في أحد الملتقيات العلمية وقع خلاف بين أستاذين أحدهما مختص في الأدب الأندلسي، والآخر مترجم، وكلاهما جامعيان حول ترجمة معنى El patio، التي ترجمها المترجم في إحدى الرّوايات بالـ«حوش»، بما لم تقع عليه الموافقة من قبل أستاذ الأدب الإسباني، لأنّ معنى الحوش يختلف كلية عن الباتيو، ويقع قريبا من الزريبة أو شيء من هذا القبيل، وهو ما لا يتوافق مع هندسة البيت الأندلسي، لكن المعماري حسن فتحي استعمل هذا المصطلح «حوش» بما يفي بشرط البيت العربي المفتوح على الدّاخل.
الإيقاع ميزان فن العمارة:
الباتيو فناء منزلي مفتوح على الفضاء تحيط مساحته أقواس، و«الحوش» في الجزائر يختلف معناه من منطقة إلى أخرى، ففي الجنوب مثلا يعطي تقريبا معنى الباتيو نفسه، بينما في مناطق أخرى معناه سلبي. فالهندسة المعمارية تقوم على هذه الثقافة التي تحكم الذوق أولا، الذي لا يجعل الأشياء شتاتا، بل يجمعها إلى بعضها لكي تمنحنا في الأخير صورة البناء داخل الفضاء الاجتماعي المتحرّك، ضمن الواقع التاريخي، وهذا ما تشير إليه المعمارية العالمية عراقية الأصل زها حديد حين تقول: اعتقد أنّ التباين جميل، لأنّ التاريخ مصنوع من طبقات عدّة، أنا أعتقد أنّ فكرة الحداثة الجديدة، لا تقتصر على وجود أشياء متطابقة في صورة وحدة، إنّما هي عبارة عن عدّة أشياء مختلفة تجتمع في آن»، ولعل أهم ما تتحدّث عنه زها حديد هو التجانس الذي يجمع المتعدّد وليس التطابق، بمعنى أنّ الفكرة في تصميم البيت لا تعود إلى مقدار ضخامته وتمجيده للقيم المتصلة بالراهن، بقدر ما يرتعش تصوّره في عمق المعماري/الفنّان، ومن ثمّة لا يخرج إلى العلن هكذا كما نراه في انهماك المعماري على طاولته خطوطا ومساطر وأقلاما وأوراقا، الهندسة ليست هذا في شيء، إنّها معاناة المعماري في تمثّل البيت وفق فنّية الخط الذي ينسحب من دواخله ليصمّم فضاء من حلم، وإلا ما كانت فلسفة البناء تنشأ عند المعماري العالمي حسن فتحي انطلاقا من بساطة عمارة الفقراء، فالخط عند المعماري ليس هو الدّرس الهندسي، ولكنّه القيمة المتماهية في شخص المعماري، التي تعطي للإيقاع في مضمون العمارة بعدا يجمع النسب والفراغات.
يستنطق المعماري الجزائري المغترب سليمان نهاري جمالية الإنصات إلى التاريخ: «قليل من الشعر، لنستمع إلى المتنبي في طموحه الكبير»، لقاء الشعر بالحس المعماري لديه ليس غريبا لأنّ الإيقاع هو مادة الفنون.
الهندسة الكونية / المستقيمات غير المنظورة:
يذكر الناقد صلاح فضل في كتابه «عين النقد/ سيرة فكرية» أنّه بعد عودته من إسبانيا التي مكث فيها خمسة عشر عاما، أراد بناء بيت يستجيب لمقوّمات المعمار الأندلسي، ويقول: «وكم كانت صدمتي عندما اضطرّ إلى تغيير التصميم جذريا بإلغاء الباتيو»، ويردف قائلا: «ووعدني قريبي أن يحافظ على الطابع الأندلسي في غير ذلك». يتحدّث هنا عن المهندس، وحسرة صلاح فضل على فقدان الباتيو في بيته يؤكّد أنّ المعمار ثقافة وتاريخ يعيشان في نفس إنسان يرنو على الدّوام إلى تحقيقهما على أرض الواقع، والعلاقة بين الباتيو والإنسان العربي هي علاقة الفضاء المفتوح على السماء، أي ذلك النمط من المعيش الذي يحرّر الذات من عوائق الأرض ويربطها بارتقاء المطلق، والباتيو كفضاء يعدّ من عناصر البيت الداخلية، والداخلة في تكوينه، هو ليس الحديقة التي تحيط المنزل، بما يعني التماثل التكويني بين البيت وعراء المكان التاريخي، وبين الجسد والانطلاق في مغامرة الحرّية، ولهذا نجد حسن فتحي يسكن بيتا من العصر المملوكي في درب اللبانة، وتتمسّك المعمارية زها حديد بالتجانس الذي لا يقصي العتيق، بل يضعه في تعدّد النمط العمراني كمحاولة لاستبقاء النَّفَس الهندسي التاريخي الذي تشرّبته في العراق ممتدا في وجوديتها الكونية، رغم أنّها كانت تسكن بيتا حداثيا بامتياز، وترتسم هذه العلاقة شعريا بمنظار نزار قباني، حينما يرى أنّ العرب دخلوا الأندلس عاشقين لا فاتحين، «بمحبّة دخل العرب إسبانيا، وبمحبّة خرجوا منها تاركين دموعهم في نوافير الماء في حدائق جنّات العريف في غرناطة، وحنينهم نقوشا من الذّهب على جدران قصر الحمراء وسقوفه وأقواسه الرّائعة». العمارة إن خلت من المحبّة والحنين فرغت من فلسفتها كتعبير فني هندسي عن جوهر الخط الذي ليس هو المستقيم، بل هو ذلك النغم الذي يربط العمق الإنساني لدى المعماري ببانوراما محطات النقطة التي تشكل قبّة الكون، فهو يستلهم طاقاته الإبداعية من علاقته الوطيدة بالفراغ والمستقيمات غير المنظورة الموصلة إلى الهندسة الكونية الخارقة والعملاقة التي لا تؤدي في نهاية المطاف سوى إلى الخالق الجليل.
بنية المعمار/ فلسفة البناء:
تتأسّس العراقية مها الألوسي كمعمارية تهدي الوقت، إنّها تمنح الأشياء وقتها في الإنجاز، وتلغي السرعة من حساباتها، وفلسفة البناء التي تنطلق من تراث ثقافي، تشتغل ضمن مفهوم الزمن كبنية للتمرين على مشاهدة العمل وهو ينمو كما لو كان عضوا في الجسد، بل ويعتبر استمرارا له على أساس أنّ الجسد هو ما يتفاعل مع البناء حلولا في مساحته، وهو ما يؤنسن العمارة باعتبار تطورهاّ من العراء إلى الكهف بنقوشه الفنّية إلى المدينة ببيوتاتها الحداثية، لكن فترة العراء والكهفية لا يمكن أن تغادر الوعي الهندسي باعتبارها الحاضن لعلاقة النّهائي باللانهائي. الكهف البدائي وسّع من نظرة الإنسان إلى البعد الجمالي والنفسي في فكرة البناء، ومنه تشرّب المعماري كإنسان وفنّان موضوع البناء كحالة إنسانية تاريخية متعالقة مع البعد الكوني في استكشاف فكرة الزمن كمرجعية توافقٍ بين الإنسان والبناء كمادّة تعكس عمق المصمّم/الباني، ولهذا تعتبر أجزاء البيت كعتبات تفتحه على التدرّج الزمني في التوافق الاجتماعي، ففكرة الممر أو الفناء الخارجي تمنح الزائر فرصة لكسر الحاجز النفسي، أو تفتيت جدار الغربة وامتلاك لحظة الاستئناس باعتبار المسافة الفاصلة بين البيت وداخله، تماما كما كانت القصور القديمة لا تفصل البيوتات بجدران خاصة، بل تجعل الفاصل جدارا واحدا يقتسمه كلا الجارين، وحتى السطوح لم تكن مفصولة بجدران عالية، وإنّما كان طول الجدار لا يتعدّى الصدر لأنّه لا يمثل الحد بل الاستمرار والتواصل، وهو ما يعيدنا إلى الجسد الواحد الذي لا ترتسم الأعضاء فيه كحدود بل كعوامل تواصلية وتكاملية تؤدي مهمّة الجسد الواحد.
فوضى الخطوط / المعماري لا يسكن تصاميمه:
يستنطق المعماري الجزائري المغترب سليمان نهاري جمالية الإنصات إلى التاريخ: «قليل من الشعر، لنستمع إلى المتنبي في طموحه الكبير»، لقاء الشعر بالحس المعماري لديه ليس غريبا لأنّ الإيقاع هو مادة الفنون. تحفل الثقافة العربية بما يوفّر للمعماري العربي الجانب الثقافي الذي تقوم عليه فكرة التواصل الرّوحي مع الفراغ الهندسي كجزء لا مرئي، كالتماثل بين بيت الشِّعر وبيت الشَّعر، فالانتقال من القصيدة كفضاء للثقافي إلى الخيمة كفضاء للمعيش، يكشف ثقافية البناء القائمة في جدل المعنى والمبنى، الظاهر والباطن، والمعماري باستلهامه هذه العلاقة إنّما يقترب من تنظيم فوضى الخطوط في حياته وخياله، ومساره الوجودي والوظيفي، ولهذا فهو يقرأ الخط ليس كمستقيم، بل كمعنى، وتكريس المعنى الهندسي القائم في الخط، ووعي الخط القائم في مخيال المعماري يجعل منه حالة تستعيض اللامرئي بالمرئي، لأنّ متعة المعماري/ الفنّان أن يرى أحلامه الهندسية في فرح الآخرين، فمشاريعه تتحقق بفوضاها الجمالية الداخلية في واقع الآخرين وليس في واقعه هو، لأنّه متعدّد ومستمر في إنتاج المخيال الهندسي، ولا يستطيع أن يجعل المستمر في تعدّده مفردا، لأنّ في ذلك اختزال لمخياله، ولهذا فهو لا يسكن تصاميمه إلا نادرا.
٭ كاتب جزائري