صحافيو «فرانس24» يرقصون مع الأموات.. قنصل عراقي في مهمة إعلانية إيرانية… والناجية السعودية: البطولة للموبايل

حجم الخط
1

«كيف أنقذ الهاتف المحمول الفتاة السعودية رهف؟» عنوان فيديو مشوّق لـ «بي بي سي» يضع قصة الناجية السعودية رهف القنون في إطار حبكة مرشحة لفيلم هوليودي بطله الهاتف المحمول.
في أقل من دقيقتين يروي الفيديو كل الحكاية: كيف علقتْ رهف في مطار بانكوك في تايلند. ثم كيف أنشأت حساباً على «تويتر» في الخامس من الشهر الماضي، وصل عدد متابعيها في الثامن منه إلى تسعين ألف متابع. ثم يشير إلى سلسلة تغريدات غرّدتها الناجية السعودية من غرفتها في المطار، حيث تحصّنت، بينما المسؤولون التايلنديون والسعوديون يناقشون طلبها للحصول على اللجوء (سيشير الفيديو لمطالبة مسؤول سعودي أثناء الاجتماع بوجوب مصادرة هاتف رهف لا جواز سفرها).
هكذا سينتشر على الفور هاشتاغ #saveRahaf بسرعة البرق، وهنا يعرض الفيديو انفوغراف للتأثير الذي أحدثته تغريدة لرهف خلال ثمانية وأربعين ساعة. وصولاً إلى النهاية السعيدة، حيث الموقف الشعبي المساند لرهف، وحيث تتدخل مفوضية اللاجئين، وصولاً إلى النصيحة الأخيرة لرهف: «لا تدع أي شخص يكسر أجنحتك».
لم يمض وقت طويل على حكاية السوري حسن قنطار، الهارب من الحرب والخدمة العسكرية في بلده، وقد علق لسبعة شهور في مطار ماليزيا، تصدّر أثناءها عناوين الصحف إلى أن حظي باللجوء والإقامة الدائمة في كندا، حيث استقرت السعودية رهف.
حكاية قنطار هي الأخرى هوليودية الطابع، وقد أُنجز بالفعل فيلم بطله توم هانكس عن يوميات مسافر عالق في مطار نيويورك.
غير أن حكاية الناجية السعودية توفر مادة سينمائية أكثر تشويقاً، ليس لديها ترف الانتظار لشهور، فالسلطات السعودية لها بالمرصاد مثلما عائلتها التي وصل أفراد منها بالفعل إلى تايلاند.
مباركة حرية رهف، من غير تحفّظ. لكن هل يحتاج المرء إلى حكاية هوليودية لينجو؟ أهي حكايات ليسلّي العالم نفسه بها، كي يرضي ضميره بنهاية سعيدة لحكاية واحدة من بين ملايين مآسي البشر المروعة؟ انظروا مثلاً هذا العنوان الذي جاء في مكان آخر لـ «بي بي سي» نفسها: «وفاة سيدة مصرية وصفت بأنها مشردة في أحد شوارع مصر بسبب البرد… وكتب مغردون أن السيدة لجأت إلى موظفي مجلس مدينة المحلة وطلبت منهم الاحتماء من البرد داخل مبنى المجلس، لكنهم رفضوا استقبالها!

قنصل برتبة معلن

دبلوماسي عراقي يروّج لمركز تجميل إيراني، فكرة لن تخطر على بال أذكى مصممي الإعلانات التلفزيونية. لا حاجة هنا للعصف الذهني، ولا للبحث في تاريخ علم الجمال وفنون التجميل، ولا العودة إلى الأرشيف الهائل لإعلانات التجميل. في إيران يمكنك الاستعانة بالقنصل العراقي في مدينة مشهد ليؤدي المهمة بالكامل.
ياسين شريف إنصيف سيظهر في فيديو، وإلى جانبه ووراءه أعلام إيران والعراق، متحدثاً باسم القنصلية، ومتوجهاً إلى العراقيين يدعوهم إلى زيارة المركز للحصول على خدمات مختلفة منها تجميل الأنف والأسنان وزراعة الشعر وعلاج العقم.
فيديو تسبب بغضب عراقي وانتقادات وفتح الباب واسعاً للحديث عن الفساد. كيف يقبل دبلوماسي عراقي أن يكون معلناً لمركز تجميل، كيف يقبل العراقيون أن يظهر ممثل لهم بهذه الصورة المهينة.
يبدو أن وزارة الخارجية العراقية استدعت القنصل على خلفية الفيديو، لكن لا يبدو أن هذا يمكن أن يخفف من غضب العراقيين، فالمشكلة ليست في زلة دبلوماسية، بل بنظام شامل فاسد أوصل رجلاً يمكنه القبول بدور كهذا.
أحد اليوتيوبرز العراقيين قالها، هذا الرجل (وشهاداته، بحسبه، في دراسة القانون المشكوك بأمرها) ليس استنثاء في عراق اليوم، إنه القاعدة.

الرقص مع الأموات

ضمن برنامج «مراسلون» بثت قناة «فرانس24» وثائقياً بعنوان «فنزويلا: رقصة مع الأموات» (حققه روميو لانغلوا، كلير باكالان وآخرون). هو إطلالة مرعبة على حال ذلك البلد الثري الموارد، والذي يعاني، مع ذلك، فقراً مدقعاً، وجوعاً، وانعداماً كلياً للأمن.
تتسلل الكاميرا إلى الأماكن أفظع الأماكن وأخطرها، قبالة التلال التي يسكنها القتلة ومنها يتصيدون ضحاياهم، بعد سرقة وخطف ومطالبة بفدية. يذهب فريق التصوير إلى المقابر المنهوبة، أحياناً بالتواطؤ مع حرس المقبرة، حيث لكل شيء ثمن، الجمجمة والأصابع، وبقية العظام، هذا بعد سرقة الأشياء الثمينة التي حملها الأموات معهم إلى القبور.
ثم إلى المشافي حيث هي من الفقر بحيث أنها تطالب المرضى بإحضار أدوات الجراحة والضمادات معهم.
كما يذهب فريق التصوير إلى أحد السجون، وفيه المشهد الأكثر رعباً، وقد لا يتحمل المشاهد مجرد النظر إليها عبر الشاشة. الضيق والاكتظاظ والعتمة والقذارة، إلى حدّ أن المساجين يسدّون آذانهم بأوراق الجرائد كي لا تدخلها الصراصير، شريكتهم في الإقامة.
لكن الكاميرا تظل تعود إلى لازمة بين مشهد وآخر، تذهب إلى معابد ما يسمى بـ «القديسين اللصوص»، وفيها تماثيل للصوص قضوا، يعتبرهم الناس قديسين، فهم نماذج أقرب إلى روبن هود، كانوا يسرقون الشاحنات والمخازن لتوزيعها على الناس. في الفيلم يظهر البعض حائمين حول هؤلاء «القديسين» يستحضرون أرواحهم في طقوس احتفالية، يطلبون منهم العون.
كل ذلك يجري تحت صور تشافيز ومادورو العملاقة. يقول شاهد: «لم يعد لدينا حتى توابيت لندفن موتانا. هذا ما نعيشه بسبب هذا الرئيس عديم الضمير، الفاسد، الذي قام بالسطو على صناديق الاقتراع، بينما نعاني الجوع ونقص الدواء وانعدام الأمن».
كما تقول طبيبة «لا عدالة ولا قانون، الناس تفضل الصمت وعدم الشكوى لأن الشرطي الذي سيتلقى الشكوى يمكن أن يكون متواطئاً مع المجرم». ولذلك فإن رجال الشرطة أنفسهم يخوضون صراعاً مع رجال شرطة آخرين.
يربط الفيلم إذاً بين أحوال البلاد المرعبة وبين حكم مادورو، لذلك يختم: «منذ عام 2015 فرّ ثلاثة ملايين من الجوع والعنف والمرض، لكن ليس لدى الجميع إمكانية السفر. بعضهم يفرّ نحو عالم الغيب».
كل تلك الصور لا يمكن نقلها للعالم بشكل اعتيادي، بل ليس من السهل التقاطها من الأساس، وهنا يبدو أن صحافيي «فرانس24» الذين زاروا فنزويلا أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة قرروا هم أيضاً المخاطرة والرقص مع الأموات.

٭ كاتب فلسطيني سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية