في افتتاحية بعنوان «إسرائيل والعالم»، تناولت عواقب العدوان الراهن على غزّة، لجهة تحوّلات الرأي العام العالمي عموماً، وفي أوروبا وأمريكا خاصة؛ توصلت أسبوعية الـ»إيكونوميست» البريطانية إلى هذه الخلاصة: لم يعد النفور من إسرائيل يقتصر على الاحتجاج والغضب والسخط والتعاطف مع الضحايا، وثمة تبدّل عميق في الموقف الشعبي، يبلغ درجة «نزع الشرعية»، أي النظر إلى إسرائيل كدولة متوحشة لا تنتمي إلى المجتمع الدولي المتمدن.
الـ»إيكونوميست» تستحضر، أيضاً، استطلاع رأي في أوساط الشباب الأوروبي والأمريكي تحديداً، تمّ جمع معطياته قبل العدوان الإسرائيلي الراهن، يفيد بأنّ الموقف السلبي من إسرائيل آخذ في الازدياد بمعدّلات عالية، وأنّ أكثر الآراء تعاطفاً معها كانت كذلك تخشى على صورتها المألوفة من تشوهات جذرية تقلبها إلى دولة عسكرية منفلتة من كلّ عقال وقانون دولي. ولافت تماماً، في هذا السياق، أنّ صورة إسرائيل في الخمسينيات والستينيات، تلك التي تلتقطها كـ»واحة ديمقراطية» في صحارى الاستبداد العربي، حيث «الكيبوتز» هو نموذج «العمل» و»التقدّم» و»التعايش الحرّ» و»التحضّر» و»العلمانية»؛ قد اضمحلت تماماً، أو تكاد، وحلّ محلّها نموذج المستوطنة المشيّدة على أرض محتلة، والمدرسة التوراتية، والجمعيات والمؤسسات الدينية المتشددة حتى ضدّ الحرّيات الشخصية للإسرائيليين غير المتدينين أنفسهم.
وفي بيانات الاستنكار المختلفة، التي صدرت عن شخصيات عالمية في ميادين شتى، من المفكر الأمريكي نوام شومسكي إلى القسّ الجنوب ـ أفريقي دزموند توتو، مروراً بالممثلة الإسبانية بنيلوبي كروز؛ ثمة تشديد على النزوعات الهمجية التي تجنح إليها إسرائيل في استخدام الآلة العسكرية، أوّلاً؛ وفي البطش بالمدنيين والمنشآت العامة، على نحو عشوائي مطلق، ثانياً. أكثر من ذلك، وقّع شومسكي ـ صحبة جون بيلجر، كين لوش، بريان إينو، جيريمي هاردي، و45 ألف مواطن ـ عريضة على الإنترنت قُدّمت إلى توني هول، المدير العام للـbbc، تستنكر انحياز المحطة الفاضح إلى الجانب الإسرائيلي في تغطية العدوان.
في المقابل، كان يكفي أن يقع جندي إسرائيلي واحد في الأسر (وليس «الخطف» في الواقع، لأنه أتى إلى القطاع غازياً ومحتلاً أوّلاً)، حتى ينتفض «المجتمع الدولي»، من الرئيس الأمريكي باراك أوباما، إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، فضلاً عن عشرات الساسة في أوروبا والولايات المتحدة، دفاعاً عن سلامته وراحته! والحال أنّ العدوان الإسرائيلي الراهن مثال جديد على العديد من الأمثولات العتيقة المكرورة التي تصنع تاريخ هذا المسمّى الركيك، «المجتمع الدولي»، وقرينه «النظام الدولي»، وتنتج وتعيد إنتاج أخلاقياته ومعاييره وخطاباته وعلاماته.
ويكفي الآمل خيراً في هذا «المجتمع» وذاك «النظام» أن يستعرض الجدالات الطويلة المضنية (أين منها سفسطة البيزنطيين!) الذي شهدته أروقة مجلس الأمن الدولي، والمشاورات الثنائية أو الثلاثية أو الرباعية، حول مسمّيات غائمة تخصّ وقف إطلاق النار، أو إدانة مجازر الشجاعية والشعف والزيتون والشاطىء. وفي الآن ذاته، والجدالات حامية الوطيس، كان الوحش الإسرائيلي يواصل الإجهاز على المزيد من الأبرياء، فيقتل عشوائياً، ولا يُبقي حجراً على حجر، ويضرب ويقصف وينسف ويدمّر، شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً… وهكذا فإنّ مصيبة هذين المصطلحين لا تقتصر على ارتدادهما إلى سلوك سابق مكرور، أثبتت الوقائع إفلاسه وعواقبه الوخيمة، فحسب؛ بل كذلك في أنّ الارتداد ينطوي على الانحطاط أكثر فأكثر، نحو عواقب أشدّ أذى وأبعد أثراً.
ويبقى أنّ أحد النماذج الدراماتيكة على تحوّلات الرأي العام الأوروبي تجاه إسرائيل، تلك التغريدة التي كتبها النائب ديفيد ورد، عن حزب «الديمقراطيين الأحرار» في البرلمان البريطاني: «إن كنتُ أعيش في غزة، هل كنت سأطلق الصواريخ على إسرائيل؟ على الأغلب كنت سأفعل ذلك!».
صبحي حديدي