الامم المتحدة – «القدس العربي»: يكاد عدد السكان في كوسوفو يعادل بالضبط صنوه في غزة بينما تبلغ مساحة كوسوفو عشرة أضعاف غزة. كوسوفو كان جزءا من مملكة صربيا منذ القرن الرابع عشر. ومع سيطرة الدولة العثمانية على منطقة البلقان، إنتشر الدين الإسلامي بين الشعوب المسيطر عليها بينما إختار بعضهم التحول إلى الإسلام. كما هاجر إلى المناطق الجديدة أتراك ومسلمون آخرون فأصبحت غالبية منطقة ألبانيا من المسلمين. كوسوفو جزء أصيل من المملكة الصربية ومقر كنيستها الأولى. ولا يختلف السكان المسلمون عن إخوتهم وجيرانهم وأبناء بلدهم الصرب إلا من حيث العقيدة. فالصرب لم يأتوا من الخارج ولم يحتلوا كوسوفو ولم يستعمروه ولم يهجروا سكانه منه وبقيت الأمور هادئة ومستقرة خاصة خلال سنوات حكم جوزف بروز تيتو الطويلة والذي إستطاع بحنكته ومواقفه المستقلة عن المعسكرين الشرقي والغربي أن يحافظ على فضاء خاص بيوغسلافيا إستطاعت فيه أن تتطور وتنمو وتتقدم إقتصاديا حيث إستفادت من هذا التطور وهذه المكانة المستقلة كل الجمهوريات الست التي تكون يوغسلافيا: صربيا وسلوفينيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا ومونتتيغرو(الجبل الأسود). أما إقليم كوسوفو فلم يكن يوما جمهورية مستقلة بل جزءا من صربيا رغم أغلبيته الإسلامية ولغته الأبانية.
تسلم سلوبودان ميلوسوفيتش الرئاسة عام 1991 ولم يمض وقت طويل حتى بدأت جمهورية يوغسلافيا تتفكك بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي. كان ميلوسوفيش مصمما على منع تفكك الجمهورية ولو بالقوة. لكن الموقف الدولي عامة والموقف الأوروبي خاصة كان أقوى من مقاومة ميلوسوفيتش. إعترفت أوروبا أولا باستقلال سلوفينيا ثم مقدونيا فكرواتيا ثم البوسنة والهرسك . شدد ميلوسوفيتش قبضته على كوسوفو. وكان قد ألغي عام 1989 الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به الإقليم وبدأ يعامل بطريقة قاسية وعنصرية كي يتم منع تمرد الغالبية المسلمة والمنتمية لأصول ألبانية. كانت قيادات الصرب في بلغراد تريد أن تمنع إنشقاق كوسوفو عن يوغسلافيا بأي ثمن.
أجرى الإقليم إستفتاء عاما في تموز/يوليو عام 1990 حول الاستقلال ثم أعلنوا العصيان المدني مستغلين الورطة الكبرى الذي تعيشها يوغسلافيا حيث بدأت الجمهوريات تعلن إستقلالها الواحدة تلو الأخرى. بدأ ألبان كوسوفو مقاومة سلمية بقيادة إبراهيم روغوفا الذي إنتخب عام 1992 قائدا للإقليم. إستمرت المقاومة السلمية نحو ست سنين لكنها لم تنتج شيئا فاضطر روغوفا أن يشكل جيش تحرير كوسوفو والذي لقي دعما خارجيا. بدأ جيش تحرير كوسوفو يشتبك مع القوات الصربية منذ عام 1995 وتصاعدت عملياته العسكرية وخاصة عام 1998 وبعد أن تفككت يوغسلافيا ولم يبق مع صربيا إلا الجبل الأسود. بدأت القوات الصربية تستعمل اليد الحديدية وترتكب المجازر ضد السكان المحليين. ونستطيع أن نقول إن حربا حقيقية بدأت ضد جيش تحرير كوسوفو وضد مؤيديه منذ شباط/فبراير1988.
رد فعل المجتمع الدولي على المذابح في كوسوفو
كان الوفدان الروسي والصيني ضد أي تدخل خارجي في الصراع في كوسوفو ويعتبران ما يجري هناك مسألة داخلية تحل بالحوار بين مكونات الدولة اليوغسلافية. كان البلدان يخشيان من إنطباق سيناريو كوسوفو على وضع التبت في الصين والشيشان في الاتحاد الروسي. ولذلك منعا أي تدخل من خلال مجلس الأمن. لكن إكتشاف مذبحة طالت 45 مزارعا ألبانيا في كوسوفو بتاريخ 15 كانون الثاني/يناير 1999 خلقت ظروفا موضوعية إستغلها حلف الناتو ليبدأ التدخل عسكريا في كوسوفو دون تفويض من الأمم المتحدة في 11 آذار/مارس 1999. تم تهجير سكان كوسوفو بالكامل إلى ألبانيا وبقية الدول المجاورة أثناء عمليات الناتو العسكرية ضد الجيش الصربي. واستمرت عمليات الناتو لغاية 24 حزيران /يونيو 1999 حيث إنسحبت القوات الصربية. ووضع الإقليم تحت إدارة الأمم المتحدة بموافقة روسية صينية. أعيد السكان إلى ديارهم. وكلف الفنــلندي مارتي إحتساري من الأمم المتحدة بوضع تصور كامل لمستقبل كوسوفو. وجاء تقريره باقتراح منح إقليم كوسوفو الإستقلال الكامل.
قام الإقليم بتشجيع من الدول الغربية بإعلان الاستقلال الكامل بتاريخ 17 شباط/فبراير 2008. وقد بلغ عدد الدول التي تعترف بكوسوفو كدولة مستقلة 108 دول. لكن روسيا ما زالت تهدد باستخدام الفيتو فيما لو عرض إستقلال الإقليم على مجلس الأمن.
من ناحية قانونية غزة أرض فلسطينية محتلة ينطبق عليها القراران 242 (1967) و 338 (1973) واللذان يطالبان إسرائيل بالانسحاب. فالوجود الإسرائيلي في غزة أصلا غير شرعي. وغزة لم تكن جزءا من إسرائيل ولا يسكنها إسرائيلي واحد وينطبق عليها ما ينطبق على كافة الأراضي المحتلة والتي أقرت محكمة العدل الدولية بأنها أراض محتلة والاحتلال غير شرعي والشعب الفلسطيني يشكل شعبا يتمتع بحق تقرير المصير.
بعد قرار إسرائيل الانسحاب الأحادي الجانب من غزة عام 2005 تم الاتفاق على تسليم المعبر الوحيد مع مصر للسلطة الفلسطينية بإشراف أوروبي وأعطى الاتفاق إسرائيل حق مراقبة كل من يدخل إلى القطاع أو يخرج منه. في شهر حزيران/يونيو 2006 فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية في فلسطين المحتلة وأوكل إليها الرئيس الفلسطيني محمود عباس تشكيل الحكومة. كان رد فعل إسرائيل والولايات المتحدة وإلى حد كبير الأمم المتحدة يقوم على عدم الاعتراف بالحكومة المنتخبة وفرضت إسرائيل حصارا شاملا على الحكومة الجديدة وخاصة بعد قيام حركة حماس بخطف جندي إسرائيلي (جلعاد شاليط) أثناء عملية عسكرية في حزيران/يونيو. شنت إسرائيل عملية إنتقامية ضد القطاع فيما سمي مذبحة بيت حانون والتي وثقها تقرير دولي وضعه الأب ديزموند توتو من جنوب أفريقيا وقال فيه إن بعض الجرائم ترتقي لمستوى جرائم حرب. لكن التقرير وضع في إحدى رفوف المبنى الدولي دون أن يتحرك أحد لتنفيذ ما جاء به من توصيات.
وضع قطاع غزة تحت حصار شامل برا وبحرا وجوا بعد سيطرة حركة حماس على القطاع وطرد جماعات محمد دحلان الذي كان قد وضع خطة محكمة بتأييد أمريكي إسرائيلي للتخلص النهائي من حركة حماس في القطاع. لكن فشل دحلان وسيطرة حماس على القطاع أدى إلى إنقسام سياسي وجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، مما أعطى نوعا من الغطاء لإسرائيل لتمارس كافة أنواع الجرائم في القطاع من إغتيال وخروقات وتوغلات واستخدام مفرط للقوة وصولا إلى شن العمليات العسكرية الكبرى التي بلغت لحد الآن ثلاث:
– عملية الرصاص المصبوب 27 كانون الأول/ديسمبر 2008 ولغاية 18 كانون الثاني/يناير 2009 وقد صدر قرار مجلس الأمن 1860 والذي يدعو إلى وقف العمليات وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة ورفع الحصار وفتح المعابر. كما شكل مجلس حقوق الإنسان لجنة تحقيق برئاسة القاضي غولدستون والذي أقر بارتكاب إسرائيل جرائم حرب. قامت الدنيا ولم تقعد على التقرير لكنه أيضا طوي ووضع على الرف مثله مثل قرار مجلس الأمن المذكور. وقد سقط في العملية أكثر من 1400 مدني إضافة إلى عمليات الهدم والتدمير المتعمدة للبنى التحتية.
– عملية عامود السحاب التي استمرت ثمانية أيام من 14 إلى 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2012 والنتهت بتوقيع اتفاقية التهدئة التي رعتها مصر والتي أقرت بنفس المبادئ التي ذكرها قرار مجلس الأمن 1860 حول رفع الحصار وفتح المعابر. وقد سقط من المدنيين ما يزيد عن 1000 بين قتيل وجريح.
– عملية الجرف الصامد التي بدأت يوم 7 تموز/يوليو الماضي وما زالت مستمرة وقد إستهدفت المدنيين أصلا من نساء وأطفال ومسنين وعائلات بكاملها. رافق ذلك إغلاق معبر رفح أمام المدنيين ولم يفتح إلا لمرور بعض الجرحى والأجانب. فبينما لم يقتل من الإسرائيليين إلا ثلاثة مدنيين قتل أكثر من 1600 مدني (حتى كتابة المقال) وسقط أكثر من ثمانية آلاف جريح.
مقارنة ردود الفعل بين كوسوفو وغزة
مع أن كوسوفو جزء أصيل من مملكة صربيا لقرون طويلة إلا أن أوروبا الغربية والولايات المتحدة بعد تفكيك يوغسلافيا وإعادتها إلى مكوناتها الأصلية عملوا على سلخ كوسوفو من صربيا بحجة إرتكاب قوات ميلوسوفيتش مذابح ضد المدنيين. واستدعوا قوات الناتو لهزيمة الجيش الصربي دون موافقة من مجلس الأمن. وفتحوا كافة الحدود للمدنيين الألبان الفارين من كوسوفو وبمجرد انتهاء الحرب أعيدوا جميعا إلى ديارهم. وقد قامت الأمم المتحدة بإدارة الإقليم إلى أن أصبح مؤهلا لإعلان الاستقلال عام 2008.
أما غزة المحاصرة المجوعة والتي لا تعتبر جزءا من إسرائيل وبموجب القانون الدولي هي أراض محتلة ويتعرض فيها المدنيون لمجازر متواصلة فلا تحرك لدى أوروبا الغربية والولايات المتحدة أي شعور بالدعوة لوقف المجازر وغاية ما يقوم به مجلس الأمن إصدار بيانات تساوي بين الضحية والجلاد بحجة إطلاق المقذوفات البدائية التي لم تقتل أحدا منذ عام 2000. وتقوم مصر بإغلاق المعبر الوحيد وهو إجراء مخالف للقانون الدولي حيث تنص اتفاقية اللاجئين لعام 1951 والتي أنشئت بموجبها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين أن من حق الشخص الذي يشعر بالخوف أثناء الصراعات المسلحة أن يجتاز حدود الدولة المجاورة مؤقتا لغاية انتهاء سبب الخوف وتقوم المفوضية بتأمين الحماية له أثناء فترة اللجوء.
كل هذه الدماء التي تسيل وأشلاء الأطفال الممزقة وصرخات الآلف من النساء وتدمير البيوت على ساكنيها لا تحرك مجلس الأمن ليصدر قرارا يطالب بوقف العدوان. بينما تحـرك الأمين العام وبسرعة ليدين عملية إختطاف جندي ويطالب بإطلاق سراحه فورا. أما قطاع غزة المحتل منذ 47 عاما وأما 1.8 مليون من الغزيين والمختطفين من قبل إسرائيل كل هذه السنين ويخضعون لأقسى أنواع الحصار في التاريخ فلا يعني الدول الأوروبية والولايات المتحدة التي ما فتئت تحاضرنا عن حقوق الإنسان وسيادة القانون.
المسألة المهمة في هذا الموقف المخجل والذي يشكل سابقة خطيرة في إزدواجية المعايير أنه يستند إلى موقف شبيه بل أكثر وقاحة ورعونة من دول عربية إصطفت إلى جانب إسرائيل داعمة ومؤيدة ومشاركة مما ساعد الكثير من الدول الغربية في التغطي بمواقف هذه الدول ولسان حالها يقول :»ولماذا أكون ملكيا أكثر من الملك وكاثوليكيا أكثر من البابا؟ فإذا كانت هذه مواقف إخوتهم في الدم والعقيدة والجغرافيا والتاريخ فهل ألام على موقفي هذا؟» نحمد الله أن هذه المقارنة لم تقنع كثيرا من دول أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا ووجد في هذا العالم من يدين مذابح المدنيين دون الالتفات إلى أديانهم وجنسياتهم وألوانهم.
عبد الحميد صيام