التجريبية في السينما الجزائرية… ذاكرة تنسى؟

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عرف العالم غربا وشرقا النزعة الثورية، الرافضة للجمود والتواقة للتشكل بتنزيل المجرد إلى المجسد…عرف العالم غربا حراك الزنوج في الولايات المتحدة، وعرف ثورة مايو الفرنسية، وعرف ما يسمى بالعالم الثالث موجات سرعان ما ابتلعتها الجزر. وكانت السينما كفن مركب مستوعب لفنون متعددة في صلب تلك الديناميكية. ديناميكية بلدان كان بعضها يعيش طور التحول من حركة التحرر إلى بناء الدولة الوطنية، بلدان كانت مشحونة بإرث الكفاح وبحلم العدالة والكرامة والحرية.


وفي ذلك السياق تشكلت تجارب، ومن ضمنها تجارب اختارت الخروج على النمطية والذهاب في مسار تجريب تجارب من بينها أفلام ظلت منفردة في مسيرة المخرجين محمد زينات وعبد العزيز طولبي وفاروق بلوفة. تجارب لا يمكن استيعابها إلا بربطها بخلفية السينما في الجزائر. كانت الجزائر الخاضعة لاستعمار استيطاني مجالا لتبلور بدايات السينما، وكانت بلاتوهات لأفلام البدايات، وتلك الصدمة التي كثفت آليات الكولونيالية أفرزت صياغة سينمائية للمشروع الكولونيالي، وفي هذا السياق كتب الباحث عبد الغني مغربي كتاب «الجزائريون في مرآة السينما الكولونيالية». كما كانت متابعة الأفلام المصرية آنذاك متصلة بتكثيف التعبير عن الخصوصية والارتباط بالفضاء الحضاري والثقافي العربي، وهذا ما أوضحه الرئيس الأسبق أحمد بن بلة في الكتاب ـ المحاورة التي أعدها الصحافي محمد خليفة. كل فيلم من الثلاثة يعتبر قيمة متعددة الأبعاد، وكل فيلم يعتبر مرجعا للتجريب في السينما الجزائرية. مواضيع الأفلام الثلاثة مختلفة ولكنها متصلة بذاكرة ومخيلة، بهواجس وأحلام، وهو ما يجعلها معبّرة عن سياق، وممتلكة لقدرة الاستمرار الملهم حتى الآن.
فيلم «نوة» صياغة سينمائية لقصة من قصص الطاهر وطار، قصة تعيد تمثل الماضي القريب، تمثلا متصلا بهواجس حاضر مشحون بحلم العدالة وإتمام معركة التحرير بتحقيق كل أبعادها. وطولبي ممن شاركوا في الثورة. ولطولبي ميزة ضمن مخرجي البدايات، وهي أنه كان المنفرد تقريبا بتكوين بالعربية، تكوين يدعم بآخر في ألمانيا. وأنتج قبل «نوة» بعض الأعمال التي تعرض بعضها ربما للإتلاف، وذلك ما يفصح عن خلفيات اختفائه من المشهد بعد «نوة». اتجه طولبي نحو الخليج لإتمام مشواره في المجال السينمائي، ولكن لم يستمر إنتاجه كمخرج وسعى عبد العزيز طولبي كمنتج لإنتاج فيلم عن الأمير عبد القادر، اعتمادا على رواية واسيني الأعرج وجرت اتصالات وتحركات لكن لم يثمر ذلك. وفيلم «نوة» تم اعتباره نقديا من الأفلام التي لها قيمتها وموقعها في تاريخ السينما الجزائرية.

فيلم «نوة» صياغة سينمائية لقصة من قصص الطاهر وطار، قصة تعيد تمثل الماضي القريب، تمثلا متصلا بهواجس حاضر مشحون بحلم العدالة وإتمام معركة التحرير بتحقيق كل أبعادها.

فاروق بلوفة انطلق بتأسيس قوي، نظريا وعمليا، اشتغل في منابر النقد السينمائي، وحاور مخرجين كرومان بولنسكي وليشينوفوسكنتي.. درس السينما في الجزائر ثم في باريس تابع دروس الناقد المنظر رولان بارت في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، واشتغل مساعد مخرج مع يوسف شاهين في فيلم «عودة الابن الضال»، ورغم كل ذلك واجه الحصار، ومن البداية تعرض فيلمه الأول إلى الاستبعاد والإتلاف وكان عن ثورة التحرير والحجة التي طرحت أن مقاربته كانت ماركسية.
فيلم «نهلة» للمخرج بلوفة يعتبر منجزا استثنائيا بحمولته ووجهته والرؤية التي ارتكز عليها، والتي مثلت إضافة للجانب الجمالي موقفا له دلالته ووزنه في سياق محدّد، هو سياق الحرب الأهلية في لبنان… فهو كما كتب الكاتب سعيد خطيبي ـ عقب وفاة بلوفة ـ بمثابة «المانيفستو الفنّي» لليسار العربي.. وسيناريو الفيلم للكاتب رشيد بوجدرة، الذي منذ بداياته ارتبط بقضايا المنطقة وسبق له نشر «يوميات فلسطينية» سجل فيها يوميات رحلته للشرق الأوسط. تم تصوير الفيلم في خضم حرب فتشابك بتعبير المناطقة المحمول مع الموضوع. وهذا ما أشار إليه الكاتب الكويتي فهد سالم الراشد فقال: «أرادت السينما الجزائرية أن تضع لها موضع قدم ليس فقط على المستوى المحلي؛ بل على المستوى العربي والعالمي أيضا، وقد نجحت في ذلك من خلال هذا الفيلم، الذي يجسد لنا المشاركة الوجدانية بين أبناء الوطن العربي، ورمزية المصير المشترك، ورمزية الوجود في خندق واحد كتفا إلى كتف، كما أرادت السينما الجزائرية أن تثبت قدرتها على الإنتاج خارج نطاق الجزائر، إن هذا الفيلم تم تصويره في لبنان وفي أصعب فترة زمنية مرت على لبنان، وهي رمزية على قدرة الإنتاج الجزائري في أحلك الظروف وأصعبها». وأشار الراشد إلى عبارة في الفيلم هي: «مصلحة الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني واحدة لا تتجزأ»، هي عبارة تلخص رؤيته للصراع. ويضيف الراشد: «لقد تألق المخرج الجزائري فاروق بلوفة، في تصوير هذا الفيلم لدرجة أنه لم يفته شيء، فقد صور المراقص والطرب والغناء حتى معاكسة المارة للبنات، وسيارات المرسيدس التي تكثر في لبنان ترمز إلى درجة عالية من الترف والعيش الرغد والدعة، كما صور كيف اهتز العالم العربي لوفاة ملكة الغناء العربي أم كلثوم، ولم يغفل فيروز فقد مثلت دورها (نهلة)، ذلك الصوت العربي الجبلي الثائر، ثم ينتقل بنا إلى مطابع لبنان المتقدمة وهي ترمز إلى الحضارة والثقافة العالية للبنانيين». وكان يمكن أن يقدم هذا المخرج الكثير، لكنه تعرض لما أحبطه وشلّ قدراته وقال: «شيء ما انكسر في داخله بعد هذا الفيلم».

فيلم «نهلة» للمخرج بلوفة يعتبر منجزا استثنائيا بحمولته ووجهته والرؤية التي ارتكز عليها، والتي مثلت إضافة للجانب الجمالي موقفا له دلالته ووزنه في سياق محدّد، هو سياق الحرب الأهلية في لبنان.

« نهلة» فيلم ارتكز على رؤية مخرجه، وهي رؤية أوضحها في تصريح ليومية «الوطن»، وذكر بأنها كانت أفكارا يريد مواصلة الاشتغال عليها.. كان هناك منحنى في حبكة الفيلم، كانت المعالجة متصلة بالحي والمباشر، قريب من روبرتاج الأحداث.. ثم كانت معالجة وضعيات أشخاص غير واثقين ولا يمتلكون التأكيد. يقول بلوفة: «كلما تم تنميط السينما ينجم عائق. في الحقيقة أن كل فيلم يعتبر حالة خاصة، نموذجا خاصا. كل فيلم يطرح سؤالا: ما هي السينما؟ ولكل جوابه، وهناك دوما هذا السؤال خلف فيلم حي».
وكما كتب الكاتب الصحافي عثمان تزغارت «من معطف هذا المخرج والناقد والمناضل اليساري الكبير، تخرّجت كوكبة لامعة من الوجوه التي باتت اليوم علامات فارقة على الساحة الفنية العربية، مغربا ومشرقا. فقبل خمسة أعوام من إنجاز باكورته «عمر قتلاتو» (1976)، كان أول ظهور فني لمرزاق علواش، دور البطولة في فيلم قصير أخرجه فاروق بلوفة بعنوان Travestis et Cassures. أما «نهلة» (1979)، رائعة بلوفة الروائية، فإنه أشبه بكتالوغ يضم ألمع الأسماء وأكثرها تميزا: الروائي رشيد بوجدرة، الذي كتب السيناريو، بالاشتراك مع فاروق بلوفة ورفيقة دربه الناقدة السينمائية الراحلة موني براح، زياد الرحباني الذي ألف موسيقى الفيلم، وروجيه عساف الذي شارك في التمثيل، إلى بطلي الفيلم الرئيسيين ياسمين خلاط، في دور «نهلة»، ويوسف سايح، الذي تقمّص دور «العربي»، المصور الجزائري الوافد الى بيروت في عزّ الحرب الأهلية». فيلم «تحيا يا ديدو» جمع أسماء لها ثقلها زينات وحيمود براهيمي اوميمو وأيضا إسياخم والعنقا.. فيلم شكل تجربة متفردة، وكان يحمل رؤية، وسبق كما يقول أحد مسؤولي السينماتيك لياس سماعين في تصريح ليومية «الوطن» ـ يقول: «كان زينات مؤسسا ورؤيويا، أخرج فيلم تحيا يا ديدو في بداية سبعينيات القرن الماضي، كان جديدا كليا هذا النوع من الأفلام، نوع فيلم البطاقة البريدية لمدينة، وكان في الوقت نفسه أكثر من بطاقة بريدية.. بسنتين بعد ذلك كما أعتقد قام المخرج الإيطالي فيدريكو فليني بإخراج فيلمه «فيلني روما»، المعتبر عالميا كنموذج لنوع الأفلام المذكور، مخرجنا زينات كان سباقا». والفيلم جاء بناء على رغبة من طلب من المجلس الشعبي البلدي للعاصمة، وكان الطلب يتعلق بعمل إشهاري للعاصمة بعد سنوات قليلة من استرجاع الاستقلال، لكن زينات كما ورد في مقال أمزيان فرحاني قام باختطاف سينمائي «بهدف إبداع عمل أصيل يتجاوز ما تضمنه طلب إنجاز الفيلم، ثم يفجر الحدود الفاصلة بين التسجيلي والخيالي».
الفيلم اختتم كما ورد في مقال فرحاني بأبيات حيمود براهمي أوميمو، وهي أبيات معبرة بما يغني عن التعليق والتفسير، وهي في ما معناه: الماضي يترك إيمانه، الحاضر يقترح قانونه، المستقبل يفرض حقه.

بعض الأفلام تحكي قصة وتتركك مع إحساس، وبعضها الآخر تحكي قصة وتتركك مع إحساس وتعطيك فكرة، وتكشف شيئا عن نفسك وعن الآخرين.

الأفلام الثلاثة مع أفلام كـ»عمر قتلاتو» لمرزاق علواش، شكلت الخروج عن النمطية، والانخراط في تجريب مؤسس على استيعاب وعلى تمثل وعلى موقف، فليست هناك كما كتب دانييل فرامبتون: «صورة لم يتم التفكير فيها وليست هناك صورة من خارج الفكر إنها دائما «موقف» تجاه الأشياء التي يمكن التعرف إليها، الأشياء، الأحداث في الفيلم. لكنه قصد يأتي من داخل الفيلم، إنه ليس قصدا خارجا عن مادة الفيلم أو قصدا شبحيا».
أفلام ثلاثة منفردة في سجل ثلاثة مخرجين كان من الممكن أن يقدموا الكثير، وكل فيلم مثل اشتغالا لا يمكن اختزاله في جزئيات تقنية أو جمالية أو أسلوبية. فمناقشة الأسلوب كما كتب لمخرج الأمريكي سيدني لوميت: «باعتباره شيئا منفصلا تماما عن مضمون الفيلم، هذه المناقشة تصيبني بالجنون. إن الشكل يتبع الوظيفة في الفن والأفلام أيضا. إنني أدرك أن هناك الكثير من الأعمال الفنية بلغت من الجمال حدا لا يحتاج إلى تبرير. ولعل بعض الأفلام لم ترد إلا أن تكون جميلة، أو أن تكون تدريبا بصريا أو تجربة بصرية، وقد تكون النتائج عميقة العاطفة لأن من المفترض في هذه الأفلام أن تكون جميلة فقط». ويقول: «صنع أي فيلم هو دائما حكاية حول قصة. بعض الأفلام تحكي قصة وتتركك مع إحساس، وبعضها الآخر تحكي قصة وتتركك مع إحساس وتعطيك فكرة، وتكشف شيئا عن نفسك وعن الآخرين. ومن المؤكد أن الطريقة التي تحكي بها قصة يجب أن تكون على علاقة ما بما تحكي عنه القصة». لكن يبدو أن هذه التجريبية لم يعد لها أي أصداء في حاضر السينما الجزائرية، أو ما تبقى منها على اعتبار أنه ومع تراجع الإنتاج بشكل دراماتيكي، ولم تعد هناك إلا بضعة أفلام بتمويل رسمي يفرض النمطية الرسمية، وتمويل خارجي يفرض بدوره نمطية أخرى.

٭ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية