في أول تقييم رسمي روسي على شن الجيش الإسرائيلي غارات على سوريا في 20 و21 كانون الأول/يناير الحالي، قالت الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في مؤتمرها الصحافي الأسبوعي الأربعاء الماضي “إن موسكو لا تغير موقفها من هذه القضية، والقائم على أساس مبادئ القانون الدولي”. وأكدت ضرورة “استبعاد شن الغارات التعسفية على أراضي دولة ذات سيادة” في إشارة إلى سوريا. ووفق تقدير موسكو “أن تصعيد أجواء العداوة في المنطقة لن يستجيب للمصالح الوطنية طويلة الأمد لأي دولة من دول الشرق الأوسط بما في ذلك إسرائيل”. وشددت على أنه “لا يجوز تحويل سوريا، التي عانت على مدى طويل من النزاع المسلح، إلى ساحة لتسوية الحسابات الجيوسياسية” في تلميح على ما يبدو إلى المجابهة الإسرائيلية الإيرانية هناك، وحثت الجميع على “التفكير مليا في العواقب المحتملة من إثارة جولة جديدة من الفوضى في الشرق الأوسط”.
وكانت وزارة الدفاع الروسية سارعت بعقد إحاطة صحافية فور انتهاء الغارات، واكتفت خلالها من دون تقييمها، بالإشارة إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي شن ثلاث غارات في الغرب والجنوب الغربي والجنوب”. وحسب معطياتها فإن الغارات أسفرت عن قتل 4 جنود سوريين وإصابة 6 آخرين، كما تضررت البنية التحتية لمطار دمشق الدولي. ووفقا للجيش الروسي فقد قامت وحدات الدفاع الجوي السورية بتدمير أكثر من 30 صاروخ كروز إسرائيليا وقنابل موجهة في سياق صد الهجوم.
واللافت إن إسرائيل شنت غاراتها على سوريا بعد 3 أيام من اختتام وفد روسي عسكري رفيع المستوى زيارة لإسرائيل. ووفقا لوكالة أنباء “نوفستي” والمصادر الإسرائيلية فقد زار وفد من الجيش الروسي رفيع المستوى تل أبيب الأسبوع قبل الماضي، وأجرى سلسلة من اجتماعات العمل في إسرائيل حول التنسيق في سوريا. كما تطرقت المباحثات إلى تحسين آلية منع الاحتكاك بين جيشي البلدين في سوريا، ونوقشت كذلك إجراءات جيش الدفاع الإسرائيلي ضد ترسيخ إيران مواقعها في سوريا ونقل الأسلحة إلى حزب الله الشيعي اللبناني. وقال الجانب الإسرائيلي إن الطرفين توصلا إلى تفاهم. ويذكر إن هذه أول زيارة يقوم بها ممثلو وزارة الدفاع الروسية إلى تل أبيب، بعد الهجوم الإسرائيلي في أجواء اللاذقية، حين أسقطت الدفاعات الجوية السورية بالخطأ طائرة روسية وألقت موسكو مسؤولية الحادث على الجانب الإسرائيلي، وردت عليه بتسليم أنظمة أس ـ 300 المضادة للطائرة إلى سوريا.
ولفت المراقب السياسي لصحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” إلى إن أيا من التقارير عن الهجمات الجوية الإسرائيلية في سوريا لم يذكر استخدام منظومة أس ـ 300 من قبل الدفاع الجوي السوري. وأعاد إلى الأذهان أن المؤسسة العسكرية الروسية سلمت دمشق في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي ما مجموعه 49 وحدة من هذه الأنظمة، ومكوناتها الأساسية. وأعلن كذلك إن إعداد المعدات السورية سيستغرق 3 أشهر. وذكر بأنه تم تعزيز قوة الدفاع الجوي، وإدراج أنظمة الحرب الإلكترونية، ونقل معدات إضافية إلى سوريا. وعلى قول المراقب السياسي: “وبالمحصلة، ووفقا لوزارة الدفاع الروسية، فقد فرضت السيطرة على المنطقة القريبة التي تصل إلى 50 كم والمنطقة البعيدة: الاتجاه الرئيسي الذي يتم الدخول منه إلى الأراضي السورية ـ 200 متر”. وأفادت التقارير حينها انه وبحلول 20 تشرين الأول/ أكتوبر سيتم الانتهاء من العمل على إنشاء نظام موحد للدفاع الجوي في سوريا. ولاحظ بأن ثلاثة أشهر قد مضت منذ ذلك التاريخ، ولا توجد معلومات حول نظام الدفاع الجوي أس ـ 300 الذي تم نقله إلى دمشق. علاوة على ذلك، من غير الواضح، هل يعمل نظام القيادة والتحكم الموحد للدفاعات الجوية في سوريا، الموعود به؟
ووفقا للمعلومات غير الرسمية المتاحة لصحيفة ” كوميرسانت” فإن الوحدات السورية ليست جاهزة بعد لاستعمال أس ـ 300 لأنها لم تجر التدريبات الكافية عليها. وأكثر الاحتمالات تفاؤلا ترى إمكانية استخدامها بداية اذار/مارس المقبل. ووفق معطيات “كوميرسانت” “حينها فقط يمكن نشر وحدة في قاعدة تي ـ 4 التي تتيح تغطية أجواء دمشق”. وحسب معلومات الصحيفة إن “خط رد فعل روسيا على الهجمات الإسرائيلية في سوريا، لن يتغير. وسيتغير فقط في حالة الهجمات على المواقع التي يتواجد فيها مستشارون عسكريون روس”. وقال خبراء عسكريون إن روسيا تتجنب المواجهة مع إسرائيل، وتدرج غاراتها على سوريا في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين وبين إسرائيل وإيران. ويرون أن الغارات الجديدة على سوريا جاءت في إطار الاستراتيجية الجديدة التي تبنتها إسرائيل، والتي تتجلى في أنها لم تعد تتستر على وقوفها وراء الغارات وتتحدث عنها بشكل علني وتجاهر بأن هدفها بالأساس هو القضاء على الوجود الإيراني في سوريا، كما أنها استخدمت فيها أنواعا جديدة من الصواريخ التي لا يمكن أن تخطئ الهدف، ومارست تكتيكا تمكنت من خلاله الكشف عن مواقع الدفاع الجوي السوري وكشفت بالأقمار الاصطناعية مستودعات الصواريخ. ويمكن أن تكون الاستراتيجية الجديدة لإسرائيل مرتبطة بانتخابات الكنيست التي ستجري في ربيع العام الحالي. وتنم تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن انه قرر أن يلعب “البطاقة الإيرانية” في السباق الانتخابي.
كما أن الهجوم الصاروخي الأخير كشف خطأ حسابات الجميع. حيث كانت إسرائيل مقتنعة بأن دفاعها الجوي فعال ويمكنه أن يتصدى للضربات المتطورة عالية التقنية، فيما كان السوريون بحالة ابتهاج بالنجاح. ولكن اتضح لهم أن العدو يعرف أيضا كيفية التصرف في الوقت المناسب مع الوضع المتغير والبحث عن طرق جديدة لضرب الأهداف. وفي المرة المقبلة قد تعجز الدفاعات الجوية عن تأدية مهامها خاصة إذا لم تهب روسيا للمساعدة، فثمة إدراك بأن موارد سوريا متواضعة للغاية لتتمكن من الانتقام من إسرائيل. وأدركت إيران انعدام القدرة على زيادة قواتها في سوريا لتكون قادرة على إنزال ضربة بإسرائيل. وفي ظل هكذا حالة لم يبق أمام دمشق وطهران سوى الاستماع إلى موسكو، وأن لا تُتَخذا إجراءات راديكالية مستقلة من دون موافقة روسيا.
ورجح المراقب العسكري فلاديمير شيرباكوف أن سوريا قادرة على تنفيذ تهديداتها بقصف مطار تل أبيب. وذكر ان الجنرالات السوريين استلموا من حلفائهم ـ موسكو وإيران ـ أسلحة حديثة قادرة عند استخدامها بصورة صحيحة على اختراق الدفاعات الإسرائيلية، موضحا إن “الكلام يدور بالدرجة الأولى عن الأسلحة الروسية، المعروفة لحد الآن بأنها الأفضل في العالم”. ومن بين تلك الأسلحة أشار إلى صواريخ باستيون التي لا تتمكن الدفاعات الجوية التي لدى إسرائيل من اعتراضها، فضلا عن صواريخ توراندو ـ أس. ويمكن أن تطول هذه الصواريخ مطار تل أبيب عند مرابطتها على الحدود مع إسرائيل أو قصف مطار حيفا.