يلاحظ أيّ مراقب للنتاجات التلفزيونية في الغرب الإنغلوفوني على جانبي الأطلسي – وهي بضاعة تشكّل ثقافة العالم أكثر من أيّة إنتاجات لمجموعات لغويّة أخرى – أن هنالك ثمة توجه متزايد لإعادة إحياء مسلسلات تقوم سرديتها على قصص دمويّة سوداويّة تتراقص ثملى على الحدود الرّماديّة بين الحياة والموت، والعلم والإيمان، والخير والشر، والثراء والفقر، والنبل والخسّة فتتداخل حال شخصياتها بين تلك النقائض الكثيرة حتى لا يكاد المشاهد يأخذ موقفاً محدداً من إحدى الشخصيات إلا لينقلب عليه في حلقات لاحقة. هناك الآن مثلاً موسم ثانٍ لمسلسل (سجلات فرانكشتاين)، وقريباً يُطلق موسم تاسع من (الموتى الذين يمشون)، كما يتم العمل على إعادة تقديم مسلسل المراهقين المشهور (بافي قاهرة مصاصي الدّماء) بشكل جديد تماماً بعد أن ظن كثيرون أنه بُلي وخرج من الأضواء بلا رجعة لكثرة ما أنتج منه مواسم.
هذه الرّدة إلى توظيف الخرافات المنزليّة التي تنزع إلى الواقعيّة (مقارنة أقله بقصص الوحوش والتنانين والمخلوقات الفضائيّة الغريبة) في قلب الترفيه التلفزيونيّ المعاصر ليست بالضرورة نتاج قرارات تجاريّة عشوائيّة، إذ أن تقاطعها وشعبيتها المتزايدة لا بدّ مرتبطة أساساً باستجابتها لما يعتمل في أذهان قطاعات واسعة من الجمهور تنفق وقتاً ومالاً كثيرين لأجل أن تتابع مشاهد قتل قاسية وجثث مقطعة ووجوه شاحبة وموتى يمشون في الأسواق ويلتحقون بالمدارس في إطار سرديّات دائريّة الطابع لا تتضمن أيّة تغييرات نوعيّة لناحيةِ هيكليّة القصّة الأساس، ولا تتقدم أحداثها نحو نهاية محددة بل هي تكرار ممضٍ لذات الثيمة قتلاً ومص دماء وتشويهاً وموتاً لا يشبه الموت. فما الذي يعتمل داخل قلوب الجمهور (وعقولهم) فيضعهم في مكان المتلقي العطش الذي لا يرتوي من مشاهد الرّعب والقسوة والعنف الدّموي؟
البداية كانت من فرانكشتاين
أي محاولة لفهم هواجس الجمهور المعاصر وراء هذا الارتكاس نحو ظلام دراما العبث الأسود – إذا جاز التعبير – لا بدّ أن تبدأ من سبر المناخ التاريخي الذي أنتج هذي القصص الدموية بداية في سياقها الاجتماعي والثقافي والسياسي. شخصيّة فرانكشتاين كما قدّمته رواية ماري شيللي تحديداً تعتبر دائماً بداية ثقافة مصاصي الدّماء في التاريخ الحديث. تلك الرّواية التي نتجت عن سهرة تبادل لقصص الرّعب تمضية للوقت في ليلة إنجليزيّة ماطرة كئيبة شتاء عام 1816 حضرتها الروائيّة المعروفة رفقة زوجها الشاعر بيرسي شيللي واللورد بايرون والطبيب الجرّاح جون بوليدوري. ويبدو أن قصّة السيّدة شيللي كانت أقواها تأثيراً وقبولاً عند القراء أكثر من القصص التي رواها الساهرون الآخرون وانتهت بدورها قصائد أو روايات.
رغم أصالة العمل الروائي في فرانكشتاين، فإن السيّدة شيللي وقتها لم تخترع مفهوم مصاص الدّماء – أي الميّت الذي يعود إلى حياة موازية لحياة البشر لكنه يظل محتاجاً دائماً إلى شرب دماء بشريّة ليبقى -. إذ أن هنالك إشارات عدّة إلى هذا النمط من الشخصيات المتطفلة على الحياة كان معروفاً في الجدالات السياسيّة والاجتماعية عبر أوروبا – لا سيّما بريطانيا وألمانيا – كعلامة على جشع الخصوم الذي لا يشبع. لكن شخصيّة مصاص الّدماء ذاتها ليست كياناً تاريخيّاً تم استعادته من الماضي السحيق، بل هو بالأساس سليل فترة عصر التنوير لحظة تلاقت عقلانيّة النهضة الفكريّة المستجدة مع أساطير أوروبا الشرقيّة العميقة ومحاولة الأدب الروائي منح تلك الحكايا الأسطوريّة نوعاً من تفسير عقلاني بالاستفادة من تطور معطيات الطبّ والجراحة والتشريح في تلك الأيّام والتي كلّما تقدمت ازدادت معها رماديّة الحد الفاصل بين الحياة والموت. ولكن ماذا يعني فرانكشتاين اليوم مجددا؟
هناك تحليلات متفاوتة لكن أهمها تتفق على أن كميّة الموت المجانيّ اليوميّ التي يتابعها المتلقون اليوم بفضل تقدم تقنيات تحديث الأخبار اللحظي أفقدتهم تدريجياً شعور الصدمة برهبة الموت – موت الآخرين بالطبع – وأصبحوا متعطشين لجرعات أعلى تكثيفاً من العنف يفرغون عبرها كل هواجسهم ومخاوفهم المعاصرة، بينما قال آخرون بأن مثل هذي الأعمال السوداويّة تساعد بشر عصر الرأسماليّة المتأخرة على تقبّل أجواء الاغتراب والوحشة والضياع التي يعيشونها لا سيّما بعد الأزمة الماليّة العالميّة الأخيرة عام 2008 من خلال مقارنة وقائع أيامهم بديستوبيّات أشد فظاعة وألماً.
“السجلات”: لا جديد تحت
شمس خطوط الانقسام
يستلهم مسلسل سجلات فرانكشتاين ذات الشخصيّة الروائيّة كما رسمتها شيللي ويلعب دور البطولة فيه الممثل المعروف (شين بين) – مع ثلّة من النجوم البريطانيين المشهورين والجدد – لكنه يبدأ هنا كمحقق شرطة إنجليزي متعب يطارد طرفاً غامضاً ما أقدم على تجميع قطع من ثمانية أطفال ليصنع منها جثة واحدة قبل أن ينتهي هو لمصير مماثل على يد تلك الأطراف المتآمرة ذاتها. ولأن العمل مستوحى من الرواية الأصلية فهو يفتقد لعنصر المفاجأة، ويعاني من بعض الافتعال في صناعة الأحداث، إلا أنه مع ذلك ينجح بمهارة فائقة في التحليق عبر فضاءات الجدل والانقسامات التاريخيّة التي عاشتها بريطانيا بداية القرن التاسع عشر طبقيّاً بين قلّة أثرياء وكثرة من فقراء مدقعين، كما بين ليبراليّة متحررة متنورة ورجعيّة مدرسيّة دوغمائيّة، وبين علم حديث وإيمان عتيق، وبين جيل شاب طموح وشيوخ محافظين. ولعل المشاهد إن غض البصر عن سلسلة الجرائم المتعاقبة واعتنى أكثر بالسياقات التاريخية لتلك الجرائم لوجد أن مجتمع بريطانيا اليوم لم يتقدّم كثيراً من حيث المضمون في صدع الانقسامات لا بل وزاد عليها ملهاة البريكست الأخيرة.
بافي: موسم التربّح من
العودة إلى المدرسة
“سنعيد رواية حكاية بافي من البداية”. كانت تلك الطريقة التي وصفتها الشركة المنتجة بعد شرائها حقوق الشخصية من منتجها السابق (12 موسماً لا أقل). بافي – التي هي شخصيّة مراهقة تمتلك قدرات استثنائيّة تؤهلها لصيد مصاصي الدماء المنتشرين في أروقة المدرسة والحي – تنقل ذات الخرافات الدمويّة إلى فضاء تلاميذ الثانويّات، وتقدّم ترويجاً سطحياٍ إستهلاكيّ النزعة يطبّع عقول الناشئة مع العنف والخزعبلات. ولمن لا يعرفون فإن حجم صناعة هذه الخرافات الموجهة تحديداً إلى تلك الفئة العمريّة تقدّر بالمليارات وتشمل سلاسل روائية وأفلاماً ومسلسلات عدّة معروفة. وإعادة تقديم بافي من جديد يعني ما لا يقل عن 150 حلقة تجتر وتعيد أحداثاً دائريّة حول ذات الفكرة، ومع ذلك لولا إقبال الجمهور عليها لم يكن لرأس المال الجبان أن يخاطر بإعادة إنتاجها.
موسم تاسع من (الموتى الذين يمشون) ولا أفق للحكاية
ماذا بعد أن تنتصر على كل الأعداء والزومبيات وتخاتل الموت المحتم ألف مرّة، وتكسب صراع البقاء؟ هل ثمّة من نهاية تغلق هذه الدائرة العابقة بالموت المجاني والتقطيع والتعليق والسحل؟ هكذا يتساءل مشاهدو المسلسل التلفزيوني الديستوبي الشهير دون أن يحظوا بالخلاص. فالعوائد الهائلة التي يحصل عليها منتجوه لن تجعلهم ينهون قصّتهم بسهولة، وهم صاروا يتفننون تلاعباً بأدوات السرد ليستمروا بمدّ الحكاية موسماً فموسماً حتى تجاوز عدد الايّام التي يسجلها من حياة الأبطال الحد الأقصى لحياة البشر العاديين عدّة مرات، وابتذلت كل وسائل القتل وطرائقه فلا مكان لجديد. ومع ذلك فإن إقبال الجمهور لا يقلّ، وهو يعود مع كلّ موسم جديد كما مدمن على الدّماء والعنف محتاج لجرعته المعتادة أو يفقد صوابه.
تلفزيون التجارة بالذّعر
موسم التجارة التلفزيونيّة بالذّعر المستمر هذا، سيجد غالباً كبير رواج في الأعوام القليلة المقبلة، فالأزمنة تزداد قتامة، وخطوط الانقسام تتسع وتتعمّق، وضغوط العيش اليومي لا تتجه للانحسار، بل وتتدفق أغزر موجات فقدان الأمل بغدٍ مشمس على هذي الأرض رغم كل التقدّم التقنيّ والعلميّ، وفوق ذلك كلّه يغرّد زعماء العالم صباحاً بوعود ظلاميّة ملوحين بالحروب والدمار. ربّما مسلسلات الرّعب والقتل المجاني والعيش الذي يشابه بلادة الموت ما هي إلا مرآة عصرنا التي نبحلق فيها بدواخل أرواحنا لنطلّ على كل هذا الأسود الذي استحكم بنا.
إعلامية لبنانية تقيم في لندن