على هامش رحيل محمد رشاد الحمزاوي: جيل اقتحام الشعب للسرد التونسي

حجم الخط
2

ليلة أعلن نفر قليل أن الساحة الثقافية والعلمية في تونس فقدت الجامعي والأديب محمد رشاد الحمزاوي ـ فقدا صامتا في الحقيقة، رغم القيمة العلمية للرجل، فلم ألمح تفاعلات كثيرة مع الخبر، ما عدا منشورات قليلة – طوّحت بي الذكرى نحو شتاء بارد من شتاءات الثمانينيات التونسيّة 1984 تحديدا… هو شتاء ثورة الخبز ومناخاتها. كنا صبية ريفيين في السنة الرابعة من التعليم الابتدائي في قاعة بسيطة وباردة في مدرسة ريفية، مشدوهين إلى نص القراءة، ومعلمنا القدير محمد العكرمي بنعمارة يقرأه علينا بصوته الذي لم تمحوه أكثر من ثلاثة عقود من الذاكرة زمن كانت للقراءة الجهرية مكانة في المناهج الدراسية.
«كان بودودة يمشي محدقا في متاع الشوائين والخبازين حتى بلغ آخر صفهم ثم عاد.. كانت حركته بطيئة في أول الأمر فوقف أمام شواء يغذي نفسه ببخار اللحوم الفائح وأمعن النظر في الخبز الأبيض الذي كان معروضا في صفوف منسقة». ثم «وقف فجأة أمام خباز كان منهمكا في رد باقي بدوي وانقض على خبزة جعلها تحت إبطه وأطلق رجليه للريح فانتبه البائع ونادى بأعلى صوته الذي رن في السوق:
– السارق السارق شدوه»
وانطلقت الملاحقة: «وانسابت وراء الهارب مئات من الملاحقين والمتطفلين منهم محمود والبرسيس فكان أغلبهم ينادي شدوا السارق بدون أن يعلموا من السارق ومن المسروق».
٭ ٭ ٭
لست أدري ما الذي كان يشدنا إلى هذا النص، أرائحة السوق وألوان البضاعة والفطائر البلدية التي نحبها؟ أشوقنا إلى هذا السوق الذي لم يكن يتاح لنا أن نطأه إلا نادرا، وفي مناسبات محدودة تجعله احتفالا؟ كانت علاقتنا كأطفال قرية نائية لا يزيد عدد سياراتها عن أصابع اليد الواحدة، ويشحن أهلها إلى المدينة والأسواق كالخرفان، وخلسة علاقة محدودة تقتصر على مناسبات شعبية أو صحية، ولم نكن قد ارتوينا من الأسواق والمدن التي كنا نراها وحلوياتها وفطائرها في تلك المرحلة عيدا… فلعل شوقنا إلى السوق هو ما جمع بيننا وبين النص.

كانت أقاصيص رشاد الحمزاوي أصيل بلدة تالة التي يحمل تاريخها بوضوح بصمات التمرد والاحتجاج فهي موطن باي الشعب قائد الثورة على البايات علي بن غذاهم.

كنا نتابع بودودة الجائع ونتفاعل مع تلك الأجواء بحماس. صورة بودودة وهو يجري جائعا تعبر عن الظلم والجوع الذي عاشته الأجيال، وتكتب واقعا اجتماعيا خطيرا، هي التي زرعت في الأجيال بذرة تنمو وتتواصل إلى اليوم… هي ثمرة الإحساس بالفروقات الاجتماعية. هكذا كان لقاؤنا الأول مع «بودودة مات» على طاولات مدارس نائية وفي كتاب مدرسي رسمي. أذكر أن النص المقتطف لم يشف غليلي ورغبت في قراءة كامل الكتاب. أوصيت أبي بالكتاب وانتظرت أسابيع حتى جاءني به من القيروان، في طبعة خضراء ضاعت مع مرور الزمن «بعد أيام، سأعود إلى المكتبة نفسها التي جاءني منها أبي بهذه النسخة وسأبحث عن «بودودة مات» في نسخته الخضراء القديمة محتاجا إلى دراستها من جديد».
بعد عقود من هذا اللقاء بالنص قابلت من قابلت من كتاب البلاد وحضرت لقاءات جاء فيها من هب ودب، لكن لم يصادف يوما أن عثرت على لقاء أدبي يشارك فيه محمد رشاد الحمزاوي ولم يحصل شرف اللقاء به، رغم تلك المحبة الطفولية لنصه حتى راج خبر نعيه، وتلك هي دوامة حياة المبدع في البلاد. في تلك الأيام الدراسية أيضا وأظنه في المحور نفسه كان اللقاء أيضا بشخصية «سليم الفرزيط» للكاتب طيب التريكي، وهي لا تختلف عن السياق الاجتماعي والتاريخي لـ»بودودة مات».. «سليم الفرزيط» ذلك الطفل الصعلوك «يسعى مهرولا تحمله ساقان نحيفتان تكاد لا تراهما لفرط دقتهما ولشدة الظلام» و»يندفع وحده في هذه الأزقة المهولة والظلام الحالك وتتخيل قلبه يرتجف رعبا وخوفا وبدنه يرتعش بردا ويأخذك الإشفاق والحنان عليه».

٭ ٭ ٭

نصوص تلتحم بالواقع اليومي التعيس وبالنماذج الاجتماعية الشعبية تقدم إلى أطفال دون الخشية عليهم من بذرة التمرد.

تثير هذه الموجة أسئلة عديدة؟ أولا عن وضعها في الكتاب المدرسي، وثانيا بصفتها تجسد موجة أدبية عرفها السرد التونسي. في نظام يوصف بالديكتاتوري ويعرف أزمات تحمل النصوص المدرسية هذه الشحنة الأيديولوجية المتصلة بحال المجتمع، التي تنمي نوعا من التمرد والغضب، وربما تتضارب مع استراتيجيا تكوين شعب وديع. نصوص تلتحم بالواقع اليومي التعيس وبالنماذج الاجتماعية الشعبية تقدم إلى أطفال دون الخشية عليهم من بذرة التمرد. هل كان المشرفون على التعليم آنذاك وفي مقدمتهم محمد مزالي، أو كما يسميه بعضهم «وزير الكتب» باعتباره وزمرة من وزرائه مثقفين ومؤلفين ولهم إصداراتهم وأنشطتهم الفكرية، يحبون الإبداع ويسعون في أعماقهم إلى الإصلاح؟ هل ذلك دليل على إنهم لا يخافون وعي الشعب؟ هل تلك إرهاصات بعض الدمقرطة ورفض الانغلاق الأيديولوجي والاقتصار على أيديولوجيا السعادة والنجاح؟ إن المغامرة بنصوص لها هذا الطابع تحتاج تدبرا فليس الأمر من قبيل الصدفة، ولكنها استراتيجية أخرى ترتبط برهان التعليم والثقافة الذي كان مطروحا في تلك الفترة… وقد حذفت هذه النصوص وما شابهها من البرامج التعليمية بعد مجيء نظام بن علي في إطار ما وصف باستراتيجيا تجفيف المنابع الفكرية.
٭ ٭ ٭
أما الجانب الثاني فيتصل بالسرد التونسي وتلك الموجة، فعبر هذه القصص والروايات يبدو الأدب التونسي متجها إلى الهامش وباحثا عن مشاغله. فهو يخرج من الخطاب الرسمي نحو الواقع اليومي، وربما هو يلتفت لكتابة مختلفة بعيدا عن كتابة الزعماء. لعل ذلك مرد قول الناقد الراحل توفيق بكار «الشعب بطل آخر من أبطال القصة. كأن قوة جديدة تنمو على ساحة التاريخ وتفرض شيئا فشيئا وجودها على الساسة والفنانين. كانت للشعب أحياؤه في العاصمة وكان له فتيانه أولاد الحومة يعرفون بأسمائهم الملونة سليم الفرزيط وطرننو والسماريس وخمشون، حكمت البطالة على أغلبهم بالتسكع والتصعلك فيملؤون الأزقة والرحاب بهرجهم».
ويعتبر أن هذه الشخصيات شكلت ملمحا من ملامح مرحلة مهمة من السرد التونسي «حفلت بهم القصة التونسية في الخمسينيات مع الطيب التريكي خاصة، ثم مع رشاد الحمزاوي وغيره رسموا صورهم بألوان قوية مرحة وسجلوا لغتهم بنكتها الممتعة، رغم الفقر والحرمان معهم فرضت العامية نفسها في القصة لحظة اقتحم فيها الشعب الأدب موضوعا وعبارة».
في هذا الاتجاه السردي كانت أقاصيص رشاد الحمزاوي أصيل بلدة تالة التي يحمل تاريخها بوضوح بصمات التمرد والاحتجاج فهي موطن باي الشعب قائد الثورة على البايات علي بن غذاهم، وهي في زماننا المعاصر واحدة من المدن التي أربكت النظام التونسي السابق، فليس غريبا أن تنشأ في ظل هذه التربة كتابات الحمزاوي الأولى المفعمة بالواقع اليومي وبالمعاناة الشعبية وأن تنسج مع كتابات العديد من التونسيين مثل الطيب التريكي صاحب سليم الفرزيط خطابا سرديا اجتماعيا مهموما بالواقع التونسي.

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية