يشهد انتفاضة في فنونه ونهضة في مدارسه الخط العربي .. كلمات تنطق بالحكمة

حجم الخط
0

هناك كلمات معسولة تطرب الآذان، أنفس من الجواهر، وأغلى من الذهب، سطرها أجدادنا على جدران العمائر القديمة ونقشوها على المجلدات فزكت الأرواح وطهرت النفوس، فكم من كلمات خطتها أقلام المبدعين نطقت بالحكمة فهذبت مشاعر وأحاسيس البشر.
الخط العربي هو فن تصميم الكتابة، وهو ذو تاريخ عريق انتشر مع انتشار الإسلام، وبلغ مرتبة لا تضاهى وصار يحتل مكانة هامة بين الفنون الإسلامية، وتنوع الخطوط العربية وتعدد أشكالها منحها خصائص جمالية تمتاز بالرقة والجمال، ومنذ أربعة عشر قرنا ظهر أربعة عشر نوعا من الخط العربي تتمتع بالمرونة والطواعية والقابلية للمد والاستدارة والتشابك والتداخل برقة وانسيابية، وأصبح فــن الخط العربي من أرقى الفنون، يدل على سمو الذوق والمشاعر. كان الولاة والأمراء يدفعون الهبات الطائلة للخطاطين المهرة ليدونوا آيات القرآن الكريم، وتتميز الحروف العربية بأنها متصلة مما يجعلها قابلة لاكتساب أشكال هندسية مختلفة، وتقترن بالزخارف وبالأشكال المتشابكة ذات الزوايا والاستدارات. واستخدم الخطاطون ماء الذهب في الكتابة، وقد استخدم الخط العربي لنسخ القرآن الكريم، ولزخرفة جدران المساجد والمدارس والأسبلة والقصور والكتب والمخطوطات. ومع الوقت تطور الخط العربي، وسميت الخطوط بأسماء المدن، فسمي الخط بالفارسي والكوفي والحجازي، كما أطلق على عدد من الخطوط أسماء الخطاطين المبدعين مثل الخط الياقوتي والغزلاني والرياسي، وأطلق على عدد آخر من الخطوط نسبة مقادير الخط مثل الخط الثلث والنصف، كما سميت بعض الخطوط نسبة إلى الأداة التي تسطرها مثل الخط الغباري.
ويوجد الكثير من الأنماط في الخط العربي، فهناك الخطوط الجافة ذات الحروف المستقيمة، والزوايا الحادة مثل الخط الكوفي، وهناك الخطوط اللينة المستديرة مثل خط النسخ والخط المـدنــي. ويعتبر خط الثُلث من أروع الخطوط منظرا وجمالاً ويتميز بالمرونة، ويستخدم هذا النوع في كتابة المصاحف، ومن أجمل الخطوط أيضا الخط الفارسي الذي تتميز حروفه بالدقة والامتداد، ويمتاز بسهولته ووضوحه فيظهر إبداع الحروف، أما الخط الكوفي فيتسم بتنسيق وتنظيم الحروف، وله عدة أنواع: فهناك الكوفي المزهر وفيه تزدان الحروف المزخرفة بورق الشجر وهناك الكوفي العباسي الذي تظهر فيه المدات بشكل واضح ويستخدم الخط الديواني في الدواوين الملكية فقط، أما خط النسخ فكان يتسم بسهولة كتابته مع إيضاح الحروف وإظهار جمالها، وهناك خط الرقعة الذي يتسم بسهولة تدوينه.
خلال السنوات القليلة الماضية، وبسبب تطور فن تصميم الحروف العربية لأجهزة الكمبيوتر وبرامج التصميم، بدا أن الخط العربي، هذا الفن التقليدي البديع، وقع في أسر التكنولوجيا.
ولكن المتابعة عن كثب، تتكشف اليوم عن انتفاضة في مجال ممارسة هذا الفن وفق أصوله وأدواته التقليدية. بدليل ازدياد عدد الذين يمارسون هذا الفن، وأيضاً رفعة مستوى أعمالهم، وإقبال الناس عليها بشكل غير مسبوق مؤخرا. وهذا ما بدا واضحاً خلال العشر سنوات الماضية التي شكلت نهضة حقيقية لهذا الفن بين الشباب، الذي سرعان ما يقع في حب الخط العربي عند اكتشافه، فينجذب إليه بكل قواه، فيقوده شغفه هذا إلى فهم أعمق لمكنونات هــذا الفن البديع، من أبرزهم الفنان بلال مختار الذي استطاع أن يؤكد وجوده بين عمالقة فن الخط العربي في السنوات الأخيرة حاصدا عددا من الجوائز الدولية التي تعد ثمرة جهده لسنوات طوال استطاع من خلالها التأكيد على أن فن الخط العربي يعد واحدا من الفنون التي نصل فيها إلى مجموعة من المهيمنات، كونه يتحكم برسالة تقدم إلى المتلقي، دون وضع مؤشرات تعمل على نحو منعزل عن غيرها وإنما هناك عامل مهم يشتغل بآلية متفاعلة تشكل انساق منتظمة وتؤكد في نفس الوقت بلاغا فكريا معينا يصل به الفنان / الخطاط إلى خطاب تلقائي، تواصلي يكون محملا بالمفاهيم السائدة (البـــيئة، المعــــتقد، الشعائر، الفعاليات) وكلها رسائل وصفها الخطاط المتميز بلال مختار ـ في لوحاته الفنية في رؤية تكشف بنية أفكاره واستمراره ببسط نفوذه بما له من ملكات تصل به إلى حــد الموهــبـة في التعامل الفلسفي مع الحروف العربية، وانعكاسات الطبيعة والتاريخ والتراث على الأفكار واعتماده على تشكيلات فنية بسيطة وتلقائية كانت عاملا مساعدا في الإفصاح عما يدور في ذهنه.
تدفعنا أحيانا مع أحاسيسنا وتذوقنا للوحاته إلى اختلاق عالم وهمي نقيمه من خيالنا لنضع في إطاره ومقوماته ذلك اللون من الإبداعات التي نرمقها وينتهي بنا الأمر أن نعيش في أوهام ممتعة في تناسقها!

أولى هذه اللوحات :

«شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ»(البقرة:185)

كتبت الآية الكريمة بخط الثلث الجلي تعظيما لشأنها على شكل كمثرى مع مراعاة التسلسل القرائي، وتم توزيع كلماتها بشكل مدروس ووضعت كلمة القرآن في أعلى التركيب لعلو شأنه ورفعة منزلته وإبراز مدى أهميته، وتعلقه بشهر رمضان الكريم، كما جاءت ألف القرآن تتوسط كلمة أنزل في شكل متواز لثلاثة ألفات تتوسط العمل الفني من أعلى اللوحة نزولا إلى الأسفل كدلالة رمزية على نزول القرآن الكريم من السماوات العلا، فضلا عن التماثل في شكل حرف الراء وتتابعها أسفل بعضها في منتصف العمل لكلمات (القرآن، أنزل، رمضان) تأكيدًا على مضمون العمل وهو نزول القرآن الكريم في شهر رمضان المعظم.

«يـارب ستـرك»

كتبت هذه العبارة «يارب سترك» بخط الثلث الجلي تأكيدا على أهمية الدعاء لدى الإنسان، فالدعاء هو العبادة، وقد جاءت ياء النداء ممتدة إلى أعلى اللوحة محفوفة بالرجاء لله سبحانه وتعالى بأن يسدل الستر على صاحب الدعاء كأنها يد مرفوعة إلى السماء تنتظر الاستجابة من الله سبحانه وتعالى القائل في كتابه العزيز «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(غافر: 60)، واستُخدِم شكل الكاف الزنادي هنا لستر الفراغ في التركيب توافقا مع مضمون النص، فضلا عن التوازن الناتج عن مقابلة حرف الياء في كلمة «يارب» مع الباء في نفس الكلمة يتوسطهم حرف الألف.

«إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» (حديث شريف)

كتبت كلمات هذا الحديث الشريف بخط الثلث الجلي، وتم توظيف تركيب الحروف والألوان لخدمة المعنى، حيث عبر عن مدلول الإيمان الذي يشير إلى المدينة بالحبر الأخضر على شكل قبة المسجد النبوي الخضراء بالمدينة المنورة، وجاء لفظ الحية بالحبر الأحمر مع حسن التصرف في حرف التاء المربوطة وإعطائه ليونة زائدة دون إخلال بالقواعد الجمالية للحرف والخروج به من التركيب تجاه كلمة جحرها والتي اتخـــذت في هيـــئتها شكل بناء مستقل باللون الأسود، تشبيها بحركة الحية التي تسعى للعودة إلى جحرها، وهي صورة بلاغية رائعة تشير إلى عودة الإيمان إلى دياره في المدينة كما بدأ، وجاءت الزخرفة بألوانها المنسجمة مع ألوان الأحبار المستخدمة في اللوحة لتضفي عليها جمالا كجمال طيبة الطيبة.

«وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل لِتَعَارَفُوا» (الحجرات: 13)

كتبت هذه اللوحة بخط الثلث الجلي وتم توظيف شكل الجيم المجموع والعين المجموع في الكلمات (جعلناكم، شعوبا، لتعارفوا) ليخدم التكوين البيضاوي والذي أتخذ من أشكال هذه الحروف بناء له يرتكز عليه في تنسيق رائع وتوزيع متوازن بين الكتلة والفراغ، وجاء ترابط الحروف وتداخلها ببعض كحال الشعوب والقبائل في انصهارها وتفاعلها لتحقيق رسالة سامية ألا وهي التعارف فيما بينهم لتبادل الثقافات وبناء الحضارات، وجاءت الكشيدة في مقطع (با) من كلمة «شعوبا» إشارة إلى اتساع مفهوم «شعوبا» ليشمل عددا كبيرا من الناس ينتمون لأصل واحد، وجاءت كلمة القبائل مفرقة على ثلاثة أجزاء تبتعد نسبيا إشارة إلى معنى قبائل وهي عبارة عن الأجزاء التي تتجزأ إليها الشعوب، في حين أن كلمة لتعارفوا جاءت متلاحمة مع بعضها لتقوية أواصر المحبة بين الشعوب والقبائل. وقد حصلت هذه اللوحة على جائزة مركزية لفئة التيار الأصيل في مسابقة ملتقى الشارقة الدولي لفن الخط العربي لعام 2014 .

ولا شك أن صور اللوحات الخطية التي فوق راحة اليد الآن ـ تأتي لإثارة الوعي أو قل (عودة الوعي) بتراث فن الخط العربي، وفي سياق ثقافي يتسم بفراغ في مجال الكتابات المهمومة بفن الخط العربي، بحيث بدت الحاجة إلى سـد هذا الفراغ ماسة. ذلك أن امتداده ينذر بخطر مؤكد يحدق بهذا الفن في ماضيه ومستقبله يزداد الأمر وطأة عندما نتبين أن هذا الوضع يقابله في الثقافة الغربية اهتمام واسع باعتبار هذا النوع من الفن جزءاً محورياً من هوية الأمة وثقافة أفرادها. وإنا إذ نقدم للقارئ هذه السطور عن الخط العربي فإنا نستند إلى هذا الزخم من الإرادة والاعتزاز بثقافة الخط العربي وإحساس بالنخوة إزاءه، وإقدام على الحفاظ عليه، ويتواتر مع خدمة هذا الفن الزاخر، احتكاما إلى جذورنا الضاربة في أعماق تاريخ الخط العربي بكل تجلياته الثقافية والإنسانية. الأمر الذي جعلنا نتساءل : أين يوجد أرشيف فن الخط العربي على الخريطة العربية؟

د. عمرو عبد العزيز منير

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية