يستمر الصوت القصصي في استجلاب صورة للمكان معدّة سلفا في خيال لا يمكن أن يخطئ علاماته، لهذا يواصل القاص عبد الله كرّوم في مجموعته القصصية «مغارة الصابوق» حكاية الرمل الممدّد على قارعة الصحراء ليعيد سردا ضالا إلى جادّة القول المماحك لحقيقة واقعة ترسم صحراء لا تغيب إلا لتعود، ويبدو أنّ السعيد بوطاجين في تقديمه للمجموعة وقع في أحابيل هذه العودة، حيث يقول: «تعود بنا مجموعة «مغارة الصابوق» للقاص عبد الله كرّوم إلى ذاكرة المكان والناس». والسعيد بوطاجين ليست غريبة عنه هذه العودة لأنّه كان قد بدأها في روايته «أعوذ بالله» التي تتّجه شخوصها إلى الصّحراء نافرة من شمال أنهكها.
الصحراء حكاية وسرد:
«أتريدين أن أكتب عنك قصة». لقاء سردي بين المكان والذات الكاتبة الصحراوية، إنّها الحكاية التي تتنصّل من شفوية معتادة بَنَت مخيال الصحراء لتتسرّب في مفاصل السرد متواشجة فيه مع الكتابة لتشفير المسار نحو البداية. «زينة المدائن»، حكاية يتبعثر فيها السارد لذة لغوية، يرحل في المكان بخيال سردي على أمل استعادته من متاهات الغموض والنكران في أذهان الذين استطابوا محو ذاكرة الطين واستبدالها بالإسمنت. للرمل حكاية، والسرد أوردة معلّقة على جسد الحكاية، يجري ماء «الفقارة»، يستعيد الرمل عافيته، النص لا يعيق تدحرج ذرات الرمل، النص يهادن كثبانه ويستعيد من وسامته الصمت وما يثير الغضب.
«حائط رحمونة»، مجموعة قصصية سابقة للقاص، يعود الحائط ليشكل الحلم المستمر الذي يديم مرآة الصحراوي في زحام الأمكنة التي تزيح الطين لتحتفي بأخلاط الإسمنت، «رحمونة الحائط الذي لن يسقط»، «رحمونة» الاسم الأنثوي الذي يحمل في دلالته الاستعطاف، الصحراء كذلك تستعطف في حنان طاغ كل الذوات التي مازال عطر الرمل يزيّن دواخلها، هل تخلّصنا من الرمل؟ رحمونة في القصّة لم تتزوّج نكاية في جارها «سيد الخوصي الرّجل المطلاق»، هي كالصّحراء لا تريد حكاية تتزين للعشاق بلغو سردها، رحمونة حكاية وسرد لا ينفصلان، تمثلتهما الشفاه كأسطورة تدحرجت في التاريخ إلى أن تلقفتها الكتابة كعنوان للاستمرار وعدم الموت.
لقاء سردي بين المكان والذات الكاتبة الصحراوية، إنّها الحكاية التي تتنصّل من شفوية معتادة بَنَت مخيال الصحراء لتتسرّب في مفاصل السرد متواشجة فيه مع الكتابة لتشفير المسار نحو البداية.
الصحراء خزانة للأساطير:
«عيشة الفاتنة تسخر من البنات اللائي يعمدن إلى خرافة دادة قاسم»، لكنّها هي ذاتها تعود إلى هذه الخرافة، ذاك لأنّ الصحراء مخيال غامض لا يمكن أن تتستر علاماته تحت غطاء التهيّؤات الفلسفية الحداثية المستخفّة بالماوراء. الرمل خزانة الأساطير، باعتبار الأسطورة آلية لاستعادة الفضاء الصحراوي من خيالات الصحراء ذاتها، والإبقاء على مسارها في ليل صامت لا يمنح سوى الحكايا حول الجمال والأمكنة والعلامات الساهرة على نبذ النسيان. الأفراح والمواسم ليست سوى أجراس معلَنة على ذرّات الرمل لتكمل مسيرة الصّبر الأنيق والاحتمال الباهر. يعلّمنا الرمل أنّ الصمت والزمن والمكان ليست مفاهيم وإنّما حيوات تدفعنا للاستمرار في غزل أفكارنا حول ما نعيشه، الصحراء اسطورة تُبقي الناس في فراديس الأمل والصّور التي تلد المدهش. «حتّى الخرير الأسطوري لساقية الحاجة مينة اختنق»، هي العلامة دالة على حركة المكان في الحياة والتاريخ وفي الروح التي تسري في الطين والرمل، تلك هي الأشياء التي إذا ماتت فقد الإنسان تواصله مع ما يمدّه بالحياة، «هل نسمع لحنك ثانية؟»، الصعود نحو قمّة العقل، الهبوط في درك التيه، بينهما تشتعل أنساق الأمكنة التي تأرجحت نحو الأساطير ترمّم صورتها وتطلق أغانيها وتكرّس بصمتها في المخيال.
الصابوق وعلامة العودة:
يتشكل الصابوق كحالة عابرة للتاريخ، تحيل إلى الكهفية، «حَفَر الصابوق في وقت خرافي»، الكهفية كدلالة على محاولة الاندراج في التاريخ بعد الخروج عن مجاليته. فالمغارة لا تمثل سوى المجتمع الذي يحيد عن وظائفه الوجــــودية لفترات ثم يستبعد الوعي بذاته فيتأسس بعد ذلك كعلامة، كأفق للعودة إلى المسار. حفر المغارة مرتبط بالانتقام من الشمس، المغارة كهف بعيد عن «مملكة النخيل»، و«امبراطورية الطين»، ففي الوقت التي تبدو المغارة سرداب يخفي وجه الشمس، في الوقت الذي تتفجّر حوله الأسئلة كمدفن للغموض وإغراء لا يقاوم في محاولات الكشف، لذلك يتأسّس الانتقام من الشمس باعتبار «الانتقام» عامل دافع إلى الإمعان في الهداية إلى مناطق الفرق بين الأشياء.
اللابراءة وتناص المحبّة للصحراء:
لم يكن السارد بريئا في عودته إلى المكان، كان مسافرا في أخيلة متعدّدة تحتفي بالمكان والبداوة حد الموت، لم يكن اعتباطا توظيف مثل هذه العبارات المنادية في عمق الوجدانين السردي والبشري: «عشرون عاما يا سادتي»، «عدت يا كرام إلى قريتي»، ليس بعيدا هذا الانزياح نحو المعاناة في فقد المكان عن معاناة «مصطفى سعيد» في «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح. يشتغل السرد في مستويات مبهمة تتعطل فيها الكفاءة اللغوية والمنطقية، وتنبثق البراءة الجمالية في عفويتها الناحتة لجيوب حكائية ممتعة تستمد جماليتها من اللقاء الخيالي للنصوص. الصحراء لا تملك سوى بناء حكاياتها وفق سرديات «امبراطورية الرمل»، «عشرون عاما يا سادتي مرّت عليه ولم يعد من غربته الطويلة»، يتشكل نسيج السرد أيضا على هذه الغربة في المعنى، حيث يبحث القاص عن قاموس بديل غير متداول، قادر على تأثيث غربته في الأمكنة بلسان قريب وحميمية حكائية يتدثر دفئها خلال رحلة الكتابة التي تفتح الصحراء على ما ينتظره القارئ من مختلف. إدراك أفق القارئ واللعب معه على وتر «تضاريس صحراء» لا يعرفها سوى كائنٍ بالميلاد فيها يعتبر في نهاية مطاف السرد والحكاية، حركة من حركات النص في خلق عجائبية تستثمر في المخيال الناهض من الرمل والعائد إليه.
اللغة في المجموعة سيّدة مقام الحكي، تقرّب بين ما لا يتقارب، لكنّها تقف عند الصّحراء موقف الاحتياج وتسمو به إلى بلاغته حين تنسج «مغارة الصابوق» نهاياتها على وقع حكايات عشق للوطن.
الوعي بالصحراء في منظومة الاختلاف:
تحتمي الصحراء بعناوينها ورموزها وأشيائها الغامضة، تتستر خلف ظلال كثيفة من العادات التي تخشى زوالها لأنّها ميراث الرمل، الصحراء ذاتها تعلم هذه الأشياء، لكن من يمسّ بهذا الميراث سوف يلقى العقاب، لأنّ منظومة قيم الصحراء قائمة على الوعي بنظام الكثبان، ونص «المعلم بوبريطة»، يكشف سلوك الصحراء اتجاه منظومات تخريب أسس مجتمع يتشبث بقيم اللعبة المشاكسة في محاولات التربية لإسعاد الأطفال بفرح الكلمات. «بوبريطة» (القبّعة)، لم يمس بقيم الرمل رغم احتفاظه بقيمه، إلا أنّه أتقن فهم ميكانيزم الإسعاد في إمكانية انفتاح الصحراء على نظم تشكيل الوعي النّجيب بالذات والأشياء، فحقلي الدلالة في المعلم والبريطة يحيلان إلى نظام تربوي قائم على مظاهر تختلف عن السائد في «العمامة» و«الشيخ»، ونهاية القصة بعبارة «لقد سامحتهم» لا تكشف سوى عن بحث الصحراء عن سلام الرمل المبثوث في كل منظومات العالم المفتوحة على الاختلاف.
الصّحراء رفيقة اللغة:
اللغة في المجموعة سيّدة مقام الحكي، تقرّب بين ما لا يتقارب، لكنّها تقف عند الصّحراء موقف الاحتياج وتسمو به إلى بلاغته حين تنسج «مغارة الصابوق» نهاياتها على وقع حكايات عشق للوطن، فالصحراء وطن لا تتأوّه رماله على انبساط رقدة الأمن إلا في حضن الوطن الأم. يجذب القاص خيوط الحكاية من المغارة وسحر الأسطورة والرمز إلى مدارات السّرد المكثّفة بجمال التوارد والخواطر العميقة في مفاصل حكاية الوطن وتجلياته الصحراوية، كلاما مؤثثا في نص ينتهي حكاية ويستمر خطابا، تتحرّر الصحراء فيه من «المغارة» وتعانق اللغة العاشقة لنبض الوطن وحرائق النص.
٭ كاتب جزائري