«الراحل الكبير» فرقة غنائية ودعت الأمل بالربيع

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: ليس للعجب أن يبطل أو يستريح طالما فرقة «الراحل الكبير» تستقي موضوعات أغنياتها من سنوات عجاف ضربت الأمة العربية، فأثمرت موتاً ودماراً وتهجيراً. فبعد غياب لعام ويزيد عاد أعضاء «الراحل الكبير» إلى المسرح للتعبير، والإدلاء بموقف مما شهدوا ويشهدون من خيبات وويلات. يبدو أنها عودة حُبلى بمراقبة وقراءة دقيقة للمجريات، فكان أن حملت تعريف «أيام العجب».
العمل الغنائي الأول لـ«الراحل الكبير» حمل عنوان «لابومب»، حينها كان الفريق الغنائي الشاب يراقب بعين فرحة ومتأملة ثورة الشعوب العربية طلباً للحرية والديمقراطية والعيش الكريم. كان الأمل يدغدغ النفوس، والشغف بغد أفضل تستحقه الناس يحتم على القريب والبعيد أن يُكنّ مشاعر إيجابية غامرة نحو «الربيع العربي» المتدحرج من تونس إلى سواها من البلدان.. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فحبل الربيع وولد تطرفاً دينياً عاد بالناس إلى الهاوية. إذ يُعلن خالد صبيح باسم «الراحل الكبير» أن الفريق كاملاً «إرتاح كلياً من الأمل وأعتاد وضعاً جديداً بعيداً منه». ليس سهلاً أن تتواصل الحياة بدون أمل، وإن حصل هذا رغماً فلا بد من تعبير درامي أو فكاهي ما لتخفيف الأعباء. من خلال الغناء كانت السخرية مطلقة مع فرقة «الراحل الكبير». أغنيات كلماتها مختارة من يوميات الناس، ومن مشاعرهم. من حاراتهم وشوارعهم البائسة. كمثل أغنية «شوف أتفرج» المتضمنة لنشيد «الله حي» المطبوع في الذاكرة العربية الجماعية.
بين شيخ إمام «أهيم شوقاً» وبين «أيام العجب» من كلمات فؤاد حداد باتت ساندي شمعون متقنة جداً للتعبير الغنائي باللهجة المصرية، حتى تظنها غير متمكنة من سواه. لا تتحرك ساندي بشكل مبالغ كما مغنيات الهيب هوب. تتمايل بخفر وهيبة لا تفارقها، لكن صوتها يحمل السخرية، الاستنكار والمرارة حتى تشعر به موقفاً مضافاً إلى جانب ما يحمله الكلام من رسائل.
التلحين في فرقة «الراحل الكبير» ليس محتكراً من المؤلف الموسيقي خالد صبيح، كان متاحاً لسماح أبي المنى في قصيدة «حظ الفتى» من كلمات عمر الخيّام. لحن جميل وهو فاتحة خير لعازف الأكورديون المعروف الذي يفصح تباعاً عن مواهبه.
عرّجت فرقة «الراحل الكبير» على الصوفية فكان لحن «فؤادي تولع». ووقع اختيار كلمات سميح القاسم «يا أبانا» في الموقع الصحيح في الانتقال إلى الفقرة السياسية الإجتماعية. ومن قصيدة «الأخلاق» العتيقة جداً للشيخ امام والتي أعاد توزيعها خالد صبيح كانت نقلة نوعية إلى نشيد «الطفل المعجزة». إلى أغنية «نشر الأواعي بعد الغسيل مش مستحب»، والتي لا تهدف مطلقاً لإستفزاز أية مشاعر. ثمّ مونولوغ «أنا مش عايزة تأشيرة أنا عايزة طلب لجوء» بين ساندي شمعون وسفير الدولة الغربية المفترض. هي صرخة بكل معنى الكلمة لفريق غنائي يتقن هجاء الواقع والسخرية منه، وفي الوقت عينه بث الفرح لدى المتلقين.
لاحقاً انتقلت ساندي لغناء ما يشبه الندب باللهجة البدوية «قررنا نتعالج» وراحت تضرب على صدرها، إلى أن كان ختام الحفل مع أغنية «جن الشعب» المعروفة في سياق الأغنيات الناجحة لفرقة «الراحل الكبير» من ألبوم «لا بومب»، وهي من ضمن خمس اغنيات حزفها موقع «أي تيونز» لأنها برأيه لا تتناسب مع العالم العربي؟
هذه الفرقة ختمت سلسلة حفلات في مترو المدينة، وتستعد لتقديم برنامجها خارج لبنان. فرقة أخذت على عاتقها الغناء الإجتماعي والسياسي الساخر. هو الواقع يزودها بفيض من الأفكار. وهي الأرض العربية الخصبة بكل ما يعاكس آمال الناس وتطلعاتهم. هم شباب يجنون الخيبات المتتالية، وسبيلهم اختيار وسائل تعبير تبقي عليهم بعيداً عن السجون، والفن وسيلة نبيلة وراقية ويمكنها أن تنتقل كعدوى ايجابية، وهذا ما تفعله فرقة «الراحل الكبير». مع فرقة «الراحل الكبير» يعيش المتلقون لحظات من التفاعل الفني والنقد الموضوعي للواقع، من خلال الموسيقى والصوت.
تتكون الراحل الكبير من المؤلف الموسيقي وعازف البيانو خالد صبيح، المغنية ساندي شمعون، عازف البزق عبد قبيسي، وعازفي الإيقاع علي الحوت وأحمد الخطيب، وعازف الأكورديون سماح أبي المنى، وعماد حشيشو المغني وعازف العود الغائب جسداً والحاضر طيفاً بين زملائه دائماً، والذي رحل قبل عام في حادث سير.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية