هو الفيلم الأول لمخرجه، أتى ناضجاً كفيلم لمخرج متمرس، أتى مختلفاً عن السائد، وسطياً بين الفيلم المستقل الفني والتجاري، هو بذلك خفيف، ملائم ليكون فيلماً ترفيهياً، لتمضية وقت جيد وحسب، وهو كذلك فيلم بأفكار ومواضيع راهنة، في باريس اليوم، ومرهفة إذ يكون موضوعها الأساسي هو الحب بأشكاله، وهذه الأشكال هي التي تجعل الفيلم مثيراً للاهتمام.
يرتكز الفيلم على بدايات العلاقات، وكأنه يلعب على اللغة بين كلمتَين متقاربتين باللفظ، إحداهما تعني «واقفا» (debout) والأخرى تعني «الظهور الأول» أو «البداية» (debut)، والحب في الفيلم يأتي كبدايات إنما تكون هذه البدايات – في سياقاتها – ثابتة مكانها، كأنها واقفة بثبات في علاقة بين اثنين قد لا يبدو أن هنالك ما يمكن أن «يزعزع» هذه العلاقة التي بدت طبيعية في سياقها، وإن لم تكن كذلك في سياقات أخرى.

كي لا يكون الكلام نظرياً هنا، لندخل في أحداث الفيلم: مارتن، شاب متخرج حديثاً ولا يعمل، يحب السينما، يأتي إلى باريس من مدينته في الجنوب للقاء حبيبته السابقة، متأملا أن يعودا معاً كما في السابق، هي تعمل مرشدة سياحية في باريس، ينتظرها عند الانتهاء من إحدى جولاتها ويتحادثان لتخبره بأنهما لا يمكن أن يعودا كما في السابق، كشاب محب للسينما يقرر أن يبقى في باريس لتحقيق حلمه في إخراج أفلامه، أو العمل في السينما، بعدما قرر عدم العودة إلى مدينته الجنوبية حيث عاش ودرس، متنقلاً من بيت لآخر في العاصمة، يلتقي بصديق قديم له، درسا معا في المدرسة، الأخير يعمل ويعيش في باريس فاستضاف مارتن عنده، بعد أيام قال مارتن الضيف لصديقه المستضيف إنه غير مرتاح لأن ينام معه على السرير ذاته، وبأن مشاعر جنسية تجاهه بدأت تلوح. لا يشعر المستضيف بالحرج ويتحول الحديث إلى أنه لم يقم علاقة جنسية في حياته. من الناحية الأخرى تدخل صديقته السابقة، ليا، في علاقة مع أحد السياح الداخليين، أي الفرنسيين الذين يرغبون باكتشاف المدينة بشكل مختلف، خاصة المواقع الثقافية، وهو موسيقي وبضعف عمرها، يدخلان في علاقة، في تطور للأحداث بشكل منفصل ومواز للأحداث التي يمر بها مارتن.
لم يكن الممثلون محترفين وكانت لديهم أشغالهم خلال الأسبوع، فكانوا يتجمعون كل سبت وأحد للتصوير، وبدون معرفة مسبقة من الممثلين.
يذهب مارتن مع أصدقاء إلى السينماتيك الفرنسية، يلتقي بممثلة أتت لتقدم فيلماً مثلت فيه، هناك يعرّفه صديقه عليها، ثم يدعو هذا الصديق الآخرين إلى عشاء فيه الممثلة ومارتن وبعض الأصدقاء، تقدم الممثلة جارها إلى الأصدقاء، وهو شاب أتى معها وحسب، هو مثلي وسيقيم علاقة لاحقاً مع مارتن. أما صديقه الذي نام على سريره سابقاً فسيلتقي في حفلة أخرى بشريكة ليا في السكن ويقيمان علاقة هما كذلك. يتطور الحب بين كل هؤلاء بسلام، يأتي واقفاً مكانه، مرتباً ضمن سلسلة علاقات أخرى، وبهدوء، لا توترات لا تشنجات، علاقات تنتهي وأخرى تنشأ بدون عوائق يمكن أن يسببها جنس الشريك أو عمره أو مدى استقرار حياته.
بدأت العروض التجارية للفيلم الذي شارك في مهرجان كان السينمائي بدورته الأخيرة ضمن تظاهرة «أسيد»، قبل أيام، وقبله تم عرضه في السينماتيك الفرنسية بعرض ما قبل الأول بحضور فريق العمل، وهناك قال المخرج بأن التصوير كان يجري في «الويك أند» فقط، وعلى مدى أشهر، فلم يكن الممثلون محترفين وكانت لديهم أشغالهم خلال الأسبوع، فكانوا يتجمعون كل سبت وأحد للتصوير، وبدون معرفة مسبقة من الممثلين، كما قال أحدهم قبل العرض، بالسيناريو، بل بفكرة عامة عن المشهد إذ كانت الحوارات بمعظمها تلقائية.
كانت المدينة، باريس، عنصراً أساسياً في الفيلم (L’Amour debout)، إذ تم تصوير مواقع فيها هي علامات ثقافية لها، بعيداً عن الوجه السياحي للمدينة، كالسينماتيك الفرنسية التي حضرت بمشاهد بدت واقعية، وهذه ميزة يبدو أن المخرج – وهو شغوف بالسينما وأتى إلى الإخراج من هذا الشغف كما قال – استقاها من مخرجي «الموجة الجديدة» حيث كانت باريس عنصراً حاضراً بشكل شبه دائم في أفلامهم. وقد تكون هذه عودة السينما الفرنسية إلى العاصمة والحياة المدينية فيها، بعد نزوح العديد من المخرجين إلى الأرياف والشواطئ الفرنسية لتصوير أفلامهم ولتكون أحداثها، وبالتالي طبيعة الحوارات والانعطافات في الحكايات، بعيدة عن مدينية باريس التي رأيناها في أفلام الستينيات تحديداً، في «الموجة الجديدة»، وقد يكون حقيقة أن شخصيات هذا الفيلم مهاجرة من خارج باريس، من مدن وأرياف، إليها، إشارة إلى ذلك.
٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا