القاهرة ــ «القدس العربي»: «معضلة النصوص الدينية لكافة الأديان أنها كُتبت في مرحلة كان المجتمع بلا مؤسسات، والسلطة بلا قوانين، والمعرفة بلا مناهج، واللغة بلا قواعد. وبالتالي طبيعي أن تبدو تلك النصوص اليوم قاصرة عن إنتاج أي نظام قيمي أو معرفي فعّال، بقدر ما تبدو للبعض أنها قابلة لكل التأويلات والتفسيرات مهما بدت متناقضة» (الحداثة والقرآن).
يثير كتاب «الحداثة والقرآن» للكاتب والباحث المغربي سعيد ناشيد العديد من الأسئلة المؤرقة، التي ترتبط دوماً بالحالة التي نحن عليها الآن، من تراجع وتخبّط فكري، رغم محاولات البعض للكشف عن الأزمة ومحاولة تجاوزها، إلا أن هذه المحاولات تجد لها دوماً جيشاً من المتربصين، ومَن يحمونهم، وهم في الأغلب سلطة سياسية لا تريد أي أفكار تحاول النبش أو الكشف عن سبب المأساة. كما أن فكرة التحاور حول (المقدس) وماهيته ــ بداية من التأسيس وحتى الآن ـ محفوفة دوماً بمخاطر جمّة، أصابت أصحابها، ما بين النفي والتكفير، وصولاً إلى القتل، باسم هذا الموسوم بالـ(المقدس). ورغم محاولة العديد من مفكري عصرنا عقد هدنة بين النص والواقع، كما جاء في التأويلات العقلانية التي قام بها على سبيل المثال كل من الجابري وشحرور، أو محاولة أكثر حدة كما فعل أركون، إلا أن كل هذه المحاولات والتأويلات لا تعدو تهويماً والتفافاً على أساس المشكلة.
يبدأ عنوان الكتاب بالحداثة أولاً قبل القرآن، وهو ما يوضح الفكرة منذ البداية ووجهة النظر التي ستتناول أمر هذا الكتاب، فالرؤية الحداثية ــ العقلية ــ هي الحاكمة للقضايا التي ستتم مناقشتها تباعاً. هذا التناقض في العنوان يوضح مدى الأزمة التي نعيشها.
يحتل الوحي موقعاً مركزياً في الأديان ونصوصها الدينية، وينسب إلى جميع الأنبياء أن الله كان يوحي إليهم، وأن هذا الوحي المترجم على لسان النبي هو كلام الله المنزل الذي لا يأتيه الباطل.
ما القرآن؟
يبدو التساؤل على بساطته أو بدهيته بالنسبة للكثيرين أكثر تعقيداً وإثارة للمشكلات، فهل هو الوحي؟ أم القرآن المحمدي، وهو ما تمت ترجمته على لسان نبي الإسلام إلى كلمات موحية ودالة؟ فليس الله تعالى مثلاً هو الذي قال حرفيا «ويل لكل همزة لمزة»، كما وردت في القرآن المحمدي، لكن مثل هذا الأسلوب يظل الصياغة اللغوية التي اختارها رسول الإسلام للتعبير عن إشارات الوحي كما تمثلها هو، أم هو المصحف العثماني، هذا الذي بين أيدينا الآن؟ ويرى ناشيد أنه لا يمكن التعامل مع القرآن الآن إلا من خلال (المصحف) الشكل الأخير المُستقر، بعد تحويل الشفاهي ــ كلام نبي الإسلام ــ إلى المكتوب، مع ملاحظة أنه ليس كل المكتوب أيضاً، فمعركة المصاحف وأصحابها معروفة، حتى استوى الأمر في ما يُسمى المصحف العثماني، ذلك رغم كون النسخة الأصلية لا تزال مفقودة، وما بين أيدينا الآن نسخة تمت إعادة كتابتها عقب تقعيد اللغة والكتابة والخط، وعلى الأرجح في زمن خلافة عبد الملك بن مروان. ومنه .. كيف يمكن للكتاب الذي يُناقش الثوابت الإيمانية والخاصة بين الفرد وخالقه، بأن يصبح متداخلاً ومتدخلاً في كل تفاصيل الحياة ــ الحياة على شاكلتها الآن ــ مع ملاحظة أن آيات المعاملات وما شابه، جاءت من خلال أسباب.
أسباب النزول ــ ومشكلات خاصة بالمجتمع العربي منذ ما يُقارب القرن ونصف القرن، وكيف يمكن الربط ما بين نص مطلق ــ كما يدّعي أصحابه ــ وقضايا نسبية تتغير بمرور الزمن؟ وكيف يمكن أن تكون القداسة؟ يؤكد ناشيد أن الكمال للخالق وليس المخلوق، والقرآن مخلوق، وبما أنه كذلك، فكل النواقص يمكنها أن تعتوره شأنه شأن باقي المخلوقات. فهو نص كُتب بلغة بشرية، خطاب يعكس في مضمونه مضامين القِدم، وقيم العالم ما قبل ظهور المؤسسات.
ما الوحي؟
يحتل الوحي موقعاً مركزياً في الأديان ونصوصها الدينية، وينسب إلى جميع الأنبياء أن الله كان يوحي إليهم، وأن هذا الوحي المترجم على لسان النبي هو كلام الله المنزل الذي لا يأتيه الباطل. صحيح أن القرآن وحي إلهي فعلاً ورباني فعلاً وسماوي فعلاً، لكنه ليس كلام الله أبداً. فالوحي عند نبي الإسلام كان تعبيراً عن قوة تخييلية تمتع بها كما تمتع بها أنبياء من قبله. جميع الرسل تميزوا بقوة الخيال، وكل اختلاف في الشرائع يعود إلى اختلاف خصال الأنبياء، لأن كل شريعة متناسبة مع طبيعة النبي المبعوث بها. هذا الأمر بدوره يمكن أن يُفسر الكثير من المعضلات التي يعانيها فقهاء ورجال الدين اليوم، فكيف يمكن الحديث عن آيات المحبة والتسامح وقبول الآخر، وبين آيات الجهاد والقتال؟ يرى ناشيد أن «التحريض القرآني على القتل والقتال، أيا كانت مسوغاته ومبرراته، لا يعكس (وجهة نظر الله)، وإنما يعكس أثر شخصية الرسول في تأويل الوحي الإلهي… المفاهيم القتالية الواردة في النص القرآني هي مجرد تدابير فرعية تخص بيئة الرسول وتناسب عنف ما قبل الدولة. إنّ آيات الدعوة إلى القتل والقتال في القرآن لا تمثل أي قانون مقدس أو تشريع إلهي، بل هي مجرد توصيات فرعية تناسب ثقافة الرسول». فالنص القرآني في الأخير ليس نصاً مكتوباً في لوحٍ محفوظ، بل هو خطاب لغوي وبشري للوحي الرباني، عبّر به (النبي) عن واقعه ومجتمعه «فما معنى عبارة (الله أكبر) إن لم تكن تعني أن الله أكبر من كل الكلمات والأشياء، وأكبر من التراث والأصحاح والمصاحف، وأكبر من مكتسبات السلف خيرها وشرها».