبة في ديارنا، بل يعتبرها بعضهم رفاهية، أو من قبيل لزوم ما لا يلزم. هنا يحذر الكاتب من أن خواء سيعم حياتنا، كما قال الفيلسوف الراحل زكي نجيب محمود، الذي وجد لدى البعض هواية اقتلاع الأشجار الباسقة في حياتنا الفكرية والثقافية. غير أن الأخطر هو أن كبار المفكرين والمثقفين قد تخلوا عن دورهم التنويري وتركوا النشء نهبا للأفكار الواردة من هنا وهناك، تحرض على كراهية الآخر والانكفاء على الذات، وقد ساعدت ثورة الاتصالات على ذلك. في كتابه هذا، ومن خلال عدة مقالات منفصلة متصلة، ناقش سعيد اللاوندي عددا من القضايا المهمة والشائكة أحيانا، محاولا إلقاء الضوء عليها بما يساعد في حل بعض هذه الإشكاليات والوصول إلى سياق متفق عليه للتوصل إلى علاج يفيد في مثل هذه الظروف والحالات.
وأخيرا هل يقبل المثقفون بما قاله ديبريه، صديق جيفارا، عندما وصف المثقفين في نوبة قاسية من نوبات غضبه قائلا: إنهم قوم ضرب الشيب مفرقهم وفقدوا دورهم التنويري النبيل وأصبحوا أشبه بقلة من البشر فقدت الذاكرة، فلا هدف لهم، ولا معنى لوجودهم؟

٭ شاعر ومترجم مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية