شعرية اللون والرائحة في قصيدة أمجد ناصر

شعرية خاصة:
لا بد من القول إنّ شعرية أمجد ناصر، في أعماله المتأخرة خاصة، لا تنتج عن اشتباك العبارة بموضوعها أو ما تعبر عنه، عن طريق المجاز والصلة المراوغة بين طرفيه، مع أن ذلك قد يحدث أحياناً، بل هي شعرية خاصة تمد جذورها، غالباً، في تربتين، روحية ولغوية. إنها اللغة في أدائها الفطن الكثيف العالي، وهي الروح في تاريخها الشخصيِّ الحافل بالألم والمتعة معاً.
وكثيراً ما يواجهنا في هذه الأعمال نفسٌ إيروتيكيٌّ مدوّخ، يرتبط بالرائحة واللون، وينبثق عما يفيض به الجسد في حواره مع النظير، وهما يصنعان معاً لذتهما القصوى وقطافهما المثقل بالبهجة. في قصيدة « الرائحة تذكر» مثلاً، لا شيء في البيت أو اللباس أو الجسد أو الطبيعة أو الكون يفلت من سطوة الرائحة. فهي التي تعيد كل شيء إلى بكارته وشرارته الأولى، وهي التي تذكر:
بأسِرَّةٍ في غرف الضحى
بثيابٍ مخذولة على المشاجب
بأشعةٍ تنكسرعلى العضلات
بهباءٍ يتساقط على المعاجم
بأنفاسٍ تجرب مسال جديدة إلى مرتفع الهواء
بمياهٍ الأصلاب مسفوحةً على الدانتيلا
لا تستوقفنا، في هذه الأبيات، قفزاتٌ في فضاءٍ مجازيٍّ أو لغويٍّ محض، يحفر مجراه في اللغة فيمد يده إلى لفظ يجاوره أو يقع بعيداً عنه، بل تستوقفنا الوشيجة التي تربط بين تفاصيل التجربة بعد أن تنتهي من هياجها الأقصى، وتهدأ مؤقتاً في انتظار يقظتها المؤجلة الى حين. تستوقفنا، بعبارة أخرى، قدرة الرائحة على التهييج والإثارة الطافحة بالشرر.
والرائحة حين تذكرنا بالغرف والأسِرِّة، والثياب، والأشِعَّة والعضلات والأنفاس ونداوة الدانتيلا، فإنها لا تسعى فقط الى إيقاظ ما صار ماضياً من تجارب، ترتبط بالجسد الإنساني في تشكله الأنثوي والذكوري على حد سواء، بل تندفع أبعد من ذلك أيضاً إلى استثارة كوامن الطبيعة، في عرائها الموقظ للغرائز، من رائحة وصلابة وحفيف وهشاشة وامتدادات وسيولة، وإلى إضفاء قوتها وسطوعها القاسيين على نشاط الكائن البشري الرائحة تذكر :
بأمطارٍ على أسطحٍ من طين
بحنطةٍ مركوزةٍ في الحظائر.
الرائحةُ تذكّرُ بالأعشاش

كثيراً ما يواجهنا في هذه الأعمال نفسٌ إيروتيكيٌّ مدوّخ، يرتبط بالرائحة واللون، وينبثق عما يفيض به الجسد في حواره مع النظير، وهما يصنعان معاً لذتهما القصوى وقطافهما المثقل بالبهجة.

هذا ما تذكر به الرائحة. ما تستعيده على مستوى الذاكرة قبل أن يفنى: المطر على سطوح البيوت الطينية، والحنطة المدّخرة في الحظائر، ودفء الأعشاش. الطبيعة، هنا، تشارك الإنسان نشوته الكونية في بهائها السريّ، المفعم بالفرح.
والشيق أن الشاعر يتدرج في مدارج البهجة، من السطوح إلى الحظائر لينتهي إلى الأعشاش. من الأمكنة المفتوحة، حيث المطر والطين، إلى الحنطة المخزونة غلى تضيق الحظائر برائحتها الحارة وغبرتها المدوخة ثم إلى الأعشاش بدلالتها على الاجتماع المخصب والدفء الحميم المحيط بالسلالة. وتلعب الألوان، لاسيما اللون الأبيض منها، دوراً كبيراً، ليس في الوصول بالنشوة إلى منتهاها فقط، بل في الوصول إلى الجسد كله، وهو منبع النشوة الأرقى، كما في قصيدة « تعزيم»، إذ يتصل البياض، حد الاشتباك الوثيق، بما يصدر عن الجسد الأنثوي من أفعال وإيماءات، ويعمق من دلالاتها، ويضفي على الإحساس بها مزيداً من الفتنة والتناغم :
يدكِ الجاهلة على الركبةِ البيضاءِ بيضاءُ
الكاحلُ الذي يلمع في ليل عيني أبيضُ
كتفاك الهشّتان بيضاوان ولوحُ الصدر أبيضَ
يمامتاك الجافلتان بيضاوان
وبينهما برزخٌ أبيضُ
قبتك بيضاءُ وسفحها أبيضُ
حَقْواك الهضيمان أبيضان
دفقٌ من البياض الصريح الودود الاعترافيّ العامر بالوجد والتشهي يتوهج في فضاءات وانحناءات واستدارات ومضائق جسدية ذات ثقل مكاني شديد الغواية، ويفصح عن قدرة كبرى على تجاوز المكان الحسيِّ وبلوغ أقصى مديات المجرَّد أيضاً، فهو يسيل، ويغامر، ويتثنى حتى بين النوايا والأفعال والإيماءات والروائح ليهبها سحنته البيضاء وطاقاته المؤثرة :
وانثناؤكِ أبيضُ
مِشْيتك بيضاءُ ومجالها أبيضُ
قميصكِ المُتَّرَكُ كيفما كان أبيضُ
ورائحتكِ فيه بيضاءُ
لمْسَتكِ طرفَ الوصالِ بيضاءُ
وتنمُّركِ في السريرِ أبيضُ
شهقتكِ البيضاءُ
إنها تفاصيل موقظة للحواس تقود النصّ إلى انفجاره الأخير: انثناءات الجسد، مشية الأنثى، رائحة قميصها الملقى بدون عناية، لمستها لطرف الاشتعال الخطر، شراستها في السرير، ثم شهقتها وهي توغل في الفرح الكوني. هكذا يعلن الجمال، وبجسارة فذة، هيمنته البيضاء على كل شيء، ويبلغ النصَّ اكتماله الدموي البهيج :
ودمي الذي تسـفكين
أبيضُ
أبيضُ

المشترك الجماليّ والإنسانيّ:
ومع أن القصيدة بلغت اكتمالها الأبيض المشوب بدم القلب، فإن شحنتها الدلالية ودوافع القول فيها لم تكتمل تماماً بعد، كما يتراءى لي. فحياة النصِّ الحقيقيِّ لا تنتهي كلّيةً بنهايته، بل تبدأ في أحيانٍ كثيرةٍ مع هذه النهاية. النصوص الحية هي التي تذكرني بسواها، لا بمعنى التأثّر المألوف أو السطحيّ، لكن بالمعنى المعافى، الذي يتجاوز أحياناً التلاقح اللفظيّ بينه وبين سواه. ليذكّر بتناصٍّ آخر، هو تناص اللحظة الإبداعية. لحظة الكتابة، أو التناصّ النفسيّ كما أسميته في مكانٍ آخر. وهو الذي يمور في الأعماق القصية للنصوص، وفي مياهها الجوفية الهادرة بالحياة. لا على سطوحها اللفظية سهلة التناول.
لقصيدة أمجد ناصرهذه حياة أخرى تبدأ العمل بعد نهاية النصّ. لا يستطيع أيٌّ منا تجاهل نداءات القصيدة، فنداءاتها تأتينا بكثافة لتذكرنا بمشترك نفسي وشعري وإنساني مع نصوص أخرى. إن البياض، في قصيدة «تعزيم»، الشغوف بالحياة واللذة يحيلنا إلى بياضٍ آخرَ، نقيضٍ، أو مضادٍّ ، كما في في المقطع الأول من قصيدة «ضدّ من» للشاعر أمل دنقل:
في غرف العملياتِ
كان نقابُ الأطبّاء أبيض،
لون المعاطف أبيض،
تاجُ الحكيمات أبيض، أردية الراهبات،
الملاءاتُ، لون ُالأسرَّة، أربطةُ الشاش والقطنُ ،
قرصُ المنوم، أنبوبةُ المصل، كوبُ اللبنْ
كل هذا يشيعُ بقلبي الوهنْ .
كل هذا البياض يذكِّرُني بالكفنْ !
غير أن المثير واللافت أن العلاقة بين القصيدتين لا تقوم على التعضيد تماماً، بل على التضاد الخصب والبعيد عن السطح. كلتا القصيدتين تحتفيان بالحياة والموت، بعمق وتعارض آسرين. ومن خلال الجسد الفاني والجسد المنتشي، من خلال الإقبال على الحياة بضراوة فائقة أو التخلي عنها بخذلان كامل، ومن خلال التضادّ الموحي في دلالة البياض على النشوة أو على الموت. فإن كل قصيدة منهما تذكر بالأخرى باعتبارها نقيضاَ دلالياً.

في قصيدة أمجد ناصر تجسد الغرفة، أيضاً، الفضاء المكانيّ وملتقى أفعال النصّ وحركاته وإيحاءاته. غير أن القصيدة، على عكس قصيدة دنقل، تصعيدٌ أخاذٌ للفرح الإنسانيّ، واحتفالٌ جسديٌّ بالحياة، وتجلياتها الإيروتيكية والنفسية.

قصيدة أمل دنقل عن الموت، مرموزاً إليه باللون الأبيض، ومشوباً بشيء من التشبث الواهن بالحياة، لجسد يتفكك ويذوي. يتوزع البياض، في القصيدة، على تفاصيل ماديّةٍ وأشياء حسية، في غرفة العمليات، حاملاً معه دلالته على الغياب والتلاشي. البياض يتلبس المكان وتفاصيله وما فيه. غير أن المكان مفرغ تماماً من أي حضور إنساني داخلي، إلاّ أشياؤه ومتعلقاته ولوازم مهنته، إلاّ ما يرتديه أو يتعامل به. موت أبيض يغمر المكان كله ويقصي الإنسان خارج الفعل الشعري والدلالي. ولا يحضر الإنسان إلاّ في البيتين الأخيرين من المقطع، وهو حضورٌ ناقصٌ، وموشكٌ على الهلاك:
كل هذا يشيع بقلبي الوهنْ .
كل هذا البياض يذكّرني بالكفنْ
وفي قصيدة أمجد ناصر تجسد الغرفة، أيضاً، الفضاء المكانيّ وملتقى أفعال النصّ وحركاته وإيحاءاته. غير أن القصيدة، على عكس قصيدة دنقل، تصعيدٌ أخاذٌ للفرح الإنسانيّ، واحتفالٌ جسديٌّ بالحياة، وتجلياتها الإيروتيكية والنفسية، حيث يحضر جسد الأنثى بشكل فائق للعادة. ومن خلال البياض الذي يغمر كل التفاصيل، حسّيّة كانت أو مجردة، تصلُ أشياءُ المكان ومتعلقاتُهُ وأفعالُ الجسد وتشهِّيّاتهُ، ذروتها الحسية في لحظة افتراسٍ للحياة والذوبان فيها حدَّ الفناء.
وهكذا يبلغ الشاعران، ومن خلال محنة الجسد أو مباهجه وكثافة البياض ودلالته، ذروة الحياة والموت معا. الجسد، لدى أمجد ناصر، بياض يتفجر بالحياة وملذاتها الهوجاء. أما الجسد، عند أمل دنقل، فيقع في السفح الآخر منها. جسدٌ محفوفٌ ببياضٍ غزيرٍ يغمر كلّ شيء. لكنه بياضٌ منطفئ لا يذكِّر الشاعرَ إلاّ بغروبه الأخير .

٭ شاعر وكاتب من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية