دير الأنبا سمعان الخرّاز في القاهرة شيدته سواعد أبناء الزبالين ونحت رسومه سائح بولندي

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ “القدس العربي”: “مكتوب في إنجيل النصارى أن مَن كان له إيمان مثل حبة خردل فإنه يقول للجبل انتقل واسقط في البحر فيفعل، فإما أن يكون النصارى على صدق أو كذب في إنجيلهم”. هكذا قال يعقوب بن كلس، أحد وزراء المعز لدين الله الفاطمي، طالباً منه أن يجبر المسيحيين على إثبات ما جاء في كتابهم. كان يعقوب يهودياً يكره المسيحيين، وكان الفاطمي يريد التخلص من الجبل الكائن شرق القاهرة (جبل المقطم) فراقه الاقتراح، إضافة لاعتقاده بأن عدم تحقق الآية الإنجيلية سيكون دليلاً على بطلان الدين والمعتقد المسيحي. بعث المعز إلى البطريرك إبرام بن زرعة السرياني، متوعداً إياه في حال الفشل، ومنحة مهلة ثلاثة أيام. فقامت الكنيسة كلها في البلاد خلال تلك الفترة بالصوم والصلاة. ظهرت السيدة مريم العذراء للبطريرك في صباح اليوم الثالث، وأخبرته أن يخرج ليرى رجلاً يحمل جرّة ماء، سيكون هو المختار لإتمام المعجزة. وعند تنفيذه وصية العذراء، وجد إسكافياً يدعى “سمعان الخرّاز” وأخبره بما حدث. فطلب الإسكافي من البطريرك أن يبقى بين الشعب في اليوم المقرر لنقل الجبل، ومن هناك سوف يؤدي الصلاة، بينما يرسم البطريرك علامة الصليب. وتم ذلك، فحدثت زلزلة عظيمة وتحرك الجبل حتى بانت الشمس من تحته. بعدها هرب الخرّاز كي لا ينال المديح من أحد. وفي رواية أن الخرّاز كان قد ألقى بنفسه أسفل جبل المقطم.

اختبار سمعان

عاش الخرّاز في القرن العاشر الميلادي، أيام حكم المعز لدين الله الفاطمي، وهو أحد قديسي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث تعزى له ــ حسب التقليد الكنسي ــ معجزة تحريك جبل المقطم. كان الرجل يعمل في دباغة الجلود وصناعة الأحذية، واشتهر بالتقوى والورع. وحسب الأسطورة أو الحكاية المتواترة فقد جاءت إلى دكانه ذات يوم امرأة تطلب منه إصلاح حذائها. وبينما هي تخلعه وقعت عينا سمعان على ساقها فاشتهاها للحظات، قبل أن يفيق على ألم بالغ، جراء المعصية، فما كان منه إلا القيام بخلع عينه بالمخراز، تنفيذاً لإحدى وصايا السيد المسيح، حيث يقول: “إن كانت عينك اليمنى تعثرك، فأقلعها، وألقها عنك … لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يلقى جسدك كله في جهنم”. (متّى 5: 28، 29). وعندما بلغ الأمر الكنيسة قرر الكهنة مسامحته على ما فعل، لأنه قام بذلك بدون فهم حقيقي لرمزية الوصية.

توصية الست

وتتواصل المعجزات، ولو بشكل وطريق آخر. فكما هو معلوم كانت كوكب الشرق السيدة أم كلثوم تقطن في حى الزمالك المطل على نهر النيل، وفى الجانب الأخر من النهر كان يعيش “الزبالون” ــ جامعو القمامة ــ فى حي إمبابة. كان هذا الأمر يصيبها بالإنزعاج من شكل القمامة وناسها. وخلال إحدى الحفلات في منزلها، وكان هناك محافظ القاهرة وقتذاك سعد زايد، تشكّت الست، فما كان من الرجل إلا الاستجابة الفورية، فأصدر قراره في آواخر العام 1969 بنقل جامعي قمامة القاهرة إلى إحدى روابي جبل المقطم. كانوا حوالي 5000 أسرة، وأغلبهم من المسيحيين، وقد أقاموا مساكنهم بطرق بدائية، مجرّد عشش من الصاج، بدون مياه أو مدارس أو دور عبادة. فقط هم وحيواناتهم في الخلاء.

لأني معك

كان “قديس عجيب عبد المسيح” أحد سكان منطقة الزبالين في المقطم يجمع القمامة من حي شبرا، وكان يقابل أحد الكهنة، الذي أصبح فيما بعد “الأب سمعان إبراهيم” كان عجيب يدعو الكاهن لزيارة المنطقة، بدون أن يمل من دعوته التي استمرت على مدى عامين منذ العام 1972. وفي صباح يوم الأول من فبراير/شباط 1974 وافق إبراهيم على الزيارة وذهب إلى المكان. وحين وصل طلب من عجيب أن يأخذه إلى مكان هادئ ليصلي، أخذه إلى أعلى قمة في المنطقة، حيث وجد فجوة كبيرة تحت صخرة ضخمة، كانت حينذاك مغارة، وجدها الكاهن مكاناً مناسباً، فداوم على الصلاة فيها كل يوم أحد مدة ثلاثة أسابيع. وفي الأسبوع الثالث صعد الكاهن إلى المغارة وأخذ معه شخصين آخرين، وأثناء الصلاة ثارت عاصفة قوية، فتطايرت أوراق قمامة المنطقة وملأت الجو، وحين هدأت العاصفة وقعت أمام المصلين ورقة صغيرة، تناولها أحدهم وسلمها إليه ليقرأ ما فيها، ليكتشف أنها من سفر أعمال الرسل الإصحاح 18، وبدأ يقرأها بصوت عال. “فقال الرب لبولس برؤيا الليل: لا تخف بل تكلم ولا تسكت، لأني أنا معك، ولا يقع بك أحد ليؤذيك، لأن لي شعباً كثيراً في هذه المدينة”. حينذاك اعتبر الكاهن هذا الحدث الجلل علامة أو صوت الله له، فقرر أن يخدم المنطقة، وبدأ ببناء كنيسة من الصاج سقفها من البوص، تماماً مثل باقي مساكن المنطقة من حولها، وقد أعادت إلى الأذهان مذود بيت لحم. فأقيم أول قداس بحضور 9 أشخاص، ثم ازداد عددهم، حتى أن المكان لم يعد يكفي لاستيعابهم. وأمام هذا التزايد لجأ الكهنة إلى البابا شنودة الثالث ــ بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وقتها ــ وأخبروه بكل ما تم، ففرح وأعطاهم مبلغاً من المال لبناء السقف بالإسمنت، لكن تبيّن استحالة وضع سقف من الخرسانة على جدران من الصفيح، فظهرت الحاجة إلى هدم المكان بالكامل وإعادة بنائه بشكل منظم، وتولى الأمر مكتب هندسي مصري فوضع تصميماً لكنيسة شاهقة على مساحة ألف متر مربع، أطلقوا عليها اسم “دير الأنبا سمعان الخرّاز”.

الدير

بني الدير بجهود أبناء الحي ــ حي الزبالين ــ الذين نقلوا أكثر من مليونين ونصف المليون حجر للبناء. واستمر العمل حتى وصل الدير إلى شكله الحالي. يتكون الدير من 4 كنائس هي كاتدرائية السيدة العذراء والقديس سمعان الخرّاز، كنيسة الأنبا إبرام بن زرعة السرياني، كنيسة مار مرقس، وكنيسة الأنبا بولا أول السواح، إضافة إلى قاعة القديس سمعان الخرّاز التي تتسع لـ 2000 شخص. فكنيسة الأنبا إبرام بن زرعة ــ البطريرك 62 ــ سميت باسمه تخليداً لمعجزة نقل الجبل التي وقعت في عهده، وهو الذي أدخل للكنيسة صوم الثلاثة أيام التى صامتها الكنيسة قبل نقل الجبل حيث تم اكتشاف المكان أثناء القيام بأعمال البحث عن المغارات الموجودة في الدير عام 1992 وأقيمت صلاة أول قداس عام 1993 وهي أصغر كنائس الدير. أما أكبرها فهي كاتدرائية السيدة العذراء والقديس سمعان الخرّاز، وأيضاً تخليداً لمعجزة نقل جبل المقطم في 27 نوفمبر/تشرين الثاني عام 979 ميلادية. وقد شيدت الكاتدرائية على مرحلتين، الأولى كانت عبارة عن مغارة صغيرة لا يتجاوز ارتفاعها المتر، وهي أول كنيسة في الدير، وكان الحاضرون يجلسون على الأرض المفروشة بالحصر وبعض الكراسي القليلة على الجانبين. أما المرحلة الثانية فتم تجهيزها بمقاعد ثابتة على هيئة مدرجات ربع دائرية، وتم افتتاحها يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1994. ومن الأمور الغريبة التي اكتشفت أثناء الحفر داخل المغارة، بروز رسم في سقف المغارة للسيدة مريم العذراء تحمل المسيح بين يديها بدون تدخل ليد إنسان في هذا الرسم.

حكاية ماريو

“أبونا سمعان قال لي عايز المكان ده إنجيل مفتوح، هنخرج برّه إطار الأيقونات المتعاهد عليها في الكنايس الأرثوذكسية، وأنت هتتولى مهام نحت آيات الإنجيل وأعمال الرسل وكمان صورهم على كل صخرة بالدير. اشتغلت في النحت بالجبل 20 سنة متواصلة بدون انقطاع”. هذه العبارات لسائح بولندي يدعى “ماريو” أتى إلى مصر في النصف الثاني من تسعينيات القرن الفائت، ولم يغادرها من بعدها. جاء ماريو من خلال إرسالية دينية تعليمية معنية بإرسال الكاثوليك إلى كنائس شمال أفريقيا، لكنه لزم الدير منذ قدومه. نحت بداية رسماً للقديس سمعان على لوح خشبي، حاز إعجاب راعي الكنيسة، فطلب منه أن ينحت تماثيل تحكي سيرة القديسين داخل الصخور، فنحت 76 عملاً في الجدران بخلاف تماثيل أخرى. ويُذكر أنها المرة الأولى التي يمسك فيها ماريو بأدوات نحت، ويقشط الطبقة العليا من صخور عملاقة بحجم صخرة جبل المقطم.

عودة القديس

لم يزل الخرّاز مصراً على معجزاته فيقال إنه دُفن في مقبرة (الحبش) في القاهرة القديمة، ولكن في عام 1989 قام بعض الكهنة وبعض علماء الآثار القبطية بالبحث، فعثروا على المقبرة، كما عثروا على الهيكل العظمي لسمعان الخرّاز، وكذلك على رسم صوّر البطريرك وبرفقته رجل أصلع يملأ جرتي ماء، يرجحون أنه هو سمعان الخراز، لأنه كان يقوم بنقل المياه لبيوت الفقراء، كما وجدوا وعاء يخص الخراز وكل هذا محفوظ في كنيسة القديس سمعان في المقطم في القاهرة. يذكر أنه في التاسع من يوليو/تموز عام 1992 قام الأنبا متاؤس بإيداع جسد قديس الجبل سمعان الخراز في أنبوبة، مع كتابة وثيقة خاصة بذلك موجودة حالياً بجوار مقصورة القديس في كنيسة المقطم، وفي يوم السبت 11 من يوليو/تموز من العام نفسه تم نقل رفات القديس في موكب كبير من كنيسة العذراء في مصر القديمة إلى كنيسته في جبل المقطم، الذي شهد معجزته وخلّد ذكراه في نفوس المؤمنين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية