فلسطين-“القدس العربي”: شهدت أيام الأسبوع الماضي تصعيدا إسرائيليا خطيرا، طال الضفة الغربية وقطاع غزة، تخلله مواصلة عمل قوات جيش الاحتلال في المناطق المصنفة “أ” الخاضعة بالكامل لسيطرة السلطة الفلسطينية، وفرض حصار مشدد على مدينة رام الله، مركز حكم القيادة الفلسطينية، وتنفيذ عمليات إعدام ميداني واعتقال مئات المواطنين وإصابة العشرات منهم خلال مواجهات شعبية تصدت لهذه الهجمات، وترافق ذلك مع هجمات شنتها مجموعات متطرفة من المستوطنين، إضافة إلى تصعيد الاحتلال من قمع “مسيرات العودة” رغم تفاهمات الهدوء، ما أدى إلى استشهاد مواطنين في غزة، وهو ما دفع الفلسطينيين للدعوة لتصعيد المقاومة الشعبية، والطلب من الوسطاء، مصر والأردن لزيادة اتصالاتهم والتدخل من أجل التهدئة.
فعلى مدار أيام الأسبوع الماضي، واصلت إسرائيل هجماتها العسكرية المكثفة ضد الضفة الغربية، والتي بدأت منذ فجر الخميس قبل الماضي، عندما أعدمت ثلاثة شبان هم أشرف نعالوة، الذي تتهمه بتنفيذ عملية إطلاق نار قبل شهر ونصف في مستوطنة “بركان” وصالح البرغوثي، المتهم بتنفيذ عملية “عوفرا” برام الله، والشهيد مجد مطر، بتنفيذ عملية طعن بالقدس.
وزادت خلال الأيام الماضية من حجم المداهمات والانتشار العسكري في مناطق الضفة، وتحديدا في قرية كوبر قضاء رام الله، حيث تبحث عن شقيق الشهيد البرغوثي، وتتهمه بتنفيذ عملية إطلاق نار بعد يوم من استشهاد شقيقه وقتل اثنين من الجنود الإسرائيليين، وكذلك في مدينة القدس المحتلة وضواحيها، حيث اعتقلت عشرات المواطنين.
وتخلل العمليات العسكرية، تنفيذ عملية إعدام ميداني طالت فتى من مدينة القدس، خلال تواجده في مركبة برفقة أقاربه، وزعم جيش الاحتلال أنهم كانوا ينوون تنفيذ هجوم، وهو أمر نفته عائلة الفتى محمد العباسي “17 عاما” إضافة إلى اعتقال مئات المواطنين، من أطفال ونساء ورجال طاعنين في السن، بينهم رجل ضرير، وأسرى محررون، ومداهمة العديد من المنازل الفلسطينية، وتعمد إجراء تخريب واسع في أثاثها، كما حدث مع منازل أقارب الشهيد نعالوة، وكلك إجراء تحقيق ميداني مع سكانها، وتشديد الحواجز العسكرية وإغلاق مداخل بعض البلدات والمخيمات، وحصار مدينة رام الله، بشكل صعب عملية التواصل بينها وبين باقي مدن شمال وجنوب الضفة، وهو ما زاد سوء أوضاع السكان، الذين تقطعت بكثير منهم السبل، خلال رحلات العودة لمنازلهم شمال الضفة، بعد أن قرروا مغادرة مدينة رام الله.
وسجل الأسبوع الماضي ارتفاع وتيرة المواجهات الشعبية، في كافة مناطق التماس والاستيطان والحواجز، وخلال مداهمات قوات الاحتلال للمدن والبلدات، وخصوصا يوم الجمعة الماضية، بناء على دعوات الفصائل لـ “تصعيد المقاومة الشعبية”، ما أدى إلى سقوط جرحى، في مشهد ينذر بإمكانية تصاعد الأمور، بسبب استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية التي طالت قلب مدينة رام الله، والوصول لحد انفجار “انتفاضة جديدة” وفي ظل تصاعد هجمات المستوطنين الذين نفذوا “هجمات عنصرية متطرفة” على الكثير من المناطق الفلسطينية
فبالإضافة إلى عمليات اقتحام باحات المسجد الأقصى، نفذ المستوطنون عمليات اقتحام أخرى لبلدات فلسطينية وشنوا هجمات ضد العربات الفلسطينية على الطرق الرئيسية وكذلك مهاجمة قرى فلسطينية قريبة من المستوطنات بالأسلحة النارية، وإصابة عدد من سكانها، وقيام مجموعات “تدفيع الثمن” المتطرفة بخط شعارات عنصرية وتخريب ممتلكات فلسطينية، واقتلاع أشجار والاستيلاء على الأراضي، تحت أنظار وحماية الجيش الإسرائيلي، الذي أمن هذه الاعتداءات.
شهداء في غزة
وفي غزة وبالرغم من استمرار العمل في تفاهمات إعادة الهدوء التي رعتها مصر وقطر والأمم المتحدة، وبدء سريانها منذ مطلع الشهر الماضي، وتنص على خفض التوتر والتصعيد على الحدود، قابلت قوات الاحتلال المشاركين في فعالية الجمعة الماضية التي أطلق عليها “جمعة الوفاء لمقاومة الضفة” بعنف شديد، من خلال إطلاق النار الكثيف، ما أدى إلى سقوط أربعة شهداء، وإصابة أكثر من 40 آخرين بجراح مختلفة، وهو أمر لم يحصل منذ بدء سريان التفاهمات الخاصة بإعادة الهدوء، حيث ينذر ذلك بعودة التصعيد من جديد.
ودللت الهجمات الإسرائيلية على الضفة وغزة، على وجود نوايا من قبل حكومة الاحتلال، للهروب من المأزق السياسي الداخلي الذي يهدد بقاء الائتلاف الحكومي الحاكم، من خلال إراقة الدم الفلسطيني، بهدف إرضاء الأحزاب المتطرفة.
وقد دفعت أحداث الضفة القوى الفلسطينية للطلب من المواطنين مواجهة “التصعيد العدواني” الذي تمارسه قوات الاحتلال، من خلال “تفعيل المقاومة ضد الاحتلال في كل مناطق التماس والاستيطان الاستعماري” وطالبت كذلك بتوسيع لجان الحراسة والحماية في كل القرى والتجمعات والمدن والمخيمات الفلسطينية التي تتعرض لهجمات المستوطنين بحماية من الجيش، حيث تعهد نائب رئيس حركة فتح محمود العالول، بعدم السماح للمستوطنين باستمرار هجماتهم على القرى وقطع الطرق أمام المواطنين، وقال موجها حديثه لحكومة الاحتلال والمستوطنين الذين كرروا مطالباتهم باغتياله هو والرئيس محمود عباس “الضغط علينا وعلى القيادة لن يجدي على الإطلاق” مؤكدا أنه “لا يمكن أن نقدم أي تنازل على الإطلاق”.
تحذير فلسطيني
وأعلن محمد اشتيه عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، أن القيادة الفلسطينية بعثت إلى إسرائيل “رسالة” أكدت خلالها عدم الاستمرار في “احترام الاتفاقيات الموقعة” في حال استمر العدوان، وأشار إلى أن مسألة العلاقة الأمنية مع الاحتلال “على طاولة القيادة للرد على العدوان”.
أما الحكومة الفلسطينية فقد أكدت أن إسرائيل لن تنعم بالأمن في ظل غياب السلام وإنجاز حقوق الشعب الفلسطيني، وجددت دعوتها للحكومات العربية والإسلامية والدول الصديقة لـ “تحمل مسؤولياتها إزاء القضية الفلسطينية التي تتعرض لمحاولات تصفيتها من قبل الاحتلال الإسرائيلي بتشجيع غير مسبوق من الإدارة الأمريكية”، كما دعت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية للإسراع في فتح التحقيق الجنائي لردع الاحتلال على جرائمه.
وفي غزة دعت حركة حماس الوسطاء كافة والمجتمع الدولي، للتحرك بشكل عاجل لإجبار الاحتلال على وقف الجرائم بحق الشعب الفلسطيني، وبحق المتظاهرين السلميين، وإجباره على الالتزام بكل التفاهمات وتنفيذها على الأرض والعمل الفوري على إنهاء حصار غزة.
واعتبر المتحدث باسم الحركة فوزي برهوم، أن تعمد استهداف الاحتلال الإسرائيلي للمتظاهرين السلميين والصحافيين وقتلهم بدم بارد يعد “جريمة جديدة تضاف إلى جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق شعبنا الفلسطيني” ودليلا على تنصله من تفاهمات التهدئة وإنهاء الحصار، محملا إسرائيل المسؤولية عن ذلك.
تدخلات للتهدئة
ودفعت عملية تصاعد المواجهات الشعبية، والتغول الإسرائيلي على مناطق الضفة الغربية، كل من مصر والأردن، إلى زيادة وتكثيف الاتصالات الرامية لإعادة الهدوء، من خلال اتصالات أجراها مسؤولون أمنيون من البلدين مع نظرائهم في السلطة الفلسطينية وفي تل أبيب.
ولا تزال القيادة الفلسطينية تترقب أن تبدأ حكومة إسرائيل بتخفيف “القبضة العسكرية” بما تشمل الاقتحامات المتكررة للمناطق الفلسطينية، ووقف سياسة “الإعدام الميداني” وهدم المنازل، في إطار المساعي الرامية لإعادة الهدوء إلى مناطق الضفة الغربية، بناء على الوساطات المصرية الأردنية، حيث أوصلت القيادة “رسالة مباشرة” للجانب الإسرائيلي، حذرت فيها بوقف العمل بالاتفاقيات الموقعة في حال استمرار الهجمات.
وكشفت مصادر مطلعة لـ “القدس العربي” أن القيادة الفلسطينية طلبت من مسؤولي الأردن ومصر، إبلاغ إسرائيل بوقف الاقتحامات للمناطق الفلسطينية بشكل عاجل، بعد استباحة جيش الاحتلال مناطق الضفة الغربية، بما فيها المناطق المصنفة “أ” الخاضعة أمنيا وإداريا للسلطة الفلسطينية، كونها تمثل “فتيل البارود” الذي يفجر الأوضاع في الضفة الغربية.