بيروت – «القدس العربي»:«إرث وطني»، هو باكورة معارض «دار النمر للثقافة والفنون» للعام 2019. هو لقاء عبر الفن مع فلسطين والخرائط الطوبوغرافية، التي خلّفها الإستعمار البريطاني قبل أن يسلم البلاد للإستيطان الصهيوني. تلك الخرائط أنتجها البريطانيون بين 1928 و1947 ولم يكتمل تنفيذها. ومع تسليم فلسطين لعصابات الهاغانا كان الانتداب قد انتج 155 خريطة تغطي أجزاء البلاد الأكثر كثافة سكانية من بئر السبع باتجاه الشمال.
«إرث وطني» هو حصيلة جهود بين «فيزولايزينغ بالستاين» (تصور فلسطين) والفنان مروان رشماوي، الذي اكتسب شهرة واسعة في الفن المعاصر محلياً وعالمياً.
أما العنوان فهو مقتبس من كلمات لجون فردريك سالمون، الذي ترأس لجنة مسح فلسطين بين 1933 و1938 حيث كتب مرة بضرورة التعامل مع «المساحة الطوبوغرافية المتقنة كإرث وطني من الطراز الأول».
كلمات تكتسب منذ سبعة عقود معاني مغايرة تماماً، نظراً لتسليم تلك الأرض وتلك المساحة لصهاينة غزاة، وبات العدد الأكبر من سكانها يبحث عن مساحة لجوء إلى حين العودة للوطن.
في المعرض تجهيزان الأول يتكون من 30 قطعة ثلاثية الأبعاد أعدها الفنان رشماوي من الخرائط الأصلية، ومن البيانات الطوبوغرافية من وكالة ناسا. هي مكعبات شكلت خريطة فلسطين، وبينها إنتشرت نقاط صغيرة بالأبيض تمثل القرى والبلدات التي لازمها أهلها. فيما تمثل السوداء البلدات والقرى التي طرد سكانها منها. وكذلك يحمل حائط كبير خريطة فلسطين بتضاريسها كافة ومناطقها من قرى ومدن وطرق، ثنائية البعد. إلى تجهيزات عدة تساهم في تقديم المعلومة الصحيحة عن الوطن والأرض التي أشاع الصهاينة أنها دون شعب.
وفي المعرض حطّة تصويرية تتدلى في طرف الصالة، تقدم بيانات حول وضع ما يضاهي 530 بلدة وقرية فلسطينية تم إخلاؤها من سكانها خلال النكبة قبل وبعد اقامة دولة اسرائيل عام 1948. لا تزال نسبة 77 بالماية من تلك البلدات والقرى خالية من السكان خلال العقود التي تلت النكبة. وتتميز الخطّة بكونها تحمل مستطيلات، 14 منها كبرى عليها أسماء المحافظات التي تعرضت للتهجير.
أما المستطيلات الثلاثة الصغيرة المتفاوتة تدريجياً بحجمها، فهي تشير إلى نسبة التهجير الذي تعرضت له كل مدينة، بلدة أو قرية. والمستطيل الأصغر يشير إلى رقم تهجير بنسبة أقل من 1000 فلسطيني خلال نكبة 1948. بالسؤال عن تلك الحطّة افدنا أنها هدية من الدكتور سليمان أبو ستة للمعرض، وهي مصنوعة من خيط الحرير وخيط المودال الصناعي.
ماذا عن (تصور فلسطين)؟ جمانة الجابري من المؤسسين تجيب: هو مشروع من «تصور التأثير» المسجلة في كندا، الولايات المتحدة ولبنان. سنة 2011 بدأ فعلياً العمل، نحن مجموعة من تسع أشخاص تعمل من بلدان مختلفة. نهدف كمجموعة لإيصال القصة المعتمدة على بيانات واقعية للرأي العام. الوسائل المستخدمة هي ثلاث: البيانات التي بحوذتنا ومن وسائل مختلفة، نصممها كأدوات مرئية ومن خلال التكنولوجيا وعبر «ويب بلاتفورمز» لنشر عملنا من خلال وسائل حديثة.
المحرك الأساسي لمجموعة التسع أشخاص الناشطين في (تصور فلسطين) أن القصة المعتمَدة، والمعتمِدة على ما تجمعه الأمم المتحدة والبنك الدولي ومجموعات أخرى عالمية تلازم وسائل نصية، ولا تجد من يقرأها. وتضيف الجابري: والحاصل أن الدولة المحتلة تمول معلومات تشوه الواقع الفلسطيني وتصل للقراء بالطرق الحديثة. في الحقيقة ومع بدء الثورة المصرية لمسنا مدى تأثير وسائل التواصل الإجتماعي على جيل الشباب. وهكذا وجدنا أن تقديم موضوع عبر الصور يمكن للشباب أن يتداولوه أكثر من أي نص معمق. ومنذ تأسسنا نعمل للمرة الأولى من خلال معرض «إرث وطني» بطريقة ثلاثية الأبعاد، عبر الإستفادة من خرائط الإنتداب البريطاني الذي وثّق المدن والبلدات الفلسطينية. ركزنا على عشرين مدينة رئيسية في فلسطين، وعبرنا من خلال النقاط عن 1500 مدينة وبلدة. النقاط البيضاء لم يُهجر سكانها بعكس النقاط السوداء خلال نكبة 1948. ويشكل كل من المربعات واحدة من الخرائط التي وثقها البريطانيون.
أحمد باركلي مهندس معماري بريطاني وناشط في مجموعة (تصور فلسطين) كان له دوره الحيوي في انجاز معرض «إرث وطني»، تحدث لـ«القدس العربي» عن أهمية هذا المعرض في توضيح واقع فلسطين المحتلة: هذه الخرائط تظهر للجمهور للمرة الأولى وعبر الأبعاد الثلاثية. وتقدم صورة واقعية لفلسطين ما قبل النكبة. الخريطة الجدارية الثنائية الأبعاد تتضمن كامل طوبوغرافيا فلسطين من جبال، أودية وسهول ومدن وقرى. وتظهر تلك الخريطة المواقع المأهولة قبل النكبة من قبل الفلسطينيين، وكذلك مواقع المستوطنات اليهودية.
وافق الفنان مروان رشماوي على أن مسؤولية ما ألقيت على عاتقه من خلال مشاركته في تقديم «إرث وطني» للجمهور، وقال: كوني فنان فأنا لا أخشى المسؤولية. عادة أستوحي موضوعاتي من مدينة بيروت لأني أعيش فيها منذ زمن طويل. أهتم بالمدنية td حد ذاتها، لجهة دينامية علاقات الناس فيما بينهم في المدن. لأول مرة أعمل كثيراً على الخرائط، لكنها المرة الأولى التي أعمل فيها على خريطة فلسطين بعد تواصل مع (تصور فلسطين) الذين شرحوا لي مدى التفاصيل التي تتضمنها الخرائط التي بحوزتهم. وهكذا حمّسني المشروع. الجميل بالنسبة لي أني ومع إنتهاء العمل على الخرائط الثلاثية الأبعاد بت أعرف فلسطين كما الذين يتقنون القراءة عبر لغة بريل. نعم بت أعرف فلسطين عبر اللمس.