في النصف الثاني من القرن السادس عشر، فشلت مُحاولة فرنسية لاحتلال الجزائر. وصل جيش لويس الرابع عشر، إلى جيجل شرق البلاد، صيفاً، ووجدها قد أُصيبت بالطاعون، وأن أبناءها وحلفاءهم تجندوا للدفاع عنها، فانسحب الجيش وقفل عائداً، ووقعت المأساة، بأن غرقت الباخرة الفرنسية «القمر» ومات 700 شخص من ركابها آنذاك. وانتظر الفرنسيون أكثر من قرن ونصف القرن، كي يكرروا المُحاولة ويدخلوا المدينة ذاتها، لكن لم ينعموا فيها، بسبب تعدد الثورات الشعبية وانتفاضات الأهالي، إلى غاية ثورة التحرير، منتصف الخمسينيات، حيث صارت جيجل مركزاً أساسياً، لحركة المقاومة، بفضل جبالها، وما توفره من حماية للمناضلين الوطنيين، وجاء الاستقلال عام 1962، واعتقدت جيجل أنها ستجد مكانة لها، في الجمهورية الناشئة وقتها، ولاسيمـــا مع انتخاب أحد أبنائها، فرحات عباس، على رأس المجلس الوطني التشريعي، ليصير أول رئيس دولة للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. قبل أن يُسحب البساط، من تحت قدميه، ولا شيء تغير، إلى غاية بداية التسعينيات، حيث تحولت إلى ما يُشبه عاصمة لما اصطلح على تسميته «الجيش الإسلامي للإنقاذ»، وبات الناس هناك يستيقظون، كل صباح، على أخبار المجازر وقطع الرؤوس، وعلى أصوات منبهات الإسعاف، ومشاهد أفراد الجيش، وهم يتوزعون في كل زوايا المدينة.
في هدوء جيجل، وقلق ملامح العابرين في الشارع، وفي معاداتها للمرأة، وفي سطوة الكتاب الديني على كل الأنواع الأخرى من الكتب، أسئلة عن دواعي التكالب على مدينة ـ مقاومات، صارت مدينة بلا تاريخ معاصر.
انتهت العشرية الحمراء، وتوقفت آلة الموت، لكن جيجل لا تزال على حالها، تخفض رأسها. لم يكن الأمر يستدعي أن نتوقف عنده لو تعلق بمدينة أخرى، لكن جيجل لها تاريخ آخر، تاريخ مقاومات. كيف صارت تخجل من ماضيها؟ نساؤها يسرن في الشوارع وهن يخفضن رؤوسهن، كنيسة سان سيمون التي كانت تتوسط المدينة، أزيلت ونابت عنها مساحات فراغ واسعة، ملأها التطرف، وصخب الجماعات المتدينة، صارت جيجل مدينة بلا عشاق، تعادي الحب وتضيق على الشباب، الذين لا سبيل لهم سوى الفرار إلى مدينة بجاية المُجاورة، ليشعروا بقليل من الأمان.
من يزور جيجل للمرة الأولى، يشعر بأنها مدينة عادية، ساحل ومنارة، شوارع واسعة ومحلات ومقاه، ولكن خلف الصورة الخادعة، ينام وحش اسمه التطرف. يتمدد ـ خصوصاً ـ في المكتبات القليلة التي نجدها في قلب المدينة التاريخي، رغم أنها تعرض أحدث الإصدارات الأدبية، لكنها تستثمر في الطلب الكبير على كتب الدين والفتاوى، ما عجل من التضييق على نساء المدينة، اللواتي بالكاد يجدن هامشاً معقولاً من الحرية، في النهار، وليس في الليل، فقبل صلاة المغرب بدقائق، يتحول المشهد إلى ما يُشبه حظر تجوال على النساء، إذا لم يكن هناك محرم يُرافقهن، ومن النادر جدًا أن نصادف في الشارع امرأة تكشف عن شعرها، وإن حدث فهي ـ على الأرجح ـ غريبة عن المدينة. قد يعلق أحدهم أن الأمر ليس يخص جيجل وحدها، فمدن الجزائر كلها تقريباً، عدا بعض الاستثناءات، تُعلن حرباً مضمرة على جسد المرأة، وتمنع عنها الظهور، في الأمكنة العامة بعد الغروب، لكن الأمر يختلف في جيجل، فنحن في مدينة لها تاريخ من المقاومات؛ مقاومة الاحتلال الأجنبي، والعناد في وجه السلطة، في السنوات الأولى من الاستقلال، ونبحث الآن عن أسباب أدت بها للانحياز للصمت، وقبول القوانين التي فُرضت عليها، بأن حولتها إلى مدينة مدجنة، تخاف من رفع صوتها. تخاف من ظلها فريسة للخوف من ضواحيها إلى وسطها، في ساحة الجمهورية، حيث ينتصب تمثال صياد يخيط شباكه في سكينة منذ عقود.
في هدوء جيجل، وقلق ملامح العابرين في الشارع، وفي معاداتها للمرأة، وفي سطوة الكتاب الديني على كل الأنواع الأخرى من الكتب، أسئلة عن دواعي التكالب على مدينة ـ مقاومات، صارت مدينة بلا تاريخ معاصر. المؤسسات الثقافية تبدو ظلالاً، لا سلطة لها، أما الجامعة فتظهر من بعيد، كبرق يعبر السماء، ولا نسمع لها حسيساً. هناك استقالة جماعية، أو ما يُشبه ذلك، لمثقفي المدينة، كما لو أن الجميع ملّ من التجذيف وحيداً، ومن مقاومة المد الأسود، بدون الحديث عن الهجرات المتكررة لمثقفي جيجل، في الثلاثين سنة الماضية، ما يجعل منها مدينة بدون نخبة، مُهملة ثقافياً، أرملة وإن تحركت فهي لا تتحرك سوى في حدود ضيقة جداً.
في محطة المسافرين في جيجل، قابلت شاباً، يبدو في نهاية العشرينيات من العمر، سمعني أتحدث، في الموبايل، مع صديق لي عن رواية لكاتب فرنسي، فانتظر إلى أن أنهيت المكالمة، وسألني، بدون أن يعرفني بنفسه: «هل تقرأ روايات؟». «نعم»، أجبته. «لكن الرواية تدعو إلى الفاحشة»، قال لي. «حدثني عن رواية قرأتها وتدعو إلى الفاحشة؟»، سألته. «لا أقرأ روايات، ولكن الشيخ أخبرنا بذلك». علمت بعدها أنه يدرس في معهد، لتكوين الأئمة. التحق به صديقان له، وتوسع الحوار.
مدينة كانت دائماً محور مقاومة، ومعبراً معرفياً، لأنها مدينة تمثل ثقلاً كوسمبوليتيا، ونقطة تماس بين الأمازيغ والعرب، في موقعها الجغرافي.
ثم سألني أحدهما: «كيف نكتب رواية تُدافع عن الإسلام؟». «هل سبق لك أن قرأت رواية؟»، رددت عليه. «كلا»، أجابني. توسع بعدها الحديث إلى موضوع المساواة في الميراث، وكانت ردة فعلهم عنيفة في رفض ما أقترحته تونس، قبل أسابيع، ثم انتهت الدردشة، باتفاقهم على أن سبب تردي أحول الإسلام اليوم، هو تعاطف الناس مع الطرق الصوفية. هؤلاء الشباب هم أئمة المستقبل، في جيجل، فكيف نتخيل شكل المدينة، بعد سنوات قليلة؟
لأنه لا توجد مقتنيات ثمينة، في متحف جيجل الوحيد، ولا توجد فيه أي منحوتة، فقد جنبنا التاريخ مشاهدة معاول تهوي على رؤوس آثار تاريخية، لكن تلك المعاول غيرت ـ فقط ـ وجهتها، ولم تتوقف عن العمل، في هدم الإنسان الجيجلي، في فصل رأسه عن تاريخه، في تخويفه، وتحويله إلى فزاعة، في النيل من شرف ماضيه، وفي دفعه لمحو ما سبقه إليه الآباء. لكن عملية «المحو» الممنهجة، التي يبدو أن من خطط لها، يمتلك خبرة سابقة في هدم مدن أخرى، لم تبلغ هدفها، وهو «النسيان»، بأن ينسى أبناء تلك المدينة تاريخهم. إن محاولة هدم جيجل ـ ثقافياً ـ التي تكرست منذ عقود، ليست فكرة طارئة، ولا مُفاجئة، لأنها تستهدف إسكات مدينة كانت دائماً محور مقاومة، ومعبراً معرفياً، لأنها مدينة تمثل ثقلاً كوسمبوليتيا، ونقطة تماس بين الأمازيغ والعرب، في موقعها الجغرافي. ولأن المدينة نجت من لهب الاستعمار، فقد وجب أن يجدوا سبباً آخر لإخضاعها، فالجزائر وقعت ولا تزال بين أيدي أنظمة معادية للمعرفة، ووجدوا في التطرف الديني سلاحاً جيداً، كي تلتف جيجل على نفسها، وتتوارى، وتفقد، شيئاً فشيئاً، من خصوصياتها، وتصير أشبه بمدينة أشباح تغطي حيطانها نداءات جمعيات دينية لتلقين دروس في الحجامة والرقية.
إن ما حدث وما يحدث، في جيجل، يتكرر في مدن جزائرية أخرى، في قسنطينة وعنابة وتيارت، وغيرها، حيث أن أي نظام سياسي لا يعنيه التنوع، بقدر ما يُريد السيطرة على شعب مُتشابه الصفات، لذلك فإن هدم مدن المقاومة والمعرفة يسهل من عملية التحكم فيها، وإخضاعها، وهذا ما يحصل ـ تماماً ـ الآن، ولن يصلح تعديله لاحقاً، على الأقل في المستقبل القريب.
٭ كاتب جزائري