“السترات الصفراء” ولادة نظام دولي جديد وصراع العولمة والقومية تحت غطاء المناخ

محمد المذحجي
حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”: لم تصل حركة “السترات الصفراء” في فرنسا إلى مستوى ثورة، لكن يمكن أن تتحول إلى ثورة عارمة تشبه أحداث “الربيع العربي”. ولم تلب تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، المتأخرة تطلعات المحتجين، وأدى ذلك إلى الإعلان عن مواصلة الحركة تجمعاتها الاحتجاجية. والتساؤل هو إلى إين ستصل؟ وما هي دلالة توقيت اندلاعها؟ والأهم من ذلك ما هي الصلات باتفاقية باريس للمناخ؟ وهل الشركات العملاقة التي سيطرت على الاقتصاد العالمي لعقود طويلة والتي ستفقد سيطرتها بسبب اتفاقية باريس، ستصمت بسهولة؟

ويتأثر مستقبل حركة السترات الصفراء بقدرة وإرادة اللاعبين المحليين، لكنه يجب البحث عن جذورها وإطارها العام في نطاق أوسع من فرنسا سياسيا واقتصاديا. “السترات الصفراء” هي حركة تجلي لجزء من الصراع العميق بين تيارات دولية. حقيقة ما يحصل في فرنسا هو صراع العولمة (الليبرالية) والقومية تحت غطاء اتفاقية باريس للمناخ.

ما يزيد الأمر تفاقماً بالنسبة لماكرون واتفاقية باريس المناخية هو الحقيقة التي يعرفها الموطن ألا وهي أن متوسط سعر النفط المستورد لفرنسا هو 26 سنتا، وكلفة تكريره وإنتاج البنزين هي قليلة كذلك، لكن الحكومة الفرنسية تعرض البنزين بقيمة يورو و47 سنتا. وذلك يعني أن الحكومة والشركات الفرنسية تربح ما يقارب يورو من بيع كل ليتر من البنزين. ومن جهة أخرى تضاعفت الاستثمارات الفرنسية خلال السنوات الـ3 الماضية وبعد التوقيع على اتفاقية باريس المناخية على قطاع الوقود الأحفوري الذي يشكل نسبة 80 في المئة من انبعاث الكربون والاحترار عالمياً، بينما لا تشكل الاستثمارات الفرنسية في قطاع الطاقة المتجددة شيئا يذكر خلال الفترة ذاتها. فضلاً على أن ماكرون أعلن أن فرنسا تعتزم إغلاق 14 مفاعلا نوويا من أصل 58 مفاعلا تنتج 72 في المئة من احتياجات فرنسا للطاقة الكهربائية.

الجذور

رغم التحاليل العديدة التي حاولت أن تعطي طابعاً ايديولوجياً لما يحصل في فرنسا، ليست “السترات الصفراء” حركة المحرومين والفقراء فقط، بل هي انتفاضة الطبقة الوسطى التي ستصبح ضمن الطبقات الفقيرة والمحرومة في مستقبل غير بعيد. الطبقة التي ترى نفسها في وضعية حرجة وخطيرة، وإذا لم تقاوم ضد محاولات الأقلية الثرية القليلة للاستحواذ على الثروات، لن تبقى لها أي حظوظ للحفاظ على وضعيتها المترنحة الحالية. والطبقة المتوسطة التي تعتبر الضحية المعروفة للعولمة وما يعرف بالنظام العالمي الجديد الذي بدأ بعد هدم جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي خلال نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات. وقسمت دول العالم إلى دول لديها رأس المال، ودول لديها اليد العاملة، ودول لديها ثروات. على سبيل المثال، أدت الترتيبات السياسية والعسكرية الضرورية “للاستحواذ دون منافس وبأرخص قيمة ممكنة” على ثروات افريقيا إلى مقتل أكثر من 6 ملايين إنسان في أنغولا وبوروندي وناميبيا وأوغندا وكونغو ورواندا وزامبيا، فضلاً عن الحروب العديدة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط.

والبعد الآخر للعولمة هو أن الطبقة الوسطى في دول لديها اليد العاملة الرخيصة خاصة دول شرق آسيا بسبب هجرة رؤوس الأموال والشركات الكبرى إليها، أصبحت أكثر ثراء على حساب الطبقة الوسطى في الدول الأوروبية والولايات المتحدة. حيث ما كان أحد يتصور أن الصين تصبح المنافس الرئيسي للغرب. عدد السجناء في الصين التي يتجاوز عدد سكانها مليار و386 مليون شخص، هو أقل من عدد السجناء في الولايات المتحدة، فضلاً على أن القدرة الشرائية للطبقة الوسطى الصينية أصبحت أكبر من القدرة الشرائية للطبقة ذاتها في أمريكا والعديد من الدول الأوروبية الثرية. وأدى ذلك إلى صعود اليمن في الغرب تدريجياً وخاصة في الولايات المتحدة من خلال “ظاهرة ترامب” ترامب الذي حذر منذ عام 1987 وحينما كان ديمقراطياً من الأضرار الناجمة عن “النظام العالمي الجديد” على الولايات المتحدة، وهو الآن يقود اليمين الأمريكي في حربه ضد تيار العولمة ومنه نادي بيلدربرغ.

الربيع العربي الأوروبي!

الملفت في الأمر هو أن توقيت اندلاع حركة “السترات الصفراء” يتزامن مع ذكرى اندلاع أحداث “الربيع العربي” التي أدت إلى خسارة كبيرة للغرب وخاصة الأوروبيين في نفوذهم في المنطقة لصالح الصين وروسيا اللتين توسعتا بشكل كبير داخل الشرق الأوسط. فشل الغرب في ركوبه موجة “الربيع العربي” ليفرض نظاما إقليميا جديدا، ويشاهد الآن وفي الذكرى الـ100 لتوقيع معاهدة سايكس بيكو أن “روسيا المغدورة خلال هذه المعاهدة” تسيطر على جزء حساس للغاية في المنطقة أي شرق بحر الأبيض المتوسط وأكثر من 122000 مليار متر مكعب احتياطه الغازية (حسب إحصائية نشرتها وكالة دويتشه فيله للأنباء الرسمية الألمانية). وتنفرد روسيا وأمريكا بشكل تدريجي في منطقة الشرق الأوسط وتعملان على إبطال مفعول سايكس بيكو التي وضعها الأوروبيون، وتتصارعان لفرض نظام شرق أوسطي جديد لا يزال لم تتضح معالمه، ومن الواضح أن أوروبا التي تصبح ساحة للصراعات تدريجياً، ستواجه المزيد من الخسائر الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط.

والأسوأ من ذلك هو أن ترامب اليميني وبوتين الداعم المعروف لليمين الأوروبي يعملان على الإطاحة بالحكومة الأوروبية بشتى الأساليب من خلال صناديق الاقتراع والانتخابات أو من خلال تدشين “ربيع عربي أوروبي” محتمل. ولا يمكن إخفاء بصمات بوتين وترامب فيما يتعلق بحركة السترات الصفراء، خاصةً وأن الرئيس الأمريكي غرد على حسابه الرسمي على شبكة “توتير” للتواصل الاجتماعي واعتبر هذه الحركة تدعم مواقفه ضد اتفاقية باريس للمناخ. أوروبا الليبرالية التي حاولت ركوب موجة “الربيع العربي” لتدشين نظام إقليمي جديد يبعدها من هزات وتداعيات ولادة نظام دولي جديد، الآن ترى نفسها عرضة لربيع يميني في عقر دارها، اليمين الذي يريد نظاما دوليا جديدا يقضي على جميع مؤسسات نادي العولمة.

واللاعب غير المرئي الآخر في حركة “السترات الصفراء” هو الشركات العالمية الكبرى التي تسيطر على الاقتصاد العالمي منذ عقود طويلة، والتي تعتبر المتضرر الرئيسي لاتفاقية باريس للمناخ. الاتفاقية التي يستخدمها نادي العولمة مسرحاً للانتقال المرن من الحقبة المالية التي تعرف باسم “بترو-دولار” إلى حقبة مالية جديدة تعتمد على الغاز وعلى عملات أخرى غير الدولار الأمريكي. ومن المؤكد أن الشركات العالمية المسيطرة لن تصمت أمام “اتفاقية باريس للمناخ”. وهل بإمكان هذه الشركات واليمين أن تقلب السحر على الساحر؟ الجواب هو أن اليمين وهذه الشركات في أدنى تقديرات استطاعت أن توظف جزءا من قواعد اتفاقية باريس المناخية لصالح صراعه مع العولمة الليبرالية.

مواقف اليمين

أظهرت نتائج استطلاعات أن 42 في المئة من أولئك الذين شاركوا في المظاهرتين الأولى والثانية للسترات الصفراء، صوتوا لصالح ماري لوبن مرشحة اليمين المتطرف خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، فضلاً عن أن 80 في المئة من الشعب الفرنسي يؤيد هذه الحركة بشكل عام. فيما انتقدت ماري لوبن الرئيس الفرنسي بسبب تصريحاته المتأخرة بشأن السترات الصفراء ووصفته بأنه غير حكيم وغير مطلع، وقالت إن ماكرون لا يريد أن يغير نموذجه الاقتصادي السياسي الذي يعتمد على “العولمة المتوحشة” والمنافسة غير العادلة، والتجارة الواسعة على أساس السوق الحرة، وتشجيع الهجرة، محذرةً من التداعيات الخطيرة وغير المحسوبة الاجتماعية والثقافية لهذه السياسة على فرنسا. واعتبر الجمهوريون الفرنسيون الذين يصنفون ضمن اليمين، مقترحات ماكرون للتعامل مع السترات الصفراء بأنها ستحول المجتمع الفرنسي إلى مجتمع يعيش على المستوى الأدنى للأجور فقط، ووصفوا مقترحات ماكرون بأنها ذرات صغيرة لا يمكنها أن تخمد نار غضب الشعب الفرنسي.

ولم تقتصر الهجمات على ماكرون على اليمين فقط، بل هاجمه اليسار المتطرف كذلك، حيث وصف اليساري الراديكالي جان لوك ميلنشون، زعيم حزب فرنسا الأبية، ماكرون بأنه رئيس الأغنياء فقط وأنه يعيش في فترة تاريخية قد انتهت (بالإشارة إلى فترة سيطرة العولمة) مضيفاً أن الأموال اللازمة لرفع المستوى الأدنى للأجور ستوفر من جيب دافعي الضرائب والتأمين وليس من جيب الأثرياء، واعتبر حركة السترات الصفراء ثورة يجب مواصلتها. وانتقد حزب آخر متشعب عن الحزب الاشتراكي الفرنسي رفض ماكرون فرض ضريبة على الأثرياء، وهاجمه بسبب عدم مشاركة البنوك ورؤوس الأموال في تحمل كلفة تقليص مستوى التلوث العالمي والاحترار. فيما قال زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي إن سياسات ماكرون هي سياسات الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي نفسها، وإن مقترحاته الأخيرة ستؤدي إلى زيادة الضغط على العاطلين عن العمل والمتقاعدين على المديين المتوسط والبعيد.

بريكست والسترات الصفراء

تظهر حركة السترات الصفراء جزءا من دوافع النخبة الحاكمة البريطانية لفك ارتباطها بالاتحاد الأوروبي، وأنها تريد أن تتبنى سياسة مستقلة عن الاتحاد حتى تنأى بنفسها عن هزات وإرهاصات ولادة نظام دولي جديد التي بدأت تضرب أوروبا، فضلاً عن أن لندن تبحث عن تحالفات اقتصادية واستراتيجية مع القوة الاقتصادية الصاعدة، وتمنعها قواعد الاتحاد الأوروبي من ذلك. ومن زاوية أخرى، ليست بريطانيا بعيدة عن صراع العولمة واليمين المؤيد لبريكست. ما أكده المستشار السابق للرئيس الأمريكي حيث قال إن أعضاء السترات الصفراء هم مؤيدو بريكست وترامب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية