مدينة رباط الفتح المغربية ملتقى السلطان والشاعر والملاح

 سعيدة الكامل
حجم الخط
0

الرباط-“القدس العربي”: تكاد تلتقي حولها فكرة أنها تجمع بين الحداثة والأصالة مبنى ومعنى. نامت على وجنتيها ألوان مسالمة وهادئة، هادئة جدا حد الرتابة التي لا تخلو من نغم، بياض يناجي زرقة عينين تحرسان هواءها من العابرين على ضفتين إحداهما عذبة والأخرى مالحة. أحبها كثيرون، وأعجب بها كثيرون، لكنها كقهوة المساء تشرب على مهل، تعشق على مهل، فيتشرب مرتشفها سكون إيقاعها وإن تمرد عنه بدءا. هي إحدى الجميلات اللواتي تسللن إلى قصائد محمود درويش فزادها جمالا بأن أسكنها بين جفون شعره، قال عنها الشاعر الفلسطيني العابر شعره للحدود بلا حاجة إلى جواز سفر في قصيدة سماها على اسمها:

في مدينة الرباط، المرفوعة على أمواج

الأطلسي العالية، يمشي الشاعر على الشارع

بحثا عن مصادفة المعنى وعن معنى المصادفة.

يعرف النخيل جيدا، ويسأل المارة

عن أسماء الأشجار الأخرى، حاملة الجمر،

دون أن يحصل على جواب واحد،

كما لو أن الشجر وجهة نظر أو استعارة.

هي الرباط التي أصغت لمحمود درويش في مسرحها، مسرح محمد الخامس، في قلب المدينة، وبكته حين وقف مارسيل خلفية في أربعينيته على الخشبة نفسها التي رتل عليها قصائده. واحتفت به هذه السنة في معرض “ورد أكثر” عاصمة المغرب التي وإن طفت السياسة والإدارة في الأخبار عنها، فرونقها يهزم زيف بريق السياسة، وإيقاعها وإن كانت الإدارة مؤثرة فيه فإنها تظل “مناخ التاجر والفلاح وملتقى الحادي والملاح والمرافق من بره وبحره موجودة في فصول السنة مؤذنة لقاطنه بالعيشة الهنية والحال الحسنة” كما وصفها الظهير الموحدي الذي يسجل تاريخ تأسيسها، وكان خير وصف.

مربط الجيوش والإنسان القديم

 

تأسست النواة الأولى لمدينة الرباط على يد الخليفة يعقوب المنصور الموحدي في القرن الثاني عشر (1195) وسماها “رباط الفتح” قبل أن ينتقل إلى الأندلس، وتم اكتمال بناء الأسوار والأبواب في عهد أبي يوسف المنصور. وتروي روايات تاريخية أنه أطلق عليها هذا الاسم لأنها كانت مركزا خاصا بتجمع الجيوش الموحدية الغازية للأندلس والتي كانت ترابط في المدينة.

“لم تظهر مدينة رباط الفتح منذ إنشائها زمن الموحدين منفصلة عن المدن المجاورة لها، فقد ارتبطت في معظم تاريخها إلى حد كبير بمدينة سلا كما أن موضعها لم يكن بمنأى عن الأحداث التي مرت بها هذه المنطقة منذ أقدم العصور” تقول سحر السيد عبد العزيز سالم في كتاب “مدينة الرباط في التاريخ الإسلامي”.

وكما جاء في بعض الروايات التاريخية فإن هذه المدينة التي تقع في الضفة الجنوبية لنهر أبي رقراق، هي من المناطق الأولى التي آوت الإنسان المغربي القديم وهو ما تؤكده الكاتبة التي جاء في معرض كتابها “وتتميز مدينة رباط الفتح التي أنشئت زمن الموحدين بأن لها جذورا تاريخية موغلة في القدم فهي لا ترجع إلى عهد الفينيقيين والقرطاجيين والرومان فحسب، بل إن موقع المدينة يرجع إلى العصر الحجري القديم الأدنى”. وقبل أن تؤسس المدينة على يد الموحدين فقد تحدثت كتابات تاريخية على أنه كان هناك بداية من عصر المرابطين، رباط يقع على الضفة اليسرى من نهر أبي رقراق عند مصبه في المحيط الأطلسي اتخذه المرابطون منطلقا لـ”الجهاد” ضد برغواطة، وأن هذا الرباط سيكون النواة لقصبة رباط الفتح التي ستنشأ في العصر الموحدي.

عاصمة الحكم والإدارة

تعد سنة 1912 مفصلية في التاريخ الحديث للمدينة، فمن جهة أحدثت الحماية تحولات في مدينة الرباط، فبعد أن أصبحت سلطات الحماية الفرنسية صاحبة القرار في سائر البلاد، اتخذت الرباط مقرا إداريا لها، ثم أصبحت المدينة عاصمة للمغرب بعد انتقال السلطان ومخزنه إليها، وبذلك تكون الرباط قد صارت محل اجتماع هيئة رجال الحكم والإدارة، فأصبحت مقر السلطتين الاستعمارية والمخزنية معا، وهو أمر أحدث تحولات اجتماعية وثقافية في المدينة.

موقع المدينة على المحيط من العوامل التي كانت خلف اختيارها مركزا للسلطات الإدارية للاستعمار الفرنسي، فهو موقع يجعلها منفتحة على الخارج، كما أنها كانت معروفة لدى الأوروبيين هي وجارتها سلا منذ عهد القراصنة، وكانت تجلب التجار بفضل مرساها، كما أن موقعها في جغرافيا المغرب يجعل منها حلقة وصل بين الجزء الشمالي والجزء الجنوبي، وهو ما يؤكده عبد الإله الفاسي في كتابه “مدينة الرباط وأعيانها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين 1830-1912″ حيث يوضح أن   أهمية موقع المدينة ساهم في جلب في انتباه الأوساط الاستعمارية الأوروبية بالنظر إلى كون موضعها حلقة وصل كما سلف الذكر و”تكفي السيطرة عليها للتحكم في البلاد. وسد الطريق بين المغرب الشمالي والمغرب الجنوبي، لذلك اعتبروها مفتاح المغرب” يقول عبد الفاسي.

أبواب وأبراج

 

تثير الرباط إعجاب روادها، لما تزخر به من تاريخ تشهد عليه الأسوار التي ما زالت منتصبة، هذا الإعجاب فطن له الأولون فقال عنها ابن الأثير: “بنى يعقوب المنصور مدينة محاذية لسلا من أحسن البلاد وأنزهها”، من الصعب جرد كل ما تزخر به المدينة في هذا المقام، لكن أسوارها بلون الطين لا يمكن القفز عليها، سنقف بجوار الأسوار ونتجه نحو ملتقى البحر والنهر عابرين المدينة القديمة بصخبها إلى “قصبة الأوداية” وأزقتها.

السور الموحدي: وهو من أهم مآثر المدينة، شيده يعقوب المنصور الموحدي ويبلغ طوله 2263 مترا وعرضه 2,5 متر وعلوه عشر أمتار، مدعم بـ 74 برجا وتتخلله خمسة أبواب كبيرة على شكل أقواس (باب لعلو، باب الحد، باب الرواح، باب زعير). بني من التراب وخليط الجير، وهو جهاز دفاعي بني طبقا للنموذج المغربي-الأندلسي، تشكيلة هذه الأبواب الموحدية تعتبر من روائع العمارة وهي تركيبة متجانسة من التأثيرات الشرقية والأندلسية.

السور الأندلسي: وهو يفصل المدينة القديمة عن المدينة الجديدة التي صممت خلال الاستعمار الفرنسي، اختفت أبوابه وما زال قائما، شيد على عهد السعديين من طرف المورسكيين، ويقع قرب باب الحد جنوبا ويمتد شرقا إلى برج سيدي مخلوف، ويمتد على طول 2400 متر وقد تم هدم جزء منه بما فيه باب التبن الذي يعد الباب الثالث لهذا السور من باب البويبة وباب شالة، مدعم بأبراج يصل عددها إلى 36 برجا.

خلف هذا السور مدينة أخرى داخل المدينة تسمى “المدينة القديمة” التي سجلت في سنة 2012 ضمن قائمة التراث العالمي التي أقرتها منظمة اليونيسكو. و”المدينة القديمة” هي تسمية تنسحب على كل المراكز القديمة في بعض المدن المغربية. وفي “المدينة القديمة” في الرباط يمتزج الحديث بالقديم خلف السور، أشكالا وألوانا وأسماء، فالمدينة تزخر بأسماء أزقة (زنقات)، وأكثرها صخبا هي “زنقة السويقة” وكما تدل على ذلك صور قديمة إحداها تعود لسنة 1919 فقد كانت حيا تجاريا نشيطا وهو الحال حاليا، محلات تجارية عديدة تعطي لمسة حديثة للمكان، لكن القدم يطوق المكان بعبق أصيل ينبعث من حلي تقليدية معروضة في محلات اصطفت إلى جانب بعضها، تجاورها زرابي منقوشة رباطية وأخرى آتية من مدن أخرى تعرض ألوانها بمحلات المدينة القديمة. رائحة المنتوجات الجلدية تأخذك إلى “سوق السباط” الذي يوجد بطرفه الجامع الكبير، جامع تؤرخه صور تعود لسنة 1916. رائحة المنتوجات الجلدية والزرابي تتراجع أمام نسيم الوادي والمحيط الأطلسي في مخرج السوق المطل على مأثرة أخرى بطعم آخر.

قلعة تنام على ضفتي العذب والمالح

مأثرة تنام على ضفتي ماء عذب ومالح، القسم الأندلسي الهوى والعمارة، بأثر عربي وأمازيغي قديم، إنها قصبة الأوداية، تحتفي بالأبيض والأزرق لونين متجانسين في هوائها ومائها ودورها وأزقتها الملتوية، وهي ترتفع تطل بعين على البحر الأطلسي وبأخرى على وادي أبي رقراق الذي يفصل ويصل الرباط بسلا. مكان كان وما زال يعكس التقاء حضارات وثقافات ويلهم أدباء وشعراء، بناها الموحدون على مرتفع صخري، محاطة بسور يحتوي على ثلاثة أبراج، كانت الأوداية في الأصل قلعة عسكرية بناها في الأصل السلطان المرابطي يوسف ابن تاشفين في بداية القرن الثاني عشر لمحاربة البورغواطيين، ثم أصبحت قاعدة لجيوشه حينما هب لمحاربة الإسبان في الأندلس، قبل أن يستولي عليها الموحدون ويدمروا قصبة المرابطين، ثم بدأوا في إعادة بنائها سنة 1150. السلطان الموحدي يعقوب المنصور جعلها فيما بعد حصنا يرتاح فيه الجنود ومخزنا للسلاح والعتاد.

يتوسط القصبة حديقة أندلسية أقيمت في القرن السابع عشر في عهد السلطان العلوي، حديقة هادئة بها خضرة يحاوطها سور منحوت في الصخر، لا تستهوي فقط الزائرين من داخل المغرب وخارجه، حيث وفود دائمة الحركة والتصوير بالمكان، بل إن العين لا تغفل القطط التي تجتمع في هذه الحديقة التي يشرع باب متحف بابه على فضائها وباب آخر يشرع على المقهى الأزرق، الأزرق بألوان طاولاته وكراسيه وبالزرقة التي تجتاحه من النهر والبحر محملة بهواء رطب، يرقب الجالسون حول كؤوس شاي بالنعاع لقائهما كل لحظة وحين، يصب النهر في البحر ولا يكف الأول عن الجريان ولا ظمأ الثاني يرويه الرقراق مهما سكب. على هذا المقهى كتب شعراء قصائد ونسج رواة حكايات وألهم كتابا وافترقت والتقت ألسن عديدة، حتى صار المكان متعدد اللغات والثقافات.

رائحة الأندلس

 

 المقهى مفتوح على أزقة صغيرة تفصل بين بيوت كأنها مرسومة، أبوابها الخشبية الزرقاء الثقيلة والسميكة صارت ترسم على لوحات تعرض بمعارض ومتاجر وتخطف عدسات الفوتوغرافيين، وبين الدروب والأزقة المزينة بأغراس، متاحف وأروقة ومحلات، رواق أركان المعروف الذي أغلق بابه، أنشأه الفرنسي –اليهودي ستفان دوبناي سنة 1989 أغلق سنة 1995 وكان مأثرة فنية استعادها مولعون بها فيما بعد لكن خارج الأوداية، والأوداية عموما تاريخيا شهدت أولى البوادر الفنية بالرباط.

الأزقة التي تحمل أسماء عائلات مورسكية تؤرخ لاستقرار حوالي ألفين من المورسكيين في عهد السعديين بعد أن طرد الملك فيليب الثالث المورسكيين من إسبانيا سنة 1609.عرفوا بثورتهم على السلطة وتأسيسهم جمهورية صغيرة بعد أن وظفتهم السلطة للدفاع عن الرباط وسلا وتأمين جني الجبايات والرسوم الجمركية لتخمد سنة 1666بعد قدوم العلويين، عرفت القصبة فيما بعد بالأوداية وهو اسم مشتق من اسم قبيلة وهم رحل صحراويون تم توطينهم في القرن التاسع عشر بالقصبة، ليحل اسم الأوداية بدل القصبة ولحدود الآن. وهناك يقول “الأوداية” أو “قصبة الأوداية”. صنفت الأوداية باعتبارها تراثا وطنيا بمقتضى ظهير 6 حزيران/يونيو 1914 الذي يحدد بعض أجزاء القصبة، وظهير 10 نيسان/بريل الذي يصنف آثار القصبة.

الأوداية و”المدينة القديمة ” وأبواب الأسوار، جزء مما تزخر به الرباط الجزء العتيق والأكثر جذبا للسياح من داخل المغرب وخارجه، وهو الجزء الذي قال عنه أحد كتاب الرباط ومبدعيها، صاحب رواية “الحي الخطير”، محمد بن ميلود، الذي عاش في حيها القديم، “الملاح”، قبل أن يغادر إلى هولندا، قال عنها في أبيات تلخص حنين الشاعر وجمال المكان:

أحببت تلك المدينة حقا

أحببت أسوار الموحدين من دون سقف

السنونوات فوق قلعة الأوداية كل مساء

والهواء المتوسطي العليل مالحا

قادما من حدائق الأندلس القديمة بلا

سفن

واصلا الرحم بقبور المورسكيين

تجولت سنوات طويلة وحيدا في سوق السباط

عاقدا يدي خلف ظهري كالغريب

حتى نهاية السويقة

محدقا بدهشة في نقوش الزرابي

في حلي الفضة عند واجهات الصاغة

ورائحة سمك الراية وهو يقلى تصل إلى

أنفي من قرون طويلة من الملاحة

محفورة على بلاطات الملاح.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية