السيناسردية في كتابة القصة القصيرة: تجربة القاص العراقي جيان مثالا

هل يستطيع كاتب القصة القصيرة أن يحول السرد فيها إلى مسار يقترب من السيناريو؟ وما مدى قابلية القصة القصيرة على تجسيد اللقطة الفيلمية بعين الكاميرا؟
السيناريو فن كتابي به يستطيع القاص أن يطوع الكتابة القصصية، من خلال تحديد زاوية المنظور التي بها يوجه السارد عين الكاميرا وجهة فيلمية، كأن تكون من الأعلى إلى الأسفل، أو من الجانب إلى الجانب أو من الخلف إلى الأمام وبالعكس. ولا فرق في ذلك أن تكون الكتابة السردية رواية أو قصة، أو قصة قصيرة، ما دامت الأحداث قابلة للتجسيد التمثيلي فيلميا، بمجموعة لقطات ومشاهد مدتها الزمنية محددة، والحيز المكاني معروف وزاوية النظر محسوبة بالثواني. وعندها سيمنح السيناريو الإخراج السينمائي نافذة عريضة لمعالجة الحدث الواحد من زوايا مختلفة، حيث كل زاوية تولِّد لقطات جديدة، هي بمجموعها تعبر عن فكرة واحدة تتم معالجتها مونتاجيا. والمسألة الجوهرية في المونتاج أن ترصد العين الناظرة الفكرة التي يراد التعبير عنها من خلال السيناريو، الذي تراعي فيه وحدة الزمان ووحدة المكان في التنظيم الشكلي المتصل بالمناظر وتصوير الحركات. وبقدر ما يتمكن السيناريو من احتواء تفاصيل المشهد؛ فإن الرؤية الإخراجية ستتمكن من تحقيق اللقطة الخالدة التي ستجسد المنظور الجمالي والسينمائي. وقد أطلق جان فرانسوا ليوتار على هذا التمازج الكتابي بين السرد والسينما بالسينماتوغراف، وقصد به التدوين بالحركة (ينظر: «معنى ما بعد الحداثة») بيد أن التلاقي في القصة القصيرة بين الكتابة بعين الكاميرا والكتابة من وجهة نظر سارد عليم، سيجعل القصة تجمع بين الخارج السطحي متمثلا بالسيناريو، والعمق الذهني الذي صار موصوفا ومتحركا بالسرد المتتالي، وهو ما نسميه بـ(السيناسردية) أي أن القاص كالسينارست لا يكتب اللقطة بالحركات وحسب؛ بل إنه يحسب للأضواء والألوان والتأطير والبؤرة والمتتالية والوصلات والمنتجة، حسابا أيضا. وبالشكل الذي يحقق حركية الكلمات عبر الانتظام بينها في شكل مجموعة صور متتالية هي متحركات وصفية، تزاوج السيناريو بالسرد من خلال استجماع مونتاجي لمشاهد تصويرية أو لقطات فيلمية، فيها يكون الملمح التوصيفي دائما ذا شكل ولون وحركة ودلالة، حيث عين الكاميرا تصور الحركات وتسجلها راصدة المشهد من الخارج كشرط للأسلوب السينمائي، بينما عين السارد تلتقط التفاصيل الداخلية بصورة بصرية وحوارية. والسيناسردية أيضا ليست كتابة تسجيلية، لأن إعادة صنع الواقع من زاوية منظور معين هو في الحقيقة، إعادة تمثيل الواقع من خلال لقطات كاميرا بمونتاج زماني ومكاني وليس تسجيلا واقعيا مباشرا.

إن القصة القصيرة عند جيان عبارة عن سيناسردية، فيها عين الكاميرا تحرك اللغة سينمائيا، وهذا ما يستدعي ذاكرة يقظة ترصد كل تفاصيل الواقع بجمالية.

وقد استعمل صلاح فضل مصطلح (سيناريو القص) ذاهبا إلى أن النتيجة من تلاقي القص بالسيناريو هو تسلل الأسلوب السينمائي إلى المشهد السردي بحساسية سينمائية تتوزع فيها اللقطات من ناحية القرب والبعد بانتظام وبحركية سلسة وتلقائية، بدون انتقال مفاجئ أو متعثر «أساليب السرد في الرواية العربية». لكننا نرى أن هذا التسلل لا يكون ما لم يصنع القاص مادة حكائية أولا لتتحول ثانيا إلى لقطة فيلمية، تصور الشخصية وهي تتحرك وتتطور باختزال واقعي ولغة حية حساسة وبمنظور درامي، وهو ما تمكن من ممارسته القاص العراقي جيان في قصصه القصيرة، التي كان قد كتبها في المرحلة الانتقالية ما بين نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، وهي المرحلة التي أُطلق عليها خطأ جيل الوقت الضائع والصحيح (جماعة الوقت الضائع) التي أسسها بعض قصاصي تلك المرحلة ولم يكن جيان واحدا منهم.
إن القصة القصيرة عند جيان عبارة عن سيناسردية، فيها عين الكاميرا تحرك اللغة سينمائيا، وهذا ما يستدعي ذاكرة يقظة ترصد كل تفاصيل الواقع بجمالية. ويتم تطوير الحدث السردي وتحقيق الإثارة الداخلية عبر حركة الكاميرا التي هي أساس عمل السيناريو، مولّدة اللقطات البعيدة والقريبة المقطوعة والمتصلة والمتكررة، التي تجعل القصة القصيرة شريطا فيلميا. وما يجعل قصص جيان أكثر ملاءمة للكتابة السيناسردية هو أن أغلب شخصيات قصصه من المهمشين والمظلومين المأزومين، ومن العجائز والنسوة والأطفال والسياسيين المعارضين والمنفيين والشحاذين والمتسولين والمقعدين والفلاحين.
وفي القصة القصيرة «اللهيب» تعبر السيناسردية عن كفاح الفلاحين ضد ظلم الإقطاع والسلطات التي تمثله، وفيها يتضح التصوير السردي المتحرك، الذي لا يترك موجودا من موجودات المكان إلا يجسده، حتى لو لم تكن له صلة مباشرة بالحدث المسرود، كما في مشهد النسوة وأطفالهن «وهم يحدقون بالحشود على مبنى السراي، ثمة فلاحون استندوا إلى فوهات بنادقهم متكئين عليها وارتفع عواء كلاب كانت تركض.. وكانت بوابات بعض الدور الخشبية.. واختفى ظل امرأة مسرعة عند بوابة»، فالكلب والمرأة لا صلة لهما بالحدث الأساس المتعلق بالحشود والفلاحين لكن سيناسردية المشهد تجعل الكلمات متحركة، كأنها شريط فيلم سينمائي، لا يترك زاوية من زوايا المشهد؛ إلا يعطيها وصفها التصويري الدقيق، ليبدو الأمل معقودا على ثورة يتطلع لها المهمشون، كمنقذ من نير المركزية التي سحقتهم سلطة وهيمنة واستعمارية في إشارة إلى واقع المجتمع العراقي قبل ثورة 1958.

ومن المشاهد التي وُظفت في هذه القصة توظيفا فيلميا المشهد الذي جسّد الفلاح الثائر عـــذافة وهو يتطلع صوب القلعة، إذ تمتـــــد اللحظـــة وعـــين الكامــــيرا، تنقل لنا صمت الحقول وظلال الشمس ولون الجدران وزقزقة العصافير وحركة الهواء وهسهسة الريح ورطوبة الماء. وقد يُعد هذا الوصف مسهبا، لكن الانهمام بتفاصيل المشهد هو الذي يستدعي ذلك الإسهاب، محققا سيناسردية سيعمِّقها المزج المونولوجي بين الفصحى والعامية «كان عذافة يعرف بأعماقه الجلعة لازم تنأخذ»، لكن حين يعود السرد موضوعيا؛ فإن اللغة تستعيد فصاحتها. ولا نجد في هذه الاستعادة للفصحى فجوة بين السارد العليم، وهو يتكلم بالنيابة عن الشخصية، والشخصية وهي تتكلم بنفسها.
وبالسيناسردية تتوضح محاولة القاص الالتزام بمذهب الواقعية الاشتراكية، من خلال انتصار رزيج وعذافة وعسر وهادي على الشرطة، في احتلال القلعة ومن ثم مقتل العريف» ضغط إصبعه بهدوء فدوّت الرصاصة وسقط العريف مضرجا بدمه».
ومثل قصة «اللهيب» قصة «العربة» التي فيها يتم تصوير ما تعانيه امرأة باغتها المخاض وهي في القطار، عبر لقطات تصويرية متتالية تعتمد نظام الوصف التفصيلي الذي يجسد حركة الشخصيات، راسما صورة الوجه والكتفين والأصابع والسيقان، والوجنات والأسنان والشفاه، والعيون والجباه، وحركات اليد والنفس والشعر، والصوت والحنجرة والرقبة والمنكب ولون البشرة. ويسهم الحوار مع استعمال العامية بطريقة منسقة في جعل المونولوج مشهديا لا يترك فراغا، مصوغا بسيناسردية واقعية اشتراكية يجسدها مجيء الوليد إلى الحياة كإيمان بأمل مقبل.

وبالسيناسردية تتوضح محاولة القاص الالتزام بمذهب الواقعية الاشتراكية، من خلال انتصار رزيج وعذافة وعسر وهادي على الشرطة، في احتلال القلعة.

وقد عمل الإيغال في وصف الشخصيات على جعل الواقع ضاجا بالاندفاع الثوري والروح الوثابة لكن حشر بعض العبارات الإنشائية وإقحامها في ختام القصة أخل بعض الشيء بالسيناريو، ومعلوم أن السيناريو ليس دائما خادما للقطة فقد يرتفع بالقص وقد ينحدر به حين يضيع على القاص قياس الرؤية الصانعة للقطة من ناحية الزاوية ودرجة اختيارها.
ورافق التقطيع الصوتي تقطيع صوري في قصة «أيام من الفاجعة» التي فيها السارد العليم معني برسم صورة لامرأة مذعورة بالحرب، تموت برصاصة طائشة بعد أن تجبرها الحشود الغاضبة على الدخول في خضم تلك الحرب، وهي لا تدري أنها في خضمها. ويعمل السيناريو على منح التصوير السردي تهذيبا للحركات في اندفاعها وتكرارها ولونها وشكلها تجاذبها وتنافرها وتماهيها. ويتناغم توظيف الحوارات الخارجية التي تكتب بالعامية مع طبيعة الشخصيات معطية لها مسحة سينمائية صوتية ودلالية حركة وصوتا ولونا، جاعلة القارئ في مواجهة تأثيرية وجها لوجه مع تلك الشخصيات. وهو ما نجده في قصة «سعدون» التي يتخذ فيها الحوار صورة شفهية وهي تبدأ به:
ـ وغداك؟
ـ ما أريد تعبان؟
وبالتوليف والمنتجة يتكون نظام من لقطات فيلمية تهيئ للعين المشهد متحركا في حقل بصري سمعي، وبالسيناريو يصبح التأزم محسوسا، وبه تتوحد أجزاء العمل القصصي، صانعة بناء دراميا وسينمائيا للوالد الذي لا يكترث للآخرين الذين يسبب لهم عمله كمراقب مضايقات، موقفا هذا ومعترضا ذاك، ولهذا سموه نخلة لوقوفه كالعثرة في طريق الرائحين والغادين. وتنفرج الأزمة وكل حركة تحيل إلى أخرى، بلا ركود أو توان لتكون عقوبة الوالد قدرية على سلوكه غير المكترث مع أسرته (الزوجة والابن سعدون).
وفي قصة «أعماق طيبة» تعبر كتابة المونولوجات بلغة فصيحة بعكس لغة الحوار التي تكون عادة بالعامية، عن واقعية نقدية تعنى بالظاهر كعنايتها بالداخل، فتصور عين الكاميرا (خضر) لصا تهمه الأشياء والأجساد مع تفاصيل داخلية وخارجية راصدة القاع وصوره المقززة وهي تواجه الشر بالشر. والزمن بعكس المكان غير مهم.
والمفارقة أن وراء هذا الظاهر الشرير تكمن طيبة خيرة تنتفض داخل اللص وهو ينجد الفتاة المتسولة العمياء، مكيلا اللكمات للرجل البدين الذي أراد بها شرا، حتى كأن قوتي الخير والشر اجتمعتا فيه، فبدا بؤس الفاقة مقرونا بعلو الشهامة وجفاء الطبع بخضرة الفطرة.

لو واصل جيان تطوير القص الخمسيني بهذا الاتجاه لكان قاصا ذا خط سردي خاصز

ومن الأساليب التي بها عضد القاص جيان عمل السارد العليم بعمل الكاميرا، ما استعمله من لازمات سردية توضح دواخل الشخصية ومنها هذه اللازمة في القصة نفسها «مرعشا بين آن وآخر الشعرة السوداء فوق شاربه»، أو «ترتجف الشعرة عند منخري خضر»، أو «واهتزت الشعرة بمنخره بسرعة». ولا يخفى ما في هذه اللازمة من حركة وانفعال، تجعل الصورة السردية كلوحة حية فيها تتزامن لقطات مختلفة لا تصور السطح فقط، بل تغوص في العمق. وعلى الرغم من تفوق جيان في هذا اللون من الكتابة القصصية القصيرة؛ إلا أنه لم يواصل على المنوال نفسه، ليكون في تجربته القصصية أبان الخمسينيات هو غيره في تجربته أبان أعوام الهجرة والمنفى، فلقد غير خطه الواقعي الاشتراكي، الذي حاول أن يبلوره إلى خط واقعي نقدي، ربما بسبب الخيبة السياسية التي أجهزت على ثورة يوليو/تموز التي شهدت مولد تجربة جيان وتلاشيها مع تلاشي الثورة وهذا ما يجعله قاصا تموزيا بامتياز، فلم يعد يكترث للكتابة السيناسردية وتقانات الإدماج الحواري والوصف التفصيلي المحرك لكل جزئيات الصورة الوصفية.
ولو واصل جيان تطوير القص الخمسيني بهذا الاتجاه لكان قاصا ذا خط سردي خاص، ومع ذلك لا نعدم في تجربته اللاحقة بعض التجريب ومنها قصته «من دفتر الصحافي السنة الأخيرة» التي كتبها في التسعينيات على طريقة الشاهد، مستعملا فيها أسماء «جماعة الوقت الضائع» وبحوادث حقيقية مارس فيها دور مؤرخ، فاندمجت ذات المؤلف بذاته الثانية «أصنع رواياتي وصوري الشفهية، أحملها معي من واحة إلى واحة في قفر الصحارى في حيلتنا»، وهي أطول قصة، ويبدو أن موضوعها تجربة حقيقية تتعلق بمعاملة الحصول على جواز من أجل مغادرة الوطن، والمسرودات جميعها نماذج بشرية شكوكية لكنها مبدعة. والمفارقة الفنية أن هذه الشخصيات تتعاهد في السنة الأخيرة على أن تتفارق للأبد، وهو ما حصل فعلا، فقد تباعد أفراد الجماعة وتفرّق شملهم لكن قبل حلول العام الذي قرروا أنهم سيحتفلون بحلوله وهو عام 2000.
ولا غرو أن هذا القاص تميز في تطويع مذهب الواقعية الاشتراكية بطريقة غير قسرية وبتلقائية فنية وهذا ما أعطاه مميزا في السرد كأطروحة خاصة بعد فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري.

٭ أكاديمية عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية