فيلم «بترا بوابة الزمن»… الحكي في الفراغ والدوران حول اللاشيء

أن تصنع فيلما سينمائيا بدون أن تحدد الفكرة الرئيسية والمحتوى والمضمون والهدف، فأنت توفر معطيات الوهم لإقناع المشاهد بأن ما يشاهده هو عمل فني ثقافي فارق، وأن المشكلة تكمن في عدم استيعابه لما جادت به القريحة الإبداعية من رؤى فلسفية وتاريخية عميقة، هي أكبر من مستوى التلقي العادي، وفي هذه القناعة يكون التعالي مبررا واتهام الجمهور بالجهل غطاء للفشل في القدرة على ترجمة الفكرة، التي تم الانطلاق منها لصناعة فيلم ليس في ه من آيات السينما غير التصوير البارع للوحات الجغرافية البديعة الخارجة عن إطار المألوف والمعتاد في الصورة التقليدية.
وحسب الخيط الدرامي الذي حاولنا تتبعه بغير جدوى، لا يمكن اعتبار فيلم بترا بوابة الزمن إبداعا نوعيا يُدرج تحت بند الخيال العلمي لافتقاده لهذه الفرضية التي حاولت الكاتبة مي مسحال الإيهام بها، للخروج من مأزق اللخبطه والتوهان في إثبات صحة ما أرادت إيهامنا به، فجنحت إلى ما ينفي الفكرة بعد فشلها الذريع في إثباتها، وصارت الإشارات والإيحاءات تُفضي إلى معنى آخر مغاير ومختلف هو أقرب إلى التفسير التاريخي للحالة المبهمة عن معالم المنطقة الأثرية الفريدة في صحراء الأردن، وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت بالكاتبة إلى اختيار هذا المكان بالذات ليكون محور الأحداث، فإن ما تم عرضة واستلهامه من المكان لم يُسلمنا إلى أي معنى، سواء أكان تاريخيا أو ميتافيزيقيا أو جغرافيا أو إنسانيا، غير بعض التميز الأثري وهو تميز ليس كافيا لتبرير معاناة الترحال والسفر، وخطورة التصوير في الأماكن الوعرة المليئة بالثعابين والعقارب السامة!

أليس الأجدى أن تكون الدعاية صريحة وواضحة بدون المماحكة في الحالة الروائية المزعومة قسرا، والمفروضة بقوة الإنتاج، رغم الافتقاد الكامل لعناصر الفيلم الروائي الدالة عليه.

وهنا يثور السؤال الإجباري.. إذا كانت المنطقة الجبلية الأثرية قد أخذت بعقل الكاتبة مي مسحال، والمخرج عثمان أبو لبن إلى هذا الحد، فلماذا لم يتم إنجاز فيلم تسجيلي في حدود الرؤية التاريخية للمكان والإغواء السياحي الذي تم التلويح به في العديد من المشاهد؟
أليس الأجدى أن تكون الدعاية صريحة وواضحة بدون المماحكة في الحالة الروائية المزعومة قسرا، والمفروضة بقوة الإنتاج، رغم الافتقاد الكامل لعناصر الفيلم الروائي الدالة عليه.
ولو افترضنا أن هذه النوعية من الأفلام الاستثنائية تمثل حالة فكرية وإبداعية خاصة، ولها من يتعاطاها من الجمهور النوعي أيضا، حسب وجهة نظر البعض، فما هي إمارات الاستثناء في «الحدوتة الملتوتة» عن التاريخ والصحارى والرومانسية والعشق والطبيعة الخشنة والعقارب والثعابين والسحالي والموت الذي تربص بالأبطال الجدد الأبرياء الذين ضللتهم غواية الفرصة الكاذبة وخدعهم وهم الاكتشاف الزائف، وأعماهم عن إدراك الحقيقة المرة التي انجلت بعد عرض الفيلم وتأكدت بشهادة الجمهور، ودلّت على أن الفيلم ليس فيلما والفرصة ليست فرصة، وأن الحكاية من البداية للنهاية مجرد مغامرة ساذجة لم يكن لها أي أثر، سينمائي أو ثقــــافي أو سياحي أو تاريخي، بل يكمن تميزها فقط في أجـــــواء التصـــوير المبهــــرة وزوايا الرؤية وعمــــق الكادر الســــينمائي، أما تلك الدعاوى الوهمية عن المجال الحيوي للأبعاد التاريخية، وخصوصية الفكرة ومحاولة رؤية المستقبل عبر بوابة الزمن، في ضوء الحالة الخيالية الافتراضية، فكلها لم تعدو أكثر من إشارات غامضة ومبتورة لا تفي بالمعنى ولا تمثل ماهية موضوعية لعمل فني يرقى لأن يكون فيلما روائيا طويلا، فهو بالكاد حالة تجريبية متواضعة ظلمت الوجوه الجديدة المشاركة فيها، كريم حسن، وميرنا نور الدين، ومحمد جمال، وزياد يوسف، ونور حافظ، فهم وحدهم من خسروا الفرصة بعد الجمهور الذي خسر ثمن التذكرة!

٭ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية