الأحلام ضرورة للحياة، والارتقاء بها نحو الأفضل، وحياة بلا حلم، ليست حياة، بل موتا مؤجلا. وتكمن الخطورة عندما تصبح الأحلام هي الحياة، وأن يعيش الإنسان في حياة من الأحلام، وهي في الحقيقة حياة من الأوهام والتخيلات والهلوسات، وهنا تنحرف الحياة عن مسارها، ويعيش الناس أسرى لأحلام يقظة يصنعونها بأنفسهم، ويتفننون باختراعها والعيش تحت ظل سرابها، وفي ظروف وأوضاع كهذه تجد الغيلان – بكافة أشكالها وألوانها وتمظهراتها- ضالتها، فالحالمون الواهمون فريسة سهلة بالنسبة لها، وصيدا ثمينا لا يُعوض!
«أحلام وغيلان» لمحمد السماعنة رواية متخيلة ظاهريا، ولكنها واقعية في حقيقتها وجوهرها، تتناول الأحلام والغيلان كسبب ونتيجة، فالمنطقة 10 مدينة غارقة في الأحلام، تسير وفق الأحلام، ولا بد لكل خطوة أو إجراء أو قرار من حلم، والحلم يجب أن يكون مفصلا بما تراه لجنة التفسير والتوجيه، وتوافق عليه ضمن ضوابط وتعليمات ورسوم لا يجوز الخروج عليها تحت طائلة المسؤولية، والكارثة أن الأحلام تُخترع وتُباع وتُشترى، وقابلة للتعديل والتكييف من قبل اللجنة قبل عرضها على أم مطر مفسرة الأحلام. وثمة تجارة رائجة قائمة على «صناعة الأحلام» تتمثل بشراء «فرشات ومخدات العميد للأحلام» التي تتمتع بمزايا ومواصفات خيالية، ومكفولة لمدة خمس سنوات، بالإضافة إلى أن منطقة أم مطر ومحيط بيتها أصبح أقرب للسوق أمام المنطقة الجمركية، ويُدار من قبل مجلس حكم المنطقة 10، فالأحلام لها ثمن، وتفسيرها بثمن، وانتظار تفسيرها بثمن، وتلعب دورا تخديريا وتدجينيا لصالح الطغمة الحاكمة.
المنطقة 10 الحالمة ترمز للعرب الغارقين في أوهام التقدم والتطور والإصلاح والديمقراطية والمكانة الدولية الكبيرة والاستقلال والقوة الاقتصادية والعسكرية، وهم في الحقيقة فقراء مجردون من كل ذلك، لا حول لهم، وإنما هي أحلام يقظة نسجوها فصدقوها. والغيلان تشير إلى أعداء الأمة، خاصة اليهود الذين يستغلون الفرقة والتشتت فيهاجمون ويدمرون ويرعبون الجميع، ويلجئونهم إلى الفرار أو الاختباء تحت الأرض بانتظار الفرج، والمفارقة أنه لا تقضي على الغيلان إلا أسلحة بسيطة من الأرض (زيتون، وتين، وتمر)، دلالة على أن الأرض العربية تستطيع هزيمة الأعداء بدون استثناء، إن أُحسن استغلال مواردها، وصدقت النيات، ووجد الشرفاء الذين تخلصوا من عبادة الذات، وتفرغوا لخدمة أوطانهم، وانشغلوا بالدفاع عنها بإخلاص وذكاء. خاصة أن الجيوش في الرواية انحرفت عن وظيفتها الأساسية التي أُعدت لأجلها، ولا يجد المتعلمون فيها إلا الإهانة والتنكيل، كمؤشر لشيوع الجهل والتجهيل، ومحاربة العلم والمتعلمين.
في روايته «أحلام وغيلان»، ينحاز السماعنة إلى المرأة بشكل واضح، فكل الانتصارات تحققت على أيدي نساء وفتيات، وتفسير الأحلام بأمر من اللجنة كان حكرا على أم مطر لصدق تأويلها وتفسيرها.
وثمة مفارقة ومقصودة ذات دلالة كبيرة في الرواية؛ فإذا كانت المنطقة 10 تغرق في أوهام الأحلام، وتقتات عليها، في طريقها للهاوية، فإن الفتاة «أحلام»، هزمت الغول، وحيدة بسلاح الزيتون، بعد أن طردها أهل القرية وأمها، فسكنت بعيدا عنهم. وعندما هاجم الغول القرية، وشردهم، لم يجدوا إلا بيت «أحلام» مأوى لهم، فرحبت بهم، وأكرمتهم، وتجاوزت عن ظلمهم وطردهم إياها وأمها، وخلصتهم من الغول بذكائها وحيلتها، على الرغم من نكثهم العهد معها، ولكنها تعالت على جراحها، وأخلصت لقريتها الظالم أهلها، وقضت على الغول. وكما أن الحلم قد يكون مدمرا، فقد يكون مخلصا ومنجيا، وهذا يعتمد، وربما هذا ما أشارت إليه أم مطر وهي توصي نساء المنطقة 10 بقولها: «سأفسر لكل واحدة منكن حلما واحدا لا أكثر، فاخترن الحلم الذي أشغلكن وأثر فيكن، ولا تركضن وراء بهرج الحلم وما يحويه من رفاه ومال، ابحثن عما يسند الروح ويقف أمام الحزن والعطش».
السماعنة في روايته «أحلام وغيلان»، ينحاز إلى المرأة بشكل واضح، فكل الانتصارات تحققت على أيدي نساء وفتيات، وتفسير الأحلام بأمر من اللجنة كان حكرا على أم مطر لصدق تأويلها وتفسيرها، هذه المرأة التي قاومت جبروت العميد ورجاله، وفرضت شروطها، وكانت حرة أبية لا تخضع لوعيد أو تهديد، كيف لا، وهي مجبولة بطين أرضها التي هُجرت منها، ورفضت أن تخرج من قريتها إلا زاحفة لتبقى رائحة الأرض عالقة بمسامات جسدها. فهي ما زالت تعيش أصالتها، لم تتغير ولم تُهجن، ولم تُدجن.
وفي المقابل كانت المرأة مضطهدة في المنطقة 10، لا تنعم بالعدالة والمساواة حتى في الأحلام وتفسيرها، بل إن العام التي وقعت فيه أحداث الرواية هو عام الذكورة، ولكأني بالسماعنة يصرخ أن تحقيق النصر على الأعداء، أي أعداء، مرتبط بالمرأة كشريك كامل، وأن تأخذ حقها وتؤدي دورها، فإن أي جزء في المجتمع يشعر بالظلم، هو منطقة رخوة خطرة، تمكن للأعداء، وتؤخر المسيرة، وقد تؤدي للهزيمة والخذلان.
«أحلام وغيلان» لمحمد السماعنة (أمانة عمان الكبرى، 2018) رواية تجريبية مختلفة متميزة شكلا ومضمونا، تتميز بلغة عالية المستوى مع سلاسة وبساطة آسرة، وشعرية دافقة، وسبك محكم، مع نفس فلسفي واضح. وظف السماعنة فيها الحكاية والخرافة والأسطورة والخيال والفانتازيا والرسائل وتفسير الأحلام والإعلانات ومحاضر الاجتماعات والمقاطع الشعرية والأغاني والتناص وتعدد الأصوات، في نسيج متقن، وتشويق متواصل، مع تعدد العقد، وكثرة العناوين والمقاطع (46 عنواناُ فرعيا)، مما يستوجب توتر القارئ، وترقبه للنهايات الفرعية والنهاية الختامية للرواية التي جاءت مفتوحة، لتعطي فسحة أمل، واحتمالية التغيير.
تثير الرواية أسئلة كثيرة من أهمها: من المسؤول عن تجهيل المواطن والتحكم بأحلامه وبرمجتها وتفسيرها؟ سيطرة الأعداء، هل هي بفضل قوتهم أم بسبب ضعفنا وتخاذلنا وتفرقنا؟ لماذا انحرفت الجيوش عن وظيفتها ومهمتها الأساسية؟ لمصلحة من يُحارب العلم والعلماء، ويسود الجهلة والأغبياء؟ لماذا لا يلتفت للعناية بالأرض والموارد المتوفرة التي تمتلك كل عناصر القوة والسيادة؟ ما الحد الفاصل بين الأحلام والأوهام؟
وبعد، فإن رواية «أحلام وغيلان» للسماعنة تقرع أجراس الخطر، ليصحو العرب من أحلامهم وأوهامهم، ويصلحوا أرضهم وأحوالهم، ويصنعوا أسلحتهم مما ملكت أيديهم، فالعبرة ليست بالسلاح وتطوره، بل باليد التي تمسكه، والعقل الذي يتحكم فيه. وتؤكد أن الأعداء مجرد سراب إن تآلفت القلوب، وتوحدت القوى، وصدقت النيات، وساد الأمة المخلصون المتعلمون، ووسد الأمر إلى أهله.
الروائي محمد السماعنة، محاضر غير متفرغ في الجامعة الأردنية، يحمل درجة الدكتوراه في الأدب الحديث عن رسالته «صورة العربي في الشعر الفلسطيني المعاصر»، ومن قبلها الماجستير عن رسالته «البطولة في الشعر العراقي 1980-1990، وله من الكتب المنشورة: «صورة العربي في الشعر الفلسطيني المعاصر»، ورواية «برائحة الانتظار»، ورواية «سعد سعود»، و«فرح الفراشة بين جرزيم وعيبال»، وله عدة أبحاث مُحكَّمة منشورة، ومشاركات في مؤتمرات أدبية.
٭ كاتب أردني