كيفَ نكتبُ روايةً ناجحة؟

في البدء يجب التأكيد، على أن هذا السؤال، هو الأهم في أن يؤخذ بالحسبان، في وعي كتاب الرواية ونقادها وقرائها، ممَن وصلوا في صنعة كتابتها وتلقيها حد الاحتراف، ولعلي سأجد نفسي مضطرا – هنا – لسوق الحكاية القصيرة الآتية، لتكون مدخلا معرفيا لما أريد قوله، مبينا منها ما يجب اعتماده عند كتابة الرواية المعاصرة، وهي استعارة من الكتاب الشهير لجون برين «كتابة الرواية»، وتتلخص الحكاية بدعوة أحد الكتاب الشهيرين إلى جامعة هارفرد للحديث عن تجربته، حينها صاح بالحضور الذين جاؤوا للترحيب به، مَنْ يريد أن يصبح كاتبا؟ فرفع الحاضرون أيديهم جميعا، وإذا به يجيبهم «يا للجحيم .. إذن لِمَ لَمْ تلبثوا في بيوتكم لتكتبوا؟»، وهذا ما يدفعني للتساؤل هنا مرة أخرى: كيف يكتب الروائي نصا ناجحا؟ وما الوعي الذي يؤهله لذلك؟

الروائي اليوم لا يستطيع التعامل مع الرواية وكتابتها بطريقة ما أطلق عليه رولان بارت، الكاتب/الصانع الذي يحبس نفسه في مكان خرافي بحثا عن الاستغراق الحُلمي والانعزال عن العالم.

إن المغزى الفعلي الذي أريده من الحكاية السابقة، يتلخص في أن الروائي اليوم لا يستطيع التعامل مع الرواية وكتابتها بطريقة ما أطلق عليه رولان بارت، الكاتب/الصانع الذي يحبس نفسه في مكان خرافي بحثا عن الاستغراق الحُلمي والانعزال عن العالم، أو كونه يتعامل معها – الرواية – بوصفها نصا أدبيا إبداعيا مكتوبا لإرضاء ذاته المغرقة في الخيال، من خلال التجربة الشخصية أو المشاهدة فقط، أو لإرضاء شهوة القراءة ولذتها عند بعض المتلقين، المدمنين على التسلية السريعة، الذين اعتمدت ذائقتهم قراءة الحكايات أو التلصص على حياة الفنانين من خلال الشاشة الصغيرة، فقد نشأت الرواية المعاصرة بأسلوب مضاد خلافا لعناصر نشأتها في الثقافة الأوروبية، التي تمركزت في البحث عن التسلية والترفيه، لتعمل بذلك على اصطناع شروطها وعناصر بهجتها وجذبها، لذا يحتاج مبدعُها لدرجة خاصة من الوعي والإطلاع والمعرفة، وأشدد هنا على كلمة (معرفة) على خلاف ما هو فطري وقدري وموروث، وغيرها من الآراء التي تؤكد مفهوم الموهبة، لأن كتابتها تقتضي خريطة عمل ثقافي، تلزم صاحبها بمعرفة أشياء عن كل شيء، أي جمع شتات ما هو معرفي إلى جنب ما هو شخصي أو تأريخي أو اجتماعي أو فلسفي أو ثقافي، والتعبير عن ذلك كله بخيال سردي مصطنع، يُغيب الواقع لأنه يخلق واقعا جديدا مغايرا، بما يتناسب مع لغة ثاقبة معبرة حسب طبيعة ثيمة العمل المتخيل، فالرواية تعبير مجازي متخيل عن نظام مفترض، ينتج بالضرورة عالما مغلقا قادرا على خلق مهيمناته وأنساقه وأبعاده. وهنا يأتي دور المبدع في اصطناع أدواته لخلق نص مغاير، كونه يعمل على تكثيف الواقع الراسخ في ذهنه، منتجا بدلا منه واقعا مغايرا بقوانين مغايرة، الحد الذي يتلاشى فيه التعارض بين القانونين.
ولعل الناقد والمفكر الفرنسي لوسيان غولدمان، كان صادقا وواعيا جدا، عندما أكد على ضرورة الوعي بقوانين الواقع ــ أي واقع ــ والتعبير عنه برؤية مغايرة، حتى لو كانت الحكاية تتحدث عن عالم الجن، وعليه تتجرد الحكاية من أزمنتها الفعلية بحثا عن أزمنة جديدة، أزمنة من إنتاج التقويل والتخيل الجامح، نزوعا نحو اصطناع وتركيب الأحداث والمكونات النسقية للسرد الروائي، اعتمادا على فكرة (الهدم) أي تقويض الرتيب والمعروف والنمطي والمتفق عليه، ثم (البناء) أي تخيل العالم برؤية مضادة مغايرة لكل القوانين المعروفة بحثا عن المختلف، بابتكار أساليب جديدة للوعي الكتابي وإدراك الإبداع القادر على خلق الدهشة.
بمعنى أن الروائي يجب أنْ يكون ملما وواعيا بصنعته، كونه مُلزَما أنْ ينسي متلقيه عالمه، وينشئ له عالما آخر مصطنعا ومستقلا عن النسخة الأصل، التي انبثق عنها فأصبح بتعبير بارت مجموعة خطوط دالة، ولعل هذا الوعي الكتابي يتطلب بالضرورة معرفة ثاقبة بأنماط الرواية وتحولاتها المستمرة، من مراحلها الكلاسيكية المنتمية لضوابط ما قبل الحداثة، مرورا بوعي النص لحداثة الفكر وتأملات الذات لسيرة الشخوص المتخيلة، وصولا إلى التحولات السريعة من السرديات الكبرى والسرديات الصغرى وأفولها في مرحلة ما بعد الحداثة، لذلك يجب أنْ يعي الروائي جيدا ويقابل وعيه هذا وعي الناقد طبعا. أقول يجب أن يعيا بأن تشكل النمط الروائي وتنوعه يكون مرتبطا بقضايا عديدة وأشكال مختلفة، منها (الثيمة الأساسية) التي تبنى عليها الأحداث، ما يكسبها اسما خاصا منسوجا من هذه الثيمة، كما في تسميات الرواية الواقعية أو التأريخية أو النفسية وغيرها، بينما أحيانا تكتسب الرواية تسميتها ونمطيتها من قضية ثانية لها علاقة بأحد (عناصرها الفنية)، كما في رواية الشخصية، أو رواية الحدث وغيرها، كذلك يجب التنبه إلى نمط آخر هو في الحقيقة نتاج لتلك التحولات الكبرى في تأريخ الرواية، وأعني تأثير أفكار الحداثة وما بعدها فيها، فأصبحت أنماطا مغايرة، منها الرواية التجريبية ورواية الميتافكشن أو رواية البوليفون وغيرها، وهذا أمر مهم كونه يوجه الروائي نحو الدرجة الكتابية التي سيعمل عليها في إنتاج نصه، لأن لغة الرواية لغة واعية وحساسة، وهي متغيرة حسب النمط والرؤية والوعي.

تتجرد الحكاية من أزمنتها الفعلية بحثا عن أزمنة جديدة، أزمنة من إنتاج التقويل والتخيل الجامح، نزوعا نحو اصطناع وتركيب الأحداث والمكونات النسقية للسرد الروائي.

وهي لذلك كله تحتاج لكي تكمل أسباب نجاحها (تسويقا اقتصاديا خاصا)، بوصفها مادة معرفية معدة للاستهلاك الثقافي، قادرة بذلك على خلق السوق الذي يناسب طرائق استهلاكها، كما يؤكد على ذلك علم اجتماع الأدب، الذي عني كثيرا بأساليب تسويق الرواية، بوصفها منتوجا يضاهي باقي المنتوجات الصناعية، وليس فقط عنايته بأساليب إنتاجها؛ ليضمن بذلك نجاحها وتقدمها كونها مطلوبة من قبل شريحة واسعة، موجهة بذلك ذائقة المتلقي المعاصر، نحو خصوصية فارقت وفاقت من خلالها أغلب منافسيها في المشهد الثقافي العربي، وأعني بذلك الشعر، وأغلب منافسيها في المشهد الثقافي الغربي، وأعني بذلك السينما، غير أن الحديث عن السوق وآليات الترويج للرواية وتقديمها للقارئ، يدعوني بالضرورة للإشارة إلى قضية مهمة، تتحدد بمفهومي (الرواية الشائعة) و(الرواية المهمة)، فكل رواية مهمة تحمل شروط نجاحها بما يبنى فيها من صوغ للبنية السردية واللغة والرؤى، لذلك هي رواية واسعة الانتشار والقبول حتما، بينما الرواية الشائعة منتشرة ليس بسبب أهميتها، بل بسبب طبيعة التسويق لها ولربما طبيعة وعي القارئ، الذي فضل استهلاك نمط معين من الأدب دون سواه، لا يحمل شروط النجاح الحقيقية، ولعل ظهور وانتشار بعض الروايات الشائعة والرائجة في السوق الثقافي العربي، بسبب حصولها على جوائز مهمة مثال على ذلك، محيلا القارئ هنا إلى ما حدث من لغط وخلاف، في المشهد الثقافي العراقي حول رواية «ساعة بغداد» للكاتبة شهد الراوي، بينما يمكن الوقوف على رواية ثانية تمثل النمط المغاير، كونها حصدت جائزة مهمة أيضا بسبب أهميتها، فكانت شائعة لهذه الأهمية، هي رواية «موت صغير» للروائي محمد حسن علوان، كونها حملت بنجاح وعيا سرديا واضحا، من خلال إعادة سرد محكيات السيرة العربية وروحانياتها بلغة بليغة، وبروح معاصرة مليئة بالتشويق والمفاجآت، ما يحقق تلك المعرفة السردية بالمتخيل الروائي، وما يتمتع به من شروط تفترض الواقع لا تنقله كما هو، وهذا أساس في عمل أي رواية ناجحة تبتغي الانتشار والتقدم.

٭ ناقد وأكاديمي عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية