خواكين روذريغو المؤلف الأعمى البصير

بشار عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

لعل بيتهوفن (1770-1827) أشهر موسيقار عانى من إعاقة أو حالة مرضية ما، فتغلب عليها واستمر في الابتكار والعطاء وكأن صممه لم يكن. لكن تاريخ الموسيقى يزخر بأمثلة عديدة لموسيقيين، من مؤلفين وعازفين ومغنين، تفوقوا على أمراض وإصابات وتشويهات جراء حوادث شتى. فهناك المؤلف الجيكي بدرخ سميتانا (1824-1884) الذي أصابته أمراض عدة في كهولته، وكان أشدها تأثيراً عليه كمؤلف عارض الطنين الذي خلده في الحركة الرابعة والأخيرة من الرباعي الوتري الأول، الذي أسماه “من حياتي” فجعل الجمهور يصغي للحظات ويتألم معه إلى ما كان يخال له أنه يسمعه على مدار الساعة.

وهناك أيضاً من معاصرينا مغني التينور الإيطالي الضرير أندريا بوجلي، من مواليد 1958، الذي عانى من المياه الزرقاء الخلقية وفقد بصره تماماً في سن الثانية عشرة إثر حادث وهو يلعب كرة القدم، لكن ذلك لم يمنعه من تعلم الموسيقى وصقل صوته وتسجيل اثنتي عشر اسطوانة يحاكي فيها نمط الموسيقى الرائجة من خلال الموسيقى الكلاسية. وقد فاز عدد من تلك الاسطوانات بعدة جوائز قيمة، منها جائزة الاسطوانة المجوهرة لقاء بيع ما ينوف عن خمسين مليون نسخة من تسجيله الأول في 2000.

أما مؤلفنا، خواكين روذريغو (1901-1999) فقد تجاوز كلاً ممن تقدم من المعوقين الموهوبين على صعيدين: فهو وإن وُلد صحيح الجسم، فقد شاء القدر أن يفقد بصره كلياً في الثالثة جراء إصابته بمرض الخناق، أو الدفتريا، ما حتم عليه أن يتعلم القراءة والكتابة حسب نظام لُوي بريل (1809-1852)، ومن ثم التدوين والإملاء الموسيقيين، شأنهما شأن الهارموني أي تناغم الأصوات المتعددة والكاونتربوينت أي تناسج الأصوات المتعددة كي يرتقي إلى دراسة التأليف الموسيقي في عقده الثالث. وعدا عن أستاذه في الموسيقى في بالنثيا أو بلنسية، كما خط اسمها الأندلسيون جنوب مسقط رأسه، سارغُندو، بحوالي ثلاثين كيلومتراً، فقد حظي روذريغو بدراسة التأليف الموسيقي في باريس على يد المؤلف الفرنسي، بول دُوكا (1865-1935)، صاحب قطعة للأوركسترا بعنوان “تلميذ الساحر” التي اشتهرت في شريط دزني السينمائي بعنوان “فانتازيا” 1940.

أما الصعيد الثاني الذي تجاوز فيه روذريغو الآخرين من المؤلفين المعوقين اللامعين فهو في اختياره الجيتار وتصميمه على اعتماده على قدم المساواة مع غيره من الآلات الموسيقية بوصفه الآلة التي تحمل في أوتارها روح إسبانيا، وفي خشبها التاريخ العاصف لذلك البلد، بحلوه ومره. إذ اتسم ذلك التاريخ لا بتلاقح الثقافات في عصر الأندلس الذهبي وحسب، بل شابهُ الكثير من المرارة في قرون محاكم التفتيش الكبرى الإسبانية (1478-1834) التي كان قد أمر بها الملك فيردناند الثاني (1452-1516) وزوجته الملكة إيزابيلا الأولى (1451-1505)، وهما العاهلان اللذان أرسلا كريستوفرو كولومبو (1451-1506) إلى جزيرة السلحفاة كما أسماها سكانها الأصليون من العرق الأحمر كي يستعمر العالم الجديد باسمهما. وثمة الطاغية فرانثيسكو فرانكو (1892-1975) الفاشي الذي أبقى إسبانيا خارج الإجماع العالمي لما يناهز أربعة عقود منذ اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) حتى مماته في العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 1975 وعودة الملكية في شخص خوان كارلوس الأول (1938-) بعد ذلك بيومين.

لكن روذريغو رأى أن دوره لا يكمن في أن يدلي بالتصريحات الطنانة كي يعلن عن عدم رضاه على ما يجري في وطنه، بل في كتابة المؤلفات بغية تقديم وجه إسبانيا المشرق إلى العالم في حلة جديدة. فراح يكتب ما يزيد على مئة قطعة لجوقتي العزف والغناء ولموسيقى الصالة في تشكيلات متنوعة ولآلات منفردة كذلك، لكنه أغدق على الغيتار قطعاً مغرقة في الشاعرية والعذوبة، تفيض بالألحان الخلابة التي لا تلبث إلا أن تدخل القلب والذاكرة دون استئذان فتظل تُستعاد على مدى سنين العمر. وكان منها قطع للعزف على انفراد وتلك التي خصصها للغيتار المنفرد، أو لأكثر من غيتار واحد، بالاشتراك مع آخرين في تشكيلات متنوعة، ومنها الفرق السمفونية التي حدد حجمها كي لا تطغى على أوتار الغيتار الخافتة نسبة إلى آلات الأوركسترا، فنجح نجاحاً باهراً في أن يجعل من الغيتار آلة عالمية ذات شأن. كما أوجد لها بفضل سحر ألحانه حضوراً كبيراً في أشرطة السينما ومسلسلات التلفزة والمذياع وفي الدعايات المسموعة والمرئية، فكادت أن تُسمع من به صممُ بعد أن كانت مهملة، تكاد تكون مكتبة القطع المكتوبة لها خصيصاً فارغة، ويكاد لا يعانقها للعزف إلا من كانت مهنته تسلية رواد الحانات في آخر الليل وحسب.

فإلى جانب “الكونجيرتو الأندلسي” (1967) لأربعة غيتارات وأوركسترا الصالة أي بزوج من كل من آلات النفخ: الفلوت والأوبو والكلارنيت والبسون والهورن الفرنسي والترمبيت (دون الترومبون والتوبا وآلات الإيقاع) بالإضافة إلى خماسيي الوتريات المعتادة (كمان أول وثانٍ، وفيولا، وفيولونجلو، وكونتراباص) و”كونجيرتو المادريجال” (1966) لغيتارين وأوركسترا الصالة كذلك، هناك “فنتازيا لرجل نبيل” (1954) وهي مهداة لعازف الغيتار الإسباني، آندريس سيغوفيا (1893-1987)، وهو المقصود في العنوان للغيتار المنفرد وأوركسترا مصغرة تتكون من خماسيي الوتريات المعتادة، بالإضافة إلى خمس آلات نفخ وحسب. وتقع هذه القطعة في المرتبة الثانية على صعيد الشعبية بعد “كونجيرتو آرانخويث” (1939) نسبة إلى حدائق القصر الملكي الربيعي الباذخة الجمال على بعد حوالي خمسين كيلومتراً جنوبي قلب مدريد التي تعد من أشهر القطع الكلاسية قاطبة!

وتقع الفنتازيا في أربع حركات ترتكز على ست رقصات للمؤلف الإسباني غاسبار سانز (1640-1710) من مجلد بثلاثة أجزاء صدرت في 1674 و1675 و1697 لغيتار الباروك المنفرد، فأدخل روذريغو أول رقصتين في الحركة الأولى، ثم الرقصتين التاليتين في الحركة الثانية، كي يُفرد لكل من الحركتين الباقيتين رقصة واحدة “رقصة الفؤوس” و”كناريو” وهذه الرقصة في الحركة الأخيرة كانت قد نشأت في جزر الكناري التابعة لإسبانيا، غربي ساحل المغرب الجنوبي. كما اعتمد روذريغو نظام الدعوة والإجابة، أي أن يقدم عازف، أو عازفة، الغيتار مازورتين من الرقصة الأولى فتجيبه الأوركسترا، أو بعض عازفيها، فتنوع أو تعلق أو تتعمق في تلك المادة الموسيقية، فلا يلبث حتى يعيد الكرة. ثم يفسح روذريغو المجال لعازف الغيتار كي يستعرض مهارته على آلته، وبهذا يتجنب أن تطغى الأوركسترا على الغيتار.

أما “كونجيرتو آرانخويث” المهدى لعازف الغيتار والمؤلف الإسباني ريغينو ساينز ده لا ماثا، فيقع في ثلاث حركات، سريع، بطيء، سريع، ويتبع في ذلك نظام الكونجيرتوات الكلاسي بريشة هايدن (1732-1809) وموتسارت وبيتهوفن ومن أسس لهم، لكن بفوارق شتى. فبحسب رودريغو فإن الحركة الأولى “تنعشها روح وقوة إيقاعية لا تسمح لأي من اللحنين أن يقطع عليها الطريق”. وتمثل الحركة الثانية “حواراً بين الغيتار وعدة آلات منفردة في الأوركسترا (مثل الهورن الإنكليزي، والبسون، والأوبو، والهورن الفرنسي، إلخ)، بينما تعيد الحركة الأخيرة إلى الأذهان رقصة بلاط ملكي حيث يتناوب الإيقاع الثنائي والثلاثي على مدار الحركة، ما يشد المستمع حتى المازورة الأخيرة منها”. كما علق على الكونجيرتو ككل على أنه “يصف عطر شجرة المغنوليا، وغناء الطيور، وتدفق مياه النوافير” في حدائق آرانخويث.

وتتسم مؤلفات روذريغو بالمباشرة والسلاسة، إذ ليس من داعٍ لتعقيد الكتابة ما دامت صياغة الفكرة واضحة للمستمع، فهو يؤمن بأن أسرع الطرق إلى قلب الإنسان أقصرها. لذا فإننا نجد نظام الدعوة والإجابة، كما أسلفت، أو شكل الأغنية ثلاثي الأجزاء (أي أ-ب-أ محورة) وقد صار مخططها أساساً للرقصات التي لطالما أحيت أمسيات إسبانيا ولياليها. وليس على القارئ سوى أن يشاهد شريط فيديو على اليوتيوب لرقصات الفلامنكو كي يلمس مدى تعلق أهل إسبانيا بالرقص والموسيقى، وبالإيقاع والغناء.

وقد التزم روذريغو وزوجته، فكتوريا وهي عازفة بيانو تركية الأصل كانت زميلة روذريغو في باريس أيام الدراسة، الصمت لفترة طويلة حيال التأويلات التي انتشرت بخصوص الحركة الثانية الزاخرة بالعواطف الجياشة التي لاقت رواجاً منقطع النظير لدى عازفي الجاز ومنظمي موسيقى الأفلام وغيرهم، فظن الكثيرون أن المؤلف كان يندب ضحايا مذبحة “غيرنكا” (1937) على يد سلاح الجو الألماني النازي حليف الدكتاتور فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية على غرار لوحة بابلو بيكاسو (1881-1973) الشهيرة بالعنوان ذاته. لكن فكتوريا كسرت حاجز الصمت لاحقاً في سيرتها الذاتية فكشفت أن الحركة تستحضر ذكريات شهر العسل السعيدة والدمار الذي لحق بها وبزوجها عندما انتهى حملها الأول بالإجهاض.

ولنضع نصب أعيننا أن روذريغو كان كفيفاً منذ الصغر، ولم يتعلم العزف طوال سني حياته على آلة الغيتار بل على البيانو، لكن بصيرته كانت ثاقبة إلى الحد الذي سمح له أن يكتب كونجيرتواً للغيتار في باكورة مسيرته الفنية صار المعيار الذي تُقاس به كل كونجيرتوات الغيتار اللاحقة في زمن لم يُعر فيه الموسيقيون اهتماماً يذكر بالغيتار جملة وتفصيلاً، فما بالك بغير الموسيقيين؟ فكان أن استحدث له الملك خوان كارلوس الأول لقباً وراثياً بعنوان “الماركيز الأول لحدائق آرانخويث” وهي ذات الحدائق التي تغنى بها روذريغو في القطعة التي صنعت شهرته في 1939 في الثلاثين من كانون الأول/ديسمبر 1991 تكريماً له على إنجازاته الفذة في زرع علم إسبانيا في خريطة الموسيقى العالمية. كما تم دفن مؤلفنا وعقيلته في المقبرة التابعة لتلك الحدائق الآسرة. وورثت عنه ابنته، سيسيليا تيمناً بالقديسة الراعية للموسيقيين من القرن الثاني للميلاد في التقليد الكاثوليكي، لقبه، فصارت الماركيزة الثانية لحدائق آرانخويث!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية