كأنه لم يعد لدينا إلا الرثاء، رغم أن الموت على كل العباد ويحدث كل يوم طبيعيا، أو تحت النار التي لا معنى لها، والتي تشمل عالمنا العربي، إلا أن العمل العام يجعلك تعرف، ليس الخبر ولكن أصحابه الذين بموتهم يعيدون أمامك ماضيا جميلا، ولو سألوك لأخبرتهم أنك لم تنسَ كل جميل فابقوا معي.
هكذا فكرت حين عرفت نبأ وفاة شاعر هو محمد أبو دومة، وقاص وروائي وكاتب أيضا هو عبد الوهاب الأسواني، لم أجد غير هذا العنوان. هكذا عرفتهما، عبد الوهاب الأكبر سنا عرفته شخصيا قبل أن التقي بأبي دومة بسنوات. قرأت لهما معا في أواخر الستينيات، رأيت أن اسم محمد أبو دومة لا يأتي ذكره لا بين الستينيين ولا السبعينيين من الشعراء، في ما بعد أدركت أنه سيكون وحده، لكن لن يهمله تاريخ الأدب ولا تاريخ الشعر. كانت أول قصيدة قرأتها له في مجلة «المجلة» التي كان يشرف عليها يحيى حقي وفتنتني وانتظرت أن أقابله يوما في القاهرة لأعلن له إعجابي بشعره. التقينا متأخرين في حفلة في الأوبرا أيام السادات حضرتها جيهان السادات، ألقى قصيدة مدوية أخذه الناس بعدها بالأحضان. لم أكن موجودا لكنني عرفت. وعرف هو أن القصيدة لم تجد ترحابا عند جيهان السادات، هذا ما قيل وليس لديّ يقين، لكنه قيل وانتشر. بعدها اختفى أبو دومة عن المحافل الأدبية، لم يتسبب له أحد بذلك، هذا ما أعرفه لكنه آثر الابتعاد. بعد سنوات طويلة سافرنا معا مرة إلى موسكو عام 1990 وكان هو قد حصل على الدكتوراه من المجر، وصار أستاذا في جامعة المنيا، ولم أسأله لكن في أول ندوة تحدث عن الحياة في مصر، فقال إن خريج الجامعة يحصل على ألفي جنيه شهريا وهذا يعني أكثر من ألف دولار ويستطيع أن يشتري سيارة ويؤجر شقة… ما جعل إحدى الروسيات تبكي على حالهم. صححت أنا المسألة وقلت لهم إن خريج الجامعة يحصل على أربعين جنيها، وقتها طبعا، وهي تساوي ثلاثين دولارا ولا يشتري سيارة ولا يؤجر شقة إلا إذا سافر إلى الخليج الذي صار منذ السبعينيات كعبة المصريين. سألته بعد الندوة لماذا فعلت ذلك، فقال إن هناك من يجلس من السفارة المصرية ولا بد سيكتب تقريرا إلى الأمن في مصر. أدركت الأثر البعيد للإشاعات القديمة، كم كان مرهف الفؤاد يصدق أي أحد.
كأنه لم يعد لدينا إلا الرثاء، رغم أن الموت على كل العباد ويحدث كل يوم طبيعيا، أو تحت النار التي لا معنى لها، والتي تشمل عالمنا العربي، إلا أن العمل العام يجعلك تعرف.
حكيت كثيرا من المواقف في هذه الرحلة في كتابي عن الرحلات «أين تذهب طيور المحيط»، بعد ذلك لم نكن نرى أبو دومة إلا في معرض كتاب القاهرة، فهو في بلده مشغول في الجامعة ينشر شعرا بين وقت وآخر، أو ديوانا، ولا يقيم ندوة ولا يدخل معارك أو يبحث عن وجود يستحقه بين أكبر الشعراء، وترك خلفه دواوين رائعة مثل» المآذن الواقعة على جبال الحزن» و»السفر في أنهار الظمأ» و»الوقوف على حد السكين» و»تباريح أوراد الجوى».
أما عبد الوهاب الأسواني فقد عرفته منذ قرأت قصته في مجلة «المجلة» أيضا، وأدركت قيمة موهبته، ومنذ رأيته عام 1969 حين فزت بالجائزة الأولى في القصة القصيرة من نادي القصة في الإسكندرية، وكانت المسابقة على مستوى الجمهورية. كانت القصة قد نشرت على صفحة كاملة في «أخبار اليوم» ومعها كلمة لمحمود تيمور عنوانها «هذا قصاص موهوب». كان هو قد غادر الإسكندرية حيث أسرته الأسوانية الأصل، إلى القاهرة وقرأ القصة فجاء يتعرف على صاحبها. لم نفترق خاصة بعد أن عشت في القاهرة منذ أواسط السبعينيات. قرأت أعماله وكانت في بساطتها كبيرة، وربما لهذا أبعده كتاب الستينيات عن خندقهم، رغم أن ما يكتبه من أجمل القصص. ورأيته منشغلا عن ذلك بالعمل الصحافي في مجلة «الإذاعة والتلفزيون» وبكتابة السيناريو التلفزيوني وكتب تاريخية عن شخصيات عظيمة للفتيان. من مجموعاته «مملكة المطارحات العائلية» ومن رواياته «سلمي الأسوانية» و»اللسان المر» و»أخبار الدراويش» ومن كتبه للفتيان «خالد بن الوليد» و»عمر بن العاص»، أبو عبيدة الجراح» و»بلال مؤذن الرسول» و»الحسين بن علي». كان تقريبا لا يمر أسبوع من غير أن يزورني في شقة العازب ذلك الوقت في حي دير الملاك، وبعدها في حي حدائق القبة. كنا نخرج نجلس في مقهى أو حديقة يراني يائسا من الأحوال ترق دموعه وتكاد تنزل، وكان حديثه عن التراث الإسلامي حديث العارف والفاهم الكبير، الذي لو تفرد للكتابة الفكرية فيه لدخل خندق أعظم المفكرين، لكنه كان يحب الفن. حتى جاء يوم لا أنساه ونحن في الحديقة الصغيرة في صيف عام 1977 قلت له أنا يا عبد الوهاب عضو في حزب شيوعي سري منذ خمس سنوات، وأريد أن أتركه وأخشى أن يزعل مني الرفاق. سألني لماذا تريد أن تتركه؟ قلت تكالبت على الأيديولوجيا وأكتب قصصا أمزقها، فابتسم ابتسامته التي لا تفارقه وقال «هناك ألف شخص يمكن أن يوزع وينقل المنشورات، لكن ليس هناك ألف موهوب، أخرج». خرجت وبدأت أكتب رواية «المسافات» فوجدت نفسي غارقا في بحر الأساطير، وكدت أرقص وأنا أقرأ ما أكتبه. تزاملنا كثيرا لكن لا أنسي ليلة وجدته ماشيا في حي السيدة زينب يبكي سألته مفزوعا ماذا جرى؟ وأخذته إلى شقة الصديق الروائي المجدد عبده جبير القريبة التي كانت ملاذا لي ولغيري. حكى لي كيف أن نجيب سرور أتي مرة إلى مجلة «الكاتب» التي ينشر فيها فلم يجد المحاسب فدخل إلى مجلة «الإذاعة» التي أمام مجلة «الكاتب» وطلب مني جنيهين. كنت مفزوعا كيف يحتاج نجيب سرور إلى جنيهين. أعطيتهما له. جاء بعد ذلك وتقاضي مكافأته وأعطاهما لي. في الشهر التالي جاء ولم يجد المحاسب فمرّ عليّ واخذ الجنيهين وحين جاء وتقاضي مكافاته أعطاهما لي. ظللنا شهورا نفعل ذلك حتى جاء يوم وقدم لي الجنيهين وكنت أخذتهما من قبل. فكرت لحظة وقلت آخذهم احتفظ بهم عله يأتي مرة فلا يكون معي نقود. وضعتهما في درج المكتب لا أتصرف فيهما. لكنه لم يأتِ. مات.
٭ روائي مصري