الخرطوم-“القدس العربي”: ستة أسابيع وسماء العاصمة السودانية الخرطوم، وبعض مدن الولايات لا تخلو من الدخان والغاز المسيل للدموع الناتج من عمليات الكر والفر بين المتظاهرين الذين يطالبون برحيل الرئيس البشير وقوات الأمن السودانية.
جولات متواصلة بين القوى المعارضة في السودان والرئيس البشير، وقودها الهتاف من المحتجين والوعود حينا والوعيد في أحيان أخرى من قبل الرئيس الذي تجوّل كثيرا داخل وخارج السودان منذ بدء الحراك بحثا عن سند أو حلول.
تجمع المهنيين السودانيين أصبح يضع جدولا أسبوعيا للحراك يبدأ يوم الأحد من كل أسبوع ويتصاعد ليصل ذروته يوم الخميس. في الأسبوع الماضي خرجت أكثر من 40 منطقة ما بين مدينة وقرية، في احتجاجات جاءت تحت مسمى موكب الزحف الأكبر، تزامنت مع لقاء حاشد للرئيس بمدينة كسلا شرقي السودان، والتي أكد فيها أن حكومته لن تسقط عبر فيسبوك وواتسآب.
وتحجب الحكومة السودانية مواقع التواصل الاجتماعي منذ أكثر من شهر ونصف عقب إقالة مدير الهيئة القومية للاتصالات بصورة مفاجئة وتعيين خلف له بخلفية أمنية، لكن الناشطين استطاعوا اختراق هذا الحجب بواسطة تطبيقات أخرى.
يمتد المدى الزمني للاحتجاجات وتتسع الدائرة كل أسبوع وحسب الصحافي خالد فتحي فقد “دَخَلت قُرى ومناطق جديدة في الحراك الشعبي، أبرزها حجر العسل بنهر النيل وكرمة النُّزُل بالشمالية وقُرى في الجزيرة ما يُعد تطوراً نوعياً للاحتجاجات التي دخلت أسبوعها السابع، بجانب مناطق في القضارف وسنار والبحر الأحمر”.
الشباب الذين ينزلون إلى الشوارع في مواكب شبه يومية، يرفعون شعارا واحدا هو “تسقط بس” والمقصودة هي حكومة البشير، الأخير اعتمد على الحلول الأمنية التي زادت أعباء التدهور الاقتصادي بالصرف اليومي على آلاف الجنود وعدتهم وعتادهم، ويلتفت البشير أحيانا لشباب حزبه كما جاء في خطابه للمكتب التنفيذي لأمانة شباب المؤتمر الوطني الاتحادية، يوم الأربعاء، حينما قال إن العام 2019 سيكون عام الشباب بامتياز، وأن الدولة ستنفذ فيه مشروعات طموحة لخلق مزيد من الاستقرار والتميز للشباب السوداني في شتى المجالات، واعدا بخلق فرص جديدة في التوظيف والتشغيل والمشاركة السياسية والاقتصادية.
ترهيب المواطنين من الواقع الذي ينتظرهم حال سقوط النظام، سياسة ظل يتبعها مدير جهاز المخابرات السوداني صلاح قوش الذي أكد خلال مخاطبته حفل تخريج الدفعة “42” من ضباط الجهاز أن هناك خمسة جيوش تنتظر ساعة الصفر لتتقدم نحو الخرطوم بعد إشعالها بالفوضى وأعمال السلب والقتل وذلك حتى لا تجد من يقاومها، متهماً قوى اليسار والحركات المتمردة بالسعي لتسلم السلطة لبدء العهد الذي أنتظروه طويلاً وتطبيق مشروع السودان الجديد. وتعهد قوش بمواصلة الحوار مع الشباب بمختلف توجهاتهم وآرائهم للوصول إلى مشتركات وأفكار وصولاً إلى حلول.
عشرات المبادرات أطلقت منذ بدء الحراك للوصول إلى نقاط تفاهم بين الحكومة والمحتجين لكن لا يزال البون شاسعا، وأعاد أساتذة جامعة الخرطوم مبادرتهم عبر مؤتمر صحافي ووقفة احتجاجية في حرم الجامعة العريقة، وتحمل المبادرة نقاطا واضحة وصريحة “التنحي غير المشروط لرئيس الجمهورية وحكومته وتسليم مقاليد الأمور لحكومة انتقالية متفق عليها تمهّد لانتخابات حرة والتوقف الفوري عن قمع وترهيب وقتل الأبرياء الذين يمارسون حقا مكفولا بالدستور وإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين”.
وجدّدت قيادة الجيش وقوفها مع قياداتها في خندق واحد، ووفقا لبيان للجيش أوضح وزير الدفاع عوض بن عوف بأنهم لن يقبلوا بسقوط النظام ولن يسلموا قيادة البلاد لشذاذ الآفاق حسب تعبيره. لكن تجمعا عسكريا باسم تجمع القوات المسلحة المفصولين تعسفيا “قوى الحرية والتغيير” أصدر بيانا أعلن من خلاله انحيازه للشارع ومشاركته في الحراك لإسقاط البشير.
وأضاف البيان: “نؤكد مرة أخرى قبولنا بالتوقيع على إعلان الحرية والتغيير مع بقية قوى الثورة ونعلن أننا كنا وما زلنا من ضمن جموع شعبنا في الفعاليات الثورية المعلنة من قبل تجمع المهنيين”.
مجموعات أخرى تحاول الوقوف في منتصف الطريق بين الحكومة والمعارضة تركزعلى إنهاء أسباب الاحتجاجات المتعلقة بتحسين أحوال المعيشة وأن يكتفي البشير بدورتين رئاسيتين حسب الدستور ومن ضمن هذه المجموعات تحالف 2020.
وطالب تحالف قوى 2020 وهو قوى سياسية كانت مشاركة مع الحزب الحاكم في تفاهمات باسم الحوار الوطني، بايقاف تمرير مشروع التعديل الدستوري الذي تقدمت به بعض القوى السياسية للمجلس الوطني والذي يقضي باتاحة الفرصة للبشير للترشح للرئاسة بعد أن أكمل دورتين، مؤكدا أن ذلك التعديل سيجد معارضة شديدة داخل المجلس الوطني سيما وان إجازته تحتاج إلى ثلثي الأعضاء.
وطالب التحالف عبر بيان له من السلطتين التنفيذية والتشريعية تكوين آلية مشتركة لمراجعة وإنفاذ مخرجات الحوار التي لم تنفذ حتى الآن بحيث يتم الفراغ من ذلك خلال الدورة المقبلة للمجلس الوطني والتي يفترض ان تنتهي أواخر حزيران/يونيو المقبل.
ورفض التحالف ما سماه بالمبادرات الاقصائية التي تقدمت بها بعض القوى السياسية التي حاولت “السطو على الحراك الشعبي غير المسيس بما يرسخ الانقسام ويعمق الخلاف بين المكونات الوطنية ويضعف الممارسة الديمقراطية ويؤدي إلى التنازع والاحتراب الذي نشهد أمثلة مروعة له في محيطنا الإقليمي”.
وأصدر جهاز الأمن قرارا بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين لكنه اعتقل 30 محاميا يقدمون العون القانوني للمتظاهرين الخميس قبل أن يفرج عن معظمهم، واستدعى نائبة رئيس حزب الأمة مريم الصادق المهدي لساعات.
وأقر حزب المؤتمر السوداني بالإفراج عن بعض المعتقلين لكنه أعلن أن النظام يعتقل العديد من أفراده ونشر قائمة للمعتقلين تضم 44 من قادة وأعضاء الحزب ومؤتمر الطلاب المستقلين ووصف الحزب إعلان النظام الإفراج عن المعتقلين السياسيين بأنه “تضليل إعلامي يناقض أفعاله في يوم الإعلان ذاته إذ واصل اعتقال المتظاهرين وقادة وأعضاء الأحزاب واستباحة المنازل وهو سلوك يوضح انعدام السقف الأخلاقي في مواجهة إرادة الشعب بعد أن انهارت السقوف الأمنية والسياسية مبكراً”.
تقترب انتفاضة الشعب السوداني من يومها الستين وسط عزيمة للمحتجين وصفت بأنها قوية، واستمرار قمع السلطات الأمنية الذي أودى بحياة 30 مواطنا حسب الحكومة و50 قتيلا حسب المعارضة ومنظمات حقوقية. ويتساءل المراقبون: هل يسقط عمر البشير أمام أطول موجة تظاهرات متواصلة تشهدها البلاد، أم تنجح الآلة القمعية في إعادة المشهد لما كان عليه قبل أقل من شهرين؟