باريس- “القدس العربي”:
في ريبورتاج، نشرته بعددها الصادر الاثنين، توقفت صحيفة” ليبراسيون“عند الأوضاع في مخيم شاتيلا في لبنان، الذي أنشأ أول مرة من طرف الأمم المتحدة عام 1949، وخصص لإيواء اللاجئين الفلسطينيين لكن المخيم بات يزدحم بالسكان المهجرين نتيجة الحروب المتتالية في المنطقة.
وقالت الصحيفة إن داخل المخيم؛ ما تزال مذبحة 1982 ماثلة في الذاكرة، وحلت محلها المعاناة اليومية للسكان.
على طريق سريع يربط بيروت بجنوب لبنان يقع مخيم شاتيلا، وبمجرد التغلغل داخل مساحة المخيم الفقير التي لا تتجاوز كيلومتراً مربعاً، تفوح روائح بسطات بيع اللحوم والأسماك، تحت أشعة الشمس. يعمل في هذه المحلات البسيطة باعة من دول آسيوية مثل بنغلاديش وسريلانكا وبالكاد يغطي دخلهم لسنتين مصاريف استقدامهم إلى لبنان من طرف سماسرة يتقاضون 6000 دولار مقابل إدخال هؤلاء العمال إلى لبنان بطريقة قانونية.
وتابعت “ليبراسيون” الوصف، أنه على بعد أمتار من الآسيويين؛ يعرض سوريون ومصريون ونادراً لبنانيون؛ بعض الفواكه والخضروات على بسطات عريضة. وسط هؤلاء يجلس أبو أحمد وهو لاجئ سوري ينحدر من محافظة دير الزور ووصل المخيم قبل نحو سنة رفقة أولاده الستة. أبو أحمد مترجم سابق في شركات النفط التي كانت تعمل قبل الحرب في محافظة دير الزور الغنية بالنفط، ويقول إنه عانى كثيراً قبل الفرار من وطنه، حيث فقد وظيفته كأستاذ في معهد خاص للغة الإنكليزية ودمر منزله بقصف للنظام والطيران الروسي وسيطر تنظيم “الدولة” على الحي الذي كان يقطنه قبل أن يتم توقيفه وتعذيبه من قبل شرطة التنظيم بسبب حلقه لحيته.
ويقول أبو أحمد وهو خريج كلية الآداب إنه لو كان فيكتور هوغو على قيد الحياة لكان قد كتب عن البؤس الذي عاشه في المخيم. ويأمل أن يكون مخيم شاتيلا مجرد محطة في طريقه نحو أوروبا، وفي انتظار ذلك يواصل عرض تجارته للبيع كي يتمكن من إطعام أطفاله ويقتطع مبلغاً صغيرا استعداداً للرحلة المقبلة نحو أوروبا.
لا تتجاوز الأسعار في سوق المخيم المعروف بسوق خضار صبرا ؛ ربع الأسعار في باقي المناطق وهو ما جعله قبلة للمعوزين في جميع القرى والبلدات المحيطة. وبالكاد تميز الحدود بين مخيمي صبرا وشاتيلا، اللذان اشتهرا بشكل كبير بعد مذابح سبتمبر 1982، فخلال اجتياح إسرائيل للبنان حينها، ارتكبت ميلشيات مسيحية مجازر بحق المدنيين طيلة يومين حيث قتلوا بدم بادر مئات النساء والأطفال. لكن مخيم صبرا عرف بعد ذلك موجة عنف هي الأقوى وتحديدا بين عامي 1985 و1987 حيث تم تهديم المخيم وذلك عندما قصف الجيش السوري المتحالف مع حركة أمل المدنيين داخل المخيم خلال ما يعرف بحرب المخيمات وسقط خلال القصف آلاف القتلى من الفلسطينيين واللبنانيين.
هذه المآسي ما تزال حاضرة في أذهان المقيمين داخل المخيم الذين يتقاسمون بؤس الحياة داخله وهم ضحايا موجات العنف الذي ضربت الشرق الأوسط حديثاً أو عمال مهاجرون فقراء قدموا من بلدان بعيدة وانتهى بهم المطاف في صبرة وشتيلة. وتقول سوسن وهي مدرسة فلسطينية ولدت في المخيم إن هناك مقيمين من جنسيات متعددة بينهم مصريون وسريلانكيون وأرتريون؛ كلهم اختاروا السكن في شاتيلا بسبب أسعار الإيجار الرخيصة وغياب الرقابة “نحن هنا جميعا ننتمي للطبقة الاجتماعية المعدمة” تضيف سوسن.
وبات الفلسطينيون اليوم داخل المخيم أقلية؛ بعد أن كان يأوي عند إقامته 3 آلاف لاجئ عام 1949 وهو يضم حاليا 10 آلاف نسمة حسب إحصائيات منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” أغلبهم من السوريين أو السوريين من أصول فلسطينية فروا إلى المخيم المكتظ بالسكان إلى جانب العمال المهاجرين من جنسيات أخرى لا يعرف عددهم على وجه التحديد لكن إحصاءات غير رسمية تشير إلى أن سكان المخيم يبلغ عددهم 40 ألف شخص.
ولم تسمح السلطات اللبنانية بإجراء أي إحصاء داخل المخيم منذ عقود وذلك خشية إثارة المطامع في المحاصصة الاجتماعية والدينية السائدة في لبنان. ويشبه الوضع داخل المخيم كثيرا الأوضاع في قطاع غزة من حيث الكثافة السكانية وضعف المنشآت الحيوية.
ومن أجل الوصول إلى المخيم يجب المرور عبر أزقة ضيقة؛ عند دخول المخيم تصادفك صورة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وصورة قبة المسجد الأقصى وتسمع موسيقى فيروز وهي تغني للقدس مدينة السلام. التقينا أم محمد وهي فلسطينية من الجيل الثاني من المهاجرين وأم لثلاثة أطفال. تعمل الأربعينية الأرملة في مقهى صغير من أجل تأمين أساسيات العيش لأولادها مثل السكن والنقل خاصة لابنها محمد الذي يدرس في مدرسة حي بير حسن المجاور بينما يدرس شقيقاه في مدرسة رام الله وهي إحدى المؤسسات التعليمية التابعة للأونروا داخل المخيم ويوجد بها 732 تلميذا موزعين على ستة مستويات دراسية؛ 180 منهم فلسطينيون قدموا من سوريا خلال السنوات الخمس الماضية.
وتقول سحر دبدوب مديرة المدرسة إنها تواجه صعوبة في إقناع التلاميذ القادمين من سوريا والتلاميذ الموجودين في المخيم بأنهم جميعاً فلسطينيون. وينحدر أغلب اللاجئين القادمين من سوريا من مخيم اليرموك الذي شهد أعمال عنف بين 2012 و2016. وتقول سحر دبدوب: “عندما يكون أحد آباء التلميذ من فلسطين يسمح له بدخول مدرسة الأونروا لكن عندما يكون أبواه من سوريا، يتم التكفل به في مدارس أخرى” وتضيف: “مع بدء تدفق اللاجئين من مخيم اليرموك تضاعفت المساعدات من جميع الأطراف؛ من الدول العربية والأوروبية وصناديق التمويل والمؤسسات غير الحكومية؛ وتمكنا من إنشاء مختلف المؤسسات والورشات للأطفال؛ لكن مع مرور الوقت تضاءل حجم المساعدات وتردت الأوضاع”. وتسبب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وقف مساعدات بلاده لمنظمة أونروا في حالة من الهلع بين المدرسين وآباء التلاميذ في مدرسة الأونروا، لكن بفضل مساعدات دول عربية وأخرى أوروبية تمكنت المنظمة من تجاوز الأزمة المالية التي تسببها المساهم الأول في تمويلها.
ولا يستطيع أغلب من قابلناهم من سكان المخيم معرفة مكان المذبحة التاريخية التي يجهلها بعضهم. ويقع مجسم المذبحة في منطقة قصية من المخيم مزين بألوان العلم الفلسطيني ومكتوب عليه باللغتين العربية والإنكليزية “مذبحة صبرا وشاتيلا-16-17 سبتمبر 1982”. ويقول حارس المكان وهو ستيني ينحدر من الجنوب اللبناني وموظف في المجلس البلدي إنه لا أحد يزور مجسم المجزرة إلا في أيام الذكرى السنوية.