بغداد ـ «القدس العربي»: على الرغم من انقطاع الشاعر والمترجم الفلسطيني عن النشر والظهور لأكثر من ثلاثين عاماً، إلا أنه تمكن، خلال سنوات قليلة، من أن يكون اسماً بارزاً في الشعر والترجمة، فقد عاد مرة أخرى للساحة الثقافية في العام 2010 بعد أن اختفى عنها منذ العام 1980… وخلال تلك السنوات كان سرطاوي يعيش داخل وخارج الوسط في الوقت نفسه، متابعاً وقارئاً من جهة، ومنهمكاً في ذاته، يتابع ما يحصل في عالمنا دون أن ينشر أي نص، من جهة أخرى.
ولد سرطاوي في قرية سرطة بفلسطين في العام 1951. تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس القدس ونابلس، ومن ثمَّ حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الانكليزية وآدابها من الجامعة الأردنية، والماجستير في تطوير الموارد البشرية من جامعة منيسوتا في الولايات المتحدة. أصدر سرطاوي مجموعة شعرية بعنوان «بين زمانين»، كما ترجم مجموعة من القصائد للشاعرة التونسية هدى الحاجي إلى اللغة الإنكليزية، فضلاً عن ترجمته لكتاب «سير أدبية على أريج صدانا»، وترجم المجلد الأولى من سلسلة «شعراء أردنيون معاصرون»:
* أكثر من مجموعة شعرية صدرت لك حتى الآن كان آخرها (بين زمانين)، ما التحولات التي طرأت على قصيدتك منذ البدايات وحتى الآن؟
* للإجابة على هذا السؤال لا بد لي من العودة إلى البدايات. فقد بدأت كتابة الشعر قبل أن أتم الرابعة عشرة من عمري.وقد استقام لي الشعر العمودي بأوزانه وبحوره المتنوعة في تلك السن المبكرة من عمري. لكن القصائد التي نظمتها آنذاك كانت فجة في بنائها وموضوعاتها. في أواسط الستينيات شاءت الأقدار أن أكون واحداً من تلاميذ الشاعر الفلسطيني الراحل عبد اللطيف عقل. عقل كان يعلمنا الجغرافية رغم أنه يحمل إجازة في الفلسفة. في واحدة من حصصه ترك الجغرافية وراح يحدثنا عن الشعر الحر، وكان ذلك هو الاسم الذي حملته قصيدة التفعيلة أيامها. قرأ لنا مقاطع من «مدينة بلا قلب» لأحمد عبد المعطي حجازي، ثم تحدث عن الفرق بين الشعر العمودي والشعر الحر وكيف أن الأخير يحررنا من الرتابة ويفتح أمامنا آفاقاً رحبة للإبداع. كانت تلك الحصة الدراسية الدسمة نقطة تحول في حياتي.
في المرحلة الجامعية، التي بدأت بعد حرب حزيران 1967 بعامين، شاع شعر المقاومة، وأقبل الشباب على قراءة محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم. هؤلاء جميعاً كانوا يكتبون قصيدة التفعيلة، وكان تأثري بهم كبيراً. كذلك كان لدراستي للأدب الإنكليزي أثر عظيم في نفسي. كنت مهووساً بشعراء المدرسة الرومانسية الإنجليزية، وفيما بعد أعجبت بالشعراء الأميركيين من القرن التاسع عشر من أمثال إميلي ديكنسون وإدغار ألان بو، والقرن العشرين من أمثال إليوت، باوند، آن سيكستون، وليامز، هيلدا دوليتل، وفروست، وغيرهم.
هذه هي الروافد الرئيسة التي ساهمت في تشكيل القصيدة لديّ. لكن الحدث الأكبر هو اعتزالي للشعر والأدب عموماً منذ 1980 وحتى 2010. كان من المفروض أن تكون تلك الحقبة الزمنية هي فترة النضج والعطاء، خصوصاً بعد أن تفتحت عيناي على الآداب العالمية. لا أستطيع أن أقدم تفسيراً معقولاً لتلك السنين العجاف. لكنها حدثت ولا يمكن لي أن أمحوها. لقد ضاعت مني عشرات القصائد في تلك الفترة.
* على الرغم من لغتك التي تختارها بعناية فائقة، والأساليب البلاغية التي تشتغل عليها، إلا أنك ما زلت متمسكاً بالتفعيلة، وبنية قصيدة الرواد… إلى أي مدى يمكن أن ينشغل الشاعر بشكل القصيدة وبنائها مقابل الشعرية التي يبحث عنها؟
* تمسكي بقصيدة التفعيلة هو مسألة عفوية. الموسيقى التي أبقت عليها قصيدة التفعيلة بعد أن طوحت بعيداً بالرتابة العمودية والقافية المنتظمة لا تتناقض في رأيي مع الشعرية، بل إن الموسيقى هي جزء من الشعرية، وهذه الموسيقى تولد في داخل الشاعر. إنها مَلَكةٌ تولد معه، شأنها شأن سائر الفنون، كالموسيقى والرسم والنحت. وعليه يمكن لمن لديه هذه الملكة، أو الموهبة، أن يكتب قصيدة التفعيلة، وكذلك أن يكتب كذلك قصيدة النثر، من حيث المبدأ على الأقل. هناك الكثير من الشعراء ممن يجيدون كتابة القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، مثل أدونيس، لكنهم يؤثرون عليها قصيدة النثر.
موقفي ببساطة هو أنني فقط أعارض معارضي قصيدة التفعيلة، أولئك الذين يريدون «أن يقلبوا الطاولة» على حد تعبير ناقد مغربي. وقد كتبت مقالة حول هذا الموضوع بعنوان «لا للوصاية على الشعر»، دعوت فيها إلى التآلف بدلاً من الشقاق، فقلت: «الشعراء يحملون إلى الدنيا باقات من الزهور. فإذا كانت ثلّة من الشعراء يجلسون إلى طاولة وقد وضعوا عليها باقاتهم، فلماذا نقلب الطاولة ونرمي بزهورهم، وربما نشتبك معهم؟ لم لا نكون ودودين، فنحمل باقاتنا بألوانها الرائعة وشذاها الفوّاح لتأخذ مكانها فوق الطاولة إلى جانب الباقات الأخرى؟»
هذا يعني ضمنياً أنني لا أقف في المعسكر المناوئ لقصيدة النثر. والحقيقة أن لي أكثر من تجربة في هذا اللون. فعلى سبيل المثال، لي نصٌ بعنوان «قمرية الخضراء» أهديته للشاعرة التونسية هدى حجين أقول فيه:
أيتها الجنيّة القادمة من ألف ليلة
من يصف براعم أشواقك
حين تطير كالأشباح
ترقص في قلب الغيم
تشـاكـس المذنبات العابرة
تلوّح للمجرات
وتشعل قلب القمر الغيور.
لكنني أود أن أنفذ في إجابتي إلى لب السؤال. على الشاعر أن يسعى إلى تحقيق شيء من التوازن بين شكل القصيدة وبنائها من جهة وبين الشعرية التي يتوخاها ويأمل أن يبلغها من جهة أخرى. فإن استطاع تحقيق درجة عالية من الشعرية فهل يضيرنا أن يستقيم النص عروضياً؟
لكن كلمة «شعرية» بحد ذاتها تنطوي على إشكالية كبيرة. هل يمكننا أن نتفق على تعريف دقيق لشعرية النص، أن نحدد أو نشرح كيف تكون القصيدة شعرية؟ ما شروط الشعرية؟ في الماضي كان النقاد يفرقون بين النظم والشعر من خلال ما يمكن أن تحتويه القصيدة من الخيال والعاطفة والرمز والصورة الشعرية والمحسنات البديعية وسواها. ولعل أشهر مثال على النظم هو ألفية ابن مالك التي كتبها لغايات تعليمية.
اليوم اختلفت معايير الشعرية بسبب ما طرأ على القصيدة والمصطلحات الشعرية والنقدية من تطور، وقد اختلفت الآراء وتباينت جهات النظر في هذا الموضوع. لكن أيّاً كان التعريف الذي نتبناه، أرى أن من الضروري الالتفات إلى جانبي المعادلة الشعرية: الشكل والمضمون.
* الترجمة أخذت كثيراً من جرفك، وقد عرّفت الناس بنفسك مترجماً أكثر منك شاعراً، كيف يمكن أن نربط العلاقة بين الشاعر والمترجم لديك؟
* الترجمة تكاد تستولي على وقتي كله. وفعلاً أنا معروف في الأوساط الأدبية في الوطن العربي من خلال ترجماتي لا قصائدي. لكن هذا الجمع بين الشعر والترجمة هو أمر مألوف لدى الكثير من الشعراء، فالسويدي توماس ترانسترومر، الذي حاز على جائزة نوبل للأدب لعام 2011 جمع بين الشعر والترجمة، وكذلك الفنلندي بو كاربيلان، والأميركي مارتن إسبادا، والإيطالي ماريو ريللي وسواهم. وهناك أيضاً عدد من الشعراء العرب الذين يمارسون الترجمة مثل محمد حلمي الريشة، فادي جودة، جوزية الحلو، شهاب غانم، أروى الشريف، حسن حجازي، محمود الأزهري، وغيرهم كثير.
الترجمة بالنسبة لي هي فعلاً مرتبطة بالشعر. ترجمة الشعر تسبقها وتصاحبها قراءة معمقة للنص تنفذ إلى قلب القصيدة. والشاعر هو الأقدر على تجاوز الحرفية الجافة للنص المترجم من خلال استلهامه لروح النص، وفهمه العميق لمعانيه الصريحة والضمنية، لكن ذلك لا يعني إطلاقاً أن لدى كل شاعر القدرة على الترجمة.
* لماذا يختار المترجم نصاً دون آخر، وما المحددات التي يشتغل عليها للشروع بضم مجموعة من النصوص لتشكيل كتاب يقدمه للقارئ العربي؟
* حين يقدم الشاعر على الترجمة فإنه يختار النص الذي يفهمه ويحبه. فهم النص وحبه من وجهة نظري أمران أساسيان يجعلان المترجم يقدم أفضل ما عنده. وفهم النص يسبقه بالضرورة فهم اللغة. فالشاعر المترجم ينبغي عليه أن يكون متمكناً من اللغة التي يترجم عنها بقدر ما هو متمكن من لغته الأم. لكن النصوص تتفاوت في صعوبتها وقابليتها للترجمة. وبهذا الصدد أذكر رأياً للشاعرة الأميركية إيلين إيكوي ورد في قصيدة لها بعنوان «وجدوه في الترجمة» تقول إيكوي: «القصيدة غير القابلة للترجمة التي تحشد معناها، التي تُخضِع حدودَها لحراسةٍ مشدّدة، من الأفضل أن لا تقال».
كذلك فإن حب الشاعر للنص له أثر عميق في جودة الترجمة. اختياري لنص بعينه يعني بالضرورة أنني أعشق النص، أنه يلامس شغاف قلبي. وأحس أنني أحب أن يشاركني القارئ في هذا العشق، فأقدمه له مترجماً، وكأنني أوجه له دعوة لأن يتذوقه كما أتذوقه. وبذلك تتاح له الفرصة لأن يقرأ نصاً من لغة أخرى وثقافة أخرى.
أما معايير اختيار القصائد لجمعها بين دفتي كتاب فتختلف من مترجم لآخر ومن كتاب لآخر للمترجم نفسه. يجمع المترجمون القصائد على الأغلب وفقاً لثيماتها أو موضوعاتها. قد تكون قصائد عن الحب أو الموت أو التصوف مثلاً. أحيانا ينتمي شعراء المجموعة إلى بلد واحد أو عصر واحد أو كليهما معاً. هناك الكثير من المشتركات بين الشعراء. أنا مثلاً أفكر في أن أصدر كتاباً لشاعرات الاعتراف بعنوان «شاعرات البوح» وكتاباً آخر لشعراء سود البشرة وثالثا للشعراء الفلسطينيين في المهجر. الحقيقة أن في ذهني الكثير من الأفكار، لكن هناك جانباً فنياً يتعلق بالملكية الفكرية. فالمترجم يحتاج إلى إذن من الشاعر نفسه أو من ورثته إذا كان قد توفي قبل أقل من خمسين عاماً.
* هل يمكن للمترجم أن يحمي العبارة المترجمة من خلخلة إرثها الثقافي للنص الأجنبي، وهل أنت مع نقل هذا الإرث الثقافي أو تعريبه بما يناسب الثقافة المنقول لها؟
* النص المترجم مولود شرعي للثقافة التي تنتمي إليها لغته الأصلية. وهذه الثقافة لها خصائصها التي تميزها عن الثقافات الأخرى. ولعل هذا ما جعل المسلمين الأوائل يحجمون عن ترجمة الآداب اليونانية والرومانية. فالإلياذة والأوديسة والإنيادة والمسرح اليوناني والروماني وشعر أوفيد وسافو، كل تلك الأعمال الملحمية والمسرحية والشعرية حافلة بتفاصيل تعكس جوانب من هاتين الحضارتين تتنافى مع الأسس التي قام عليها الإسلام ومنظومة القيم التي أرسى قواعدها. الآداب اليونانية والرومانية كثيراً ما تتحدث عن الآلهة ومعابدهم وطقوسهم وعلاقاتهم فيما بينهم وعلاقاتهم مع البشر، فهم آلهة مزاجيون وشهوانيون، يتزاوجون ويتزوجون، يلدون ويولدون. هذه الأفكار تتناقض مع مبادئ التوحيد والصمدية والتنزيه وسواها. فكيف يمكن ترجمتها وتقديمها إلى القارئ المسلم. ربما لو فعل أحد ذلك لاتهم بالهرطقة.
اليوم نحن نعيش في عصر العولمة والانفتاح وانفجار المعلومات. لم يعد بالإمكان حجب أي شيء. لكننا مع ذلك نظل محافظين في الكثير من مظاهر حياتنا، ونتعامل بشيء من الحذر مع النصوص الأجنبية. فإما أن نمتنع عن اختيار ما قد يسبب صدمةً للقارئ، أو نحتال في الترجمة فنتخفف من أثقال ما يتعارض مع قيمنا باختيار مفردات وعبارات أكثر تحفظاً.
* هل هناك فسحة تأويلية يتحرك من خلالها المترجم لنقله من لغته الأصلية إلى اللغة الثانية، وما الذي يحدد هذه الفسحة: اللغة، الثقافة، البنية الاجتماعية، أم أسباب أخرى؟
* المترجم بحاجة إلى مساحة تأويلية سواء كان ينقل إلى لغته الأم أو منها إلى لغة أخرى. في حالة الترجمة إلى لغة أخرى فإنه لا يحتاج إلى معرفة مفردات اللغة الأجنبية وتراكيبها ومصطلحاتها فحسب، بل يتعين عليه أن يتقنها إتقاناً عالياً، أن يعرف أسرارها، وأن تكون لديه حساسية عالية للمفردة وما لها من ظلال تميزها عن المفردات المرادفة لها.
وعلاوة على ذلك يلزمه أن يكون ملماً بثقافة أهل تلك اللغة. أذكر حادثة كادت تودي بالعلاقات الأمريكية السوفيتية إبان الحرب الباردة. فقد نقل مترجم عن خروشوف، رئيس الوزراء السوفييتي آنذاك، حرفياً عبارةً توحي بالتهديد والوعيد، رغم أن خروشوف كان يقصد أن الفكر الاشتراكي قادم لا محالة ليحل محل الرأسمالية باعتباره حتمية تاريخية. سوء الفهم هنا نتج عن سوء التواصل بين ثقافتين متباينتين. ولو أن المترجم فهم العبارة ونقل المقصود منها لقضي الأمر.
البيئة الاجتماعية أيضاً لها دور مهم. في الغرب شاعت في الشعر والأدب مفردات وعبارات نعتبرها بذيئة ولا يرونها كذلك، لأنها أصبحت عندهم جزءاً من الحياة اليومية. أذكر أنني كنت أترجم نصاً للشاعر الدنماركي نيلس هاو، وقد وردت في نهاية النص شتيمة بريئة لم أجرؤ على نقلها حرفياً، واستعملت عوضاً عنها عبارة «تباً لك!».
حتى البعد المناخي يمارس تأثيره في اللغة وبالتالي في الترجمة. في العربية مثلاً كثيراً ما نستعمل عبارة «يثلج صدري» تعبيراً عن ابتهاجنا بحدث أو نبأ سارّ. هذه العبارة هي وليدة الصحراء الحارقة التي يشتاق ساكنوها وعابروها إلى البرودة. وفي دعاء القبر مثلاً ندعو الله أن يغسل الميت بالماء والثلج والبرد. أما أهل الشمال الأوروبي فيعبرون عن البهجة بقولهم: «يبعث الدفء في صدري». والثلج في الأساطير الاسكندنافية يمثل القوى الشريرة.
نحن هنا نقع بين واجب الأمانة في النقل من ناحية ومراعاة معايير التواصل والأبعاد اللغوية والثقافية والاجتماعية من ناحية أخرى. وهذه المعايير تفترض تحقيق التوازن بين الرسالة وصاحب الرسالة والمتلقي. هذا التوازن هو ما أسعى إليه في ترجماتي.
صفاء ذياب