كثيرا ما اعتمدتْ الشّعريات الكلاسيكية نظرية المحاكاة، وهي في حقيقة الأمر أسستْ لنظام إبداعي لا يمكن تخطيه أو تجاوزه، في العلاقة بين منطق الحياة وخيال الإبداع، كونها تعيد الأخير إلى جذر أساس تكوّن منه، وهو علاقة الفن الإبداعي بالأصول التي يعمل على محاكاتها أو تمثيلها جماليا، لكن هل يعني هذا أنّ الإبداع عموما مرتبطٌ بالحياة فغدا انعكاسا لها؟ وما رأي المدارس الأدبية والنّقدية المعاصرة في هذا الارتباط؟ وكيف يمكن أنْ يمثل الإبداع بنية قطيعة لهذا الجذر؟
ولعل هذه التّساؤلات تفرض علينا مناقشة المصطلحات المفاتيح، التي أُنتِجتْ بفعل تطور الإبداع وتحولاته عبر تأريخه الطويل، وأعني بها المفاتيح التي تمثل الثالوث المنتِج للإبداع وهي (الحقيقي/الواقعي/المتخيل)، فهذه المصطلحات الدّالة هي بالضرورة نتاج العلاقة الجدلية بين واقع الأشياء وخيالها في تكوين نظامها الخاص، وبحسب طبيعة تكوينها الجمالية بنية ورؤية، وهذا أمر يحتم علينا الإشارة إلى الاختلاف الكبير، بين فلاسفة ونقاد الأدب والفن، في الاتفاق على نظرية ثابتة بمصطلحاتها للتعبير على هذه الجدلية، فقد اتفق أغلبهم على رسوخ قاعدتي الواقعي والخيالي في تكوين الإبداع، ليؤدي هذا إلى تفرعات هذين المصطلحين في وجود الحقيقة، تعبيرا فنيا ضمن الواقع، وبهذا يكون الواقع تمثيلا للحقيقة، بينما الخيال أو التخييل يمثل المفارقة الفنية لهذه الحقيقة، ويبدو أنّ مثل هذا التّوجيه هو ما دفع ناقدا مهما مثل فولفانغ آيزر للانطلاق في حديثه عن الأمر، من خلال ثلاثية (الواقعي والتخييلي والخيالي)، ودفع ناقدا ثانيا قبله هو الأمريكي ت.ي.أبتر، لكي يؤكد في كتابه المهم «الواقع مدخل إلى الفنتازيا» أنّ أساس أي إبداع التّحولات الخيالية والانزياحات عن الحقيقة الواقعية، التي أنتجتْ بالضرورة فانتازيا الإبداع، وما أريد الوصول إليه هنا أنّنا يجب أنْ نفرق في المصطلحات المعبرة على التكوين الأساس للإبداع، بوصفها مفاتيحَ جذرية تعمل على تدرج رؤية المبدع من متنها الحقيقي، إلى مبناها الخيالي جماليا، وهنا لا بد من أنْ ننطلق في إدراكنا للقضية من خلال مصطلح (حقيقة/ Fact) ، بوصفه الأنموذج الأساس في المحاكاة، ولكن مع التّأكيد على اختلافه، على الرغم من تداخله مع مصطلح (واقع / Reality)، وهو ما يؤكد اللبس الكبير في الاستعمال بين هذين المفتاحين، كون الأول يمثل العالم كما هو، بحقائقه الملموسة ماديا، بينما الثاني يمثل العالم الإبداعي المنطلق من جمود الحقيقة، إلى رحابة الخيال الإبداعي، ليغدو الواقع هجينا بين الحقيقي والمتخيل، وإلاّ لكانتْ المدرسة الواقعية محض نقل عن الحقيقة الحياتية بشكل تسجيلي خالص خالٍ من الإبداع، وهذه معادلة تؤكد انفراد المفتاح الثالث (الخيال/ Fiction ) بنزوعه وتمركزه في ضمن بنية الإبداع، بعيدا عن أي حقيقة صارمة، وتأتي بذلك تدرجاته العديدة في التّعبير الفني عن انزياحات الابتعاد الجمالي، والانتقال من الواقع الممكن تحققه إلى الخيالي المتحقق، بفعل الإبداع (imagination, fantasy, illusion)، وهذا ما يبرر تحولات الرّؤية الإبداعية في علاقتها بهذه العناصر الثلاثة، انطلاقا من واقعية تسجيلية مرورا بواقعية سحرية وصولا إلى واقعية افتراضية منتهيا عندما سبق أنْ أطلقتُ عليه في مقال سابق، اصطناع الواقع، إذ تنتهي الحقيقة عند عتبة الاصطناع، لتبدأ حقيقة ثانية ينتجها الإبداع نفسه، ولكن بقوانينه وأنظمته الخاصة، وهذا ما يجعل التّساؤلات في بدء هذه المداخلة منطقية، كونها معبرة عن حالة انتقال من المادي إلى الفيزيقي بحثا عن الوهمي المتصور إبداعيا.
الإبداع لا ينسخ الواقع، بل يبدع كائنات حية داخل عالم يماثل عالمنا الحقيقي، لكنّه يتناسب وطبيعة هذه الكائنات، لذلك يرى أنّه من المستحيل مثلا، أنْ تعيش شخصيات مثل «هاملت» أو «فيدرا»، في مثل هذا العالم، كونها لا تنتمي إلى قوانينه الدّاخلية.
وبعودة إلى التّساؤلات في بدء هذه المقالة أقول: إنّ مقدار ارتباط الإبداع بالحياة الحقيقية ومدى تخيله لمكونات وعناصر مستمدة منها، أو منقطعة عنها، مرتبط بوعي المبدع نفسه، وأسلوبه ورؤيته للعالم في تشكيل عالمه الخاص، مما يقف على حدود هذا العالم كل المسميات مثل: المحاكاة والتّسجيل والانعكاس، وحتى التّخيل والافتراض والاصطناع، ففي (النّظرية الأدبية) مثلا بوصفها جزءا فاعلا من الإبداع، ترسختْ آليات الكتابة وتصوراتها، من خلال أكثر منظريها ـ كتابا ونقادا ـ وفق مستويين واقعي وخيالي، مما ساد بتأثير ذلك اختلاطٌ عميق للتفريق بين الواقعي والحقيقي، وبهذا اكتسب الواقعي سمة الحقيقي، على الرغم من أنه تعبير عن الأدبي المتخيل، وبقت الحقيقة الواقعية والتأريخية والسياسية، وحتى العقائدية أيديولوجيا، مصدر قلق للنص في مدى اقترابها، أو عدم اقترابها من الإبداع، إذا ما كان أحد عناصر نشأة النّص الأدبي المتخيل، وهذا أمر يمكن رصده في باقي ضروب الإبداع مرئية وسمعية عموما، وحقيقة الأمر أنّ هذا الجدال يعيد إلى ذهني تلك المحاججة الذكية التي قام بها شيخ الفلاسفة أفلاطون، في حوارياته الشّهيرة، فالقارئ لها يوضع أمام مشهد افتراضي درامي يذكر بحكاية أهل الكهف الشّهيرة، إذ يفترض وجود مجموعة من الأفراد في كهف مظلم ومغلق منذ صغرهم، وهم مقيدون ووجوههم معكوسة باتجاه شاشة على الجدار، تعكس صورة أشخاص آخرين في الخارج بتأثير ضوء نار مشتعلة، وهم يحملون عرائس أشبه بعرائس المسرح، ويفصل بينهم جدارٌ صغير، وبسبب عدم قدرة هؤلاء النّاس على الالتفات كونهم مقيدين، يتوهمون ظلال هذه العرائس والأشياء المحمولة على أنّها حقيقة (Reality)، وأنّ الأصواتَ التي يسمعونها صادرة عنها، حتى يخرجَ أحدُهم من الكهف ويكشفَ سر الوهم (Illusion) الذي وقعوا فيه، ثم يعود ليخبرهم كاشفا الزّيف، فيواجه من قبل المسجونين بالرّفض والتّنكيل والسّخرية، فيبدأ حينئذٍ مأزقُ التّجاور بين الحقيقة والوهم، إذ يبدو بشكل لا يقبل الشّك من خلال هذه الحكاية الدّالة، أنّ أفلاطون في (الجمهورية ــ الباب السابع) يبين بوقت مبكر مدى التّداخل بين هذين المتجاورين، مؤكدا على أنّ الوهم صنيعة الواقع المعاش، والعكس صحيح، فالحقيقة غير ماكثة في الظواهر المحسوسة المدركة فعليا، كونها ليستْ دائمة، لا بل تحمل الوجه الآخر أيضا في الوقت ذاته، ما يجعل الوهمَ جوهرَ الواقعي المعاش والحقيقةَ جوهرا لعالم المثل، وهذا تمثيل صوري مبكر للحياة في الفلسفة الميتافيزيقية الغربيّة، عاد أفلاطون لدعمه بفكرة (السّرير الخشبي) التي أكد أنّها تكون أولا مجرد فكرة خيالية في ذهن صانعها، ثم تتحول إلى مادة ملموسة، تحاكي المثال المجرد ثانيا، ثم بعدها يمكن استنساخها عن طريق الرّسم ثالثا، وبهذا يكون رسم السّرير(الصورة) نسخة تبتعد مرتين عن الأصل، لتكون نسخة ثالثة مناقضة للواقع أو تمثيل ما هو أصل، ولعل هذا ـ أعني المستوى الثالث للمحاكاة ـ ما مثل نواة أولى بسيطة، لوعي فكري أراد الكشف عن جذور الوهم والافتراء داخل حقائق الواقع، ليكون ذلك تمثيلا عند أرسطو، أساسه الإبداع كون المحاكاة لديه، لا تستنسخ الواقع الحقيقي، بل تعمل على انتقاء سمات جمالية خاصة منه، وفق رؤية تتموضع في الواقعي والمحتمل وقوعه، ما رَسَخَ عند هيغل على شكل علاقة المثال بالطبيعة، وتمثيل مثالي للفن من خلال فكرة المثال وحقيقة الطبيعة، فالفن لديه وسط بين مجرد الوجود الموضوعي (الحقيقة) ومجرد التّصور الباطن (الوهم).
ولعل هذا ما سمح لنا بالتّمييز مثلا بين حقيقة التأريخ ووهم الفن في لوحة مثل (غرنيكا) لبيكاسو، أو طبيعة الأيديولوجية السياسية /الدينية وانزياحات الكلمة/الموسيقى في رواية مثل «الأم» لمكسيم غوركي وسمفونية مثل (التاسعة) لبتهوفن، وهو ما جعل مخرجا سينمائيا مهما مثل ستيفن سبيلبرغ قادرا على تأسيس قوانين خاصة بالحقبة الجيروسية المنقرضة، ليجعلها مرئية من جديد، لأن الأساس في ذلك القدرة على تأسيس قوانين العالم الإبداعي، بما يتناسب مع مكوناته وعناصره، ليكون ذلك تمويها عن الحقيقة الفعلية، لا مجرد محاكاة ونقل لقوانينها، مما يضمن الخصوصية والمغايرة، فالأصل في ذلك منطلق من القدرة على الانحراف عن الحقيقة ثم التلاعب بالواقع لإنتاج قوانين العالم الخيالي الجديد، بما تتناسب مع طبيعة عناصره وصولا لدرجة مصطنعة من المحاكاة تتمثل في خلق الافتراض، ثم الإقناع بقوانينه ومنطقه الخاص، كما فعل المفكر والنّاقد الفرنسي لوسيان غولدمان، وهو يتحدث بصدد التّماسك الذي يوفره المنطق الدّاخلي ـ البنيوي ـ للنص، من أنّ العوالم الفانتازية للحكايات ـ الجنيات مثلا ـ تبدو طبيعيّة ومعقولة، إذا ما توافرت على نمط من القوانين الدّاخليّة الدّقيقة، مما يميزها عن غيرها؛ لأنّ الإبداع لا ينسخ الواقع، بل يبدع كائنات حية داخل عالم يماثل عالمنا الحقيقي، لكنّه يتناسب وطبيعة هذه الكائنات، لذلك يرى أنّه من المستحيل مثلا، أنْ تعيش شخصيات مثل «هاملت» أو «فيدرا»، في مثل هذا العالم، كونها لا تنتمي إلى قوانينه الدّاخلية، وهذا بالتحديد ما أسميه درجة ثالثة للمحاكاة، فإدراك الحقيقة وحدها لا يكفي، والنّزوع نحو الواقع يحدد الإبداع بدرجة مكشوفة القوانين، رغم ما فيه من خيال، بينما الافتراض والاصطناع هو ما يمثل خرقا للقوانين القديمة، والعمل على إنتاج أخرى مغايرة بدرجتها في التّمويه، لتكوين عوالم خاصة تقاطع ببنيتها العالم الحقيقي، من حيث القوانين والخيال والرّؤية وهنا يكمن سرّ الإبداع.
٭ ناقد وأكاديمي عراقي