السيرة الذاتية في الشعر أو بحث الحقيقة التي تتفلت من قبضة المحكيات العادية

السيرذاتي والشعري

إذا علمنا أن السيرة الذاتية بوصفها نوعًا سرديا لم يتم الاهتمام بها، نقديا وأكاديميا، إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وعلمنا كذلك الجهد التأسيسي الذي بذله مُنظروها، وما رافقه من أيديولوجيا مضادة تحاول أن تنال منها وتشنع عليها صورتها في الوسط الثقافي والجامعي، سندرك لمَ تأخر النقاش النظري والمعرفي بخصوص السيرة الذاتية الشعرية، أو الشعر السيرذاتي، واستعصى معه إمكان اكتشاف العلاقة بين السيرة الذاتية والشعر بشكل جِدي وواضح.
وقد شكل صعود مشاريع الكتابة السيرذاتية شعريا طوال القرن العشرين، وما أتاحه من التباسٍ أنواعي قوض الحدود بين الشعري والسردي، ومن انبثاق لجماليات الأنا السيرذاتي وتخييلاته داخل فضاء الشعر، طَــوْرًا جديدًا وذا أهمية بالنسبة إلى حياة النوع السيرذاتي وعلاقاته وإمكانات عمله، وذلك عندما أخذ النقد يلتفت إلى الحد المتوتر والمسكوت عنه من العلاقة بين الشعر والسيرة الذاتية. لكن هذا النقد لم يكن نقدًا خالصًا، فقد امتزج فيه النقد بالسجال، والمواقف بالمواقف المضادة.
فمعلومٌ أن رواد التنظير للسيرة الذاتية كرسوا معظم جهودهم التفكيرية في ربط السيرة الذاتية رأسًا بالسرد، وبالتالي فأغلب النماذج التحليلية التي استندوا إليها منتقاة من أعمال سيرذاتية سردية، وسلكوا فيها مناهج في التفكير والبحث مختلفة تناولت تجليات الذات في الخطاب من منظورات شتى (البنيوية، السرديات، السيميائيات، جماليات التلقي…). وهم وإن لم يستبعدوا بعض المحاولات التي اتخذت الشعر أداة لكتابة السيرة الذاتية، إلا أنهم أدلوا في هذا الصدد بجملة من التحفظات المنهجية. من هنا، يفرض مثل هذا السؤال نفسه: كيف يمكن للباحث أن يتخلص من عبء التنظيرات السيرذاتية المكرسة للنثر، وخاصة للسرد، ليبتكر إطارًا نظريا خاصا ومستقلا يستفيد مما سبقه ويكون ملائمًا لدرسة تجليات السيرة الذاتية في الشعر؟
كان مجمل الدراسات التي اهتمت بالنزوع السيرذاتي للشعر تأتي على ذكره عَرَضًا، أو أثارته ضمن إشكاليات مختلفة لا تتصل به إلا من أسباب ما موضوعاتية ووجدانية، غير أن تاريخًا جديدًا قطع مع ما سبقه ودشن مرحلة جديدة في بحث هذا النزوع واستشكال علاقاته وعناصر اشتغاله؛ هو ذاك الذي ارتبط بالندوة النقدية: «حصة السيرة الذاتية داخل الشعر المعاصر: أي تجديد؟» (انظر مقالنا: السيرة الذاتية والشعر: أن يستلهم الشاعر سيرة أناه تخييلياً عبر تقنيات جديدة يستوجبها السرد «القدس العربي» 23 مايو/أيار 2015).

رواد التنظير للسيرة الذاتية كرسوا معظم جهودهم التفكيرية في ربط السيرة الذاتية رأسًا بالسرد، وبالتالي فأغلب النماذج التحليلية التي استندوا إليها منتقاة من أعمال سيرذاتية سردية.

«مراجعة» الميثاق السيرذاتي

أثارت الندوة اهتمام فيليب لوجون وحملته على مراجعة طبيعة تفكيره في العلاقة الإشكالية التي تجمع بين السيرة الذاتية والشعر، من منظور أقل دوغمائية وأكثر انفتاحًا كما يبدو من خلال الدراسة التي نُشِرت لأول مرة في مجلة (Faute à Rousseau) عدد 29 فبراير/شباط 2002، وأعيد نشرها في النسخة المُنقحة من «الميثاق السيرذاتي» (2005)؛ إذ نطالع فهمًا جديدًا للعلاقة بين السيرة الذاتية والشعر عند فيليب لوجون، بعد أن كان قد تناولها لأول مرة في دراسته «ميشال ليريس. السيرة الذاتية والشعر» (1975). يؤكد لوجون، بنبرة صريحة دالة، أن النثر لم يعد قَيْدًا في تحديد نوع السيرة الذاتية. فالشعر بات يُشكل بطريقته الخاصة محفلًا رئيسًا داخل الفضاء السيرذاتي، بل «أخذ الشعر يضرب الباب على السيرة الذاتية». وإذا كان كل منهما يمكن أن يكون وسيلةً للآخر، فإنه ليس معيبًا ـ في نظره- أن نطرح أنهما شيئان مختلفان، وأن نحاول تعريفهما، ونُعرض عن القبول بأن بينهما نُقَاط تقاطع عديدة. وعليه، يمكن أن تُؤخذ السيرة الذاتية بالمعنى الواسع والغامض، أو بالمعنى الضيق والدقيق. وكذلك الشعر. هكذا يتناول لوجون، بشكل حميمي وأكثر مرونة، طبيعة إشكالات العلاقة بين الشعري والسيرذاتي، عبر ديوان مارغريت غريبون «سجل مُؤجر الغرفة» (1956)، الذي يقدم نفسه باعتباره «قصة في قالب شعري»،  مُوزعًا إلى عناوين فرعية ترشد القارئ إلى مراحل من حياتها من جهة، وعبر إشارات أو مقاطع شعرية من ستة كتب لشعراء معاصرين (روبير بارات، مارغريت داسي، هوبير ليسيني، جورج بيروس، ريمون كينو، وليام كليف) كتبوا حياتهم شِعْرًا، ويصفها بـ«الكتب الجريئة» التي رُبما حكم عشاق الشعر بأنها ليست إلا نَثْرًا مُوقعًا، وعشاق السيرة الذاتية بأنها ليست إلا مجرد تمارين مصطنعة، إلا أنه وجدها «محكيات سيرذاتية». كما يعود إلى العصر الرومانسي، فيتناول الـ«أنا» الغنائي من خلال سوناتة أرفير ذائعة الصيت، ويفترض بأن صاحبها عانى في حياته الحقيقية من سر غامض. كما يقترب من القصيدة عندما تحكي حياتَها أو سرها وهي في طور التكون، ويحاور لوجون مقاطع من أعمال ميشيل ليريس، مؤكدًا أنه يصهر الشعر والسيرة الذاتية في الفعل نفسه ويقودهما معًا حتى النهاية.
من خلال هذا التحليل الذي يقدمه فيليب لوجون لفهم طبيعة العلاقة بين السيرذاتي والشعري، نجده حصرها في أربعة مستويات خاصة وقابلة لأن تتبادل التأثير في ما بينها:
كتابة السيرة الذاتية شعرًا، لا تختلف عن كتابتها النثرية في أن تستثمر حياة الشاعر عبر محكيات سيرذاتية تشرع بولادة المؤلف وتستكشف مراحل تكوينه، وتاريخ شخصيته، مثلما تدمج هذا التاريخ في سياق مضبوط بأسماء وتواريخ، إلخ.
اعتبار الـ(أنا) الغنائي مصدرًا سيرذاتيا على نحو يمنح التعبير «السليم» للعاطفة عبر الكلمات التي تصدر مباشرة من التجربة وقلب الشاعر، فتكون هناك رغبةٌ لتقاسم العاطفة مع الآخرين.
عندما تحكي القصيدة عن حياتها، أي لا يعود الأمر فقط مرتبطًا بحياة الشاعر، بل بحياة قصيدته، بأسرار كتابتها وهو يقولها في طور التكون. ولطالما حلم القراء بتلقي هذه الأسرار وسعوا نحوها، وغاب عن بالهم أن الشعر لا يمكن أن يُفسر بالظروف أو يُفكك في سلسلة من الأحداث أو الوصفات، وإنما هو خيمياء يتم من تلقاء نفسه.

عندما تحكي القصيدة عن حياتها، أي لا يعود الأمر فقط مرتبطًا بحياة الشاعر، بل بحياة قصيدته، بأسرار كتابتها وهو يقولها في طور التكون.

عمل اللغة ومبدؤها الإنتاجي، وتحديدًا من خلال أعمال ميشيل ليريس الذي سعى إلى ابتكار لغة جديدة بقدر مشروعه السيرذاتي الذي انخرط فيه كُليًا. لقد استنتج أن مبدأ السيرة الذاتية الجديدة كما تتجلى عنده، يكمن في إعادة وضع الحكي والحجاج في مرتبة ثانوية، واتخاذ تداعيات الأفكار والكلمات مُحركًا رئيسًا، عبر تجريبه لتقنيات مختلفة في الكتابة (المونتاج، التجديل)، وهو ما يجعل العمل الشعري نفسه يبني من خلال التفكك وإعادة التركيب وحدات المعنى أكبر بكثير من الكلمات، ويتيح له أن يتفتح ويرتاد آفاقًا جديدة لا تقبل أي اختزال أو حد.
يتيح لنا تحليل فيليب لوجون الذي يشمل نصوصًا شعريةً تنتمي لاتجاهات وتصورات كتابية متنوعة (الرومانسية، الشعر الحر، السيريالية)، أن ندرك أن السيرة الذاتية بعبور محكياتها إلى الشعر وعملها فيه، لا يمس الثيمة فحسب، بل أنا الكتابة وعمل اللغة وقدرتها على التحول. فمن جهة أولى، تُستثمر حياة الشاعر وتُدمج أناه الغنائي في سياق موسوم بالإيقاعية والتأمل الاسترجاعي والعلاج بالتحليل النفسي. ومن جهة ثانية، ننتقل من الحديث عن حياة الشاعر إلى حياة القصيدة وهي في طور التكون، بما يعنيه ذلك من تعليقات «ما قبل النص»، والمسودات، واليوميات أثناء الكتابة وإعادة الكتابة. فالكتابة السيرذاتية الشعرية كتابةٌ «شذرية، مونتاج، بحث عن الحقيقة التي تتفلت من قبضة المحكيات العادية». بيد أن تحليل لوجون، وإن كان يعكس فهمًا جديدًا لعمل السيرة الذاتية في الشعر مُتطورًا عما سبق أن أظهره في الميثاق السيرذاتي، إلا أنه يظل مع ذلك مُقيدًا بالمرجع لا ينفك عنه، وكأن أنا الكتابة في نظره هو الأنا المرجعي، وذلك ما يجعل قيد التطابق لا يفسح للتحليل النصي مجالًا للعبور إلى تخييلات الأنا فيكتشف اللاشخصي والمختلف فيها، ويبحث ابتكارات الهوية عبر فعل الغيرية.
استطاعات النقاشات الجادة التي أعقبت الندوة، أن ترسم النطاق الراهن لاستراتيجيات الكتابة الشعرية في علاقتها بالخطاب السيرذاتي، بموازاةٍ مع التطور الذي كان يشهده علم النص وتحليل الخطاب، ومع النقاش الذي كان دشنه، في ما سبق، رومان ياكوبسون وهيغو فريدريش وكيت هامبورغر، مستندين فيه إلى التحليلات النقدية الجديدة للنوع والبنيات والذات الغنائية. إلى جانب ما كانت تمارسه الحداثة من إغواء على حقل الأدب، ومن بلبلة في المقولات. ففي سياق النقد ونقد النقد، برزت مساهمات طيبة تفك مسألة العلاقة بين السيرذاتي والشعري، وتعيد تأويله وفق «ميثاق سيرذاتي» جديد يغلب التخييلي على الواقعي. ويمكن أن نُحيل بهذا الخصوص على الكتاب الجماعي «اللاتشابه: السيرة الذاتية والشعر» (2007). يرد في تقديم الكتاب ما يعطي الانطباع لدى القارئ بأنه بصدد تأويلات جديدة لمسألة العلاقة ولخواص المغامرة السيرذاتية إجمالًا؛ فقد بدا بما يشبه اقتناعًا «أن الشعر في توتره نحو السيرة الذاتية، يلتزم بأن يعيد ابتكار أشكاله المطروقة، ويمنح نفسه حرية تغيير الذات لكي توجد بشكل أفضل، كما يخلخل تصوراتنا المتكلسة».
وبما أن الكتاب أكد منذ البداية على خاصية اللاتشابه بين السيرة الذاتية والشعر؛ بين نظام سردي تاريخي وقاعدي متواضع عليه وآخر محط سؤال يستشكل النظام السيرذاتي فيه، فقد ظلت المقاربات التي اشتمل عليها تركز على العلاقة بين السيرذاتي والشعري، وتفكر فيها عبر رؤى زاوجت بين الوعي التاريخي والنظري، وبين الهاجس التحليلي الذي اهتم بالموضوع السيرذاتي في أعمال شعراء أساسيين من أمثال فيكتور هوغو، ونيرفال، وآرثر رامبو، ولوتريامون، وهنري ميشو، وريمون كينو وغيرهم من شعراء الحداثة الفرنسية، حيث تميز الشعر فيها بالتشويش على ما بين السردي والشعري من قطائع وحدود. وبما أن إعادة التفكير في مثل هذه العلاقة يمر عبر تفكيك تعريف لوجون، فقد انشغلت تلك المقاربات بطرح أسئلة جوهرية تهم الذات الغنائية، ونظام الأنواع، وصيغ التلفظ، والمرجع والتخييل.

يؤكد دومينيك راباتي أن القصيدة السيرذاتية لا تسعى إلى ضبط انسجام الحياة، وإنما إلى إعادة تشغيل «طاقة التبديد الأسلوبي»، وهي لا تدعي دقةً ما للوقائع، بل أصالةً ناتجة عن «ارتعاش الملفوظ».

في هذا الإطار، يميز إيريك بينوا بين الذات الشخصية المرجعية والذات الغنائية المتخيلة، ويرفض اعتبارهما «مقولات ثابتة»، فيما يرى أن الذات الشعرية تقيم «في توتر بين المرجعية والتخييلية». وقال: «حتى إن لم يكن الشعر سيرة ذاتية بصريح العبارة، فإنه مع ذلك يمكن أن يكون سيرذاتيا بقدر ما ينخرط في ما يسميه لوجون بـ»الفضاء السيرذاتي»؛ في أن أي نص تخييلي، رواية أو شعرا، يمكنه من خلال انعطافة التخييل أن يستخدم عناصر من سيرة الكاتب: وإذن، يمكن أن يوجد البعد السيرذاتي داخل النص الشعري، مع العلم أن الشعر السيرذاتي لا يرضى بجميع معايير السيرة الذاتية كما حددها لوجون». ثُم يخلص إلى تحديد رتبتين مُتغيرتين أو محورين: محور بين النثر والشعر، وآخر بين المرجعية والتخييلية. وهذان المحوران – في نظرها- «ليسا عمودييْن أحدهما على الآخر، لأن النثر السيرذاتي يبدو أكثر ميلًا إلى جهة مرجعية الذات التلفظية ، فيما الشعر السيرذاتي يبدو أكثر ميلًا إلى جهة تخييلية الذات التلفظية». وإذا كانت الذات الشخصية تتقيد بمرجع يحيل إلى ماضيها، إلا أنه «في الشعر، تتفلت الذات السيرذاتية من نفسها بشكل جوهري». ذلك ما يدعونا إلى قراءة النص الشعري بوصفه سيرة ذاتية للأنا التخييلي، الأنا المتخيل؛ فالأنا لا يُقال إلا بإنطاق أنا آخَر. كما أن الشعر نفسه حالة أخرى من اللغة، وحالة أخرى من الذات في اللغة؛ حياة محلوم بها، سحرية، مثالية، لاواعية، ومهزوء منها.
ومن ناحية أخرى، داخل استشكال العلاقة نفسها، يؤكد دومينيك راباتي أن القصيدة السيرذاتية لا تسعى إلى ضبط انسجام الحياة، وإنما إلى إعادة تشغيل «طاقة التبديد الأسلوبي»، وهي لا تدعي دقةً ما للوقائع، بل أصالةً ناتجة عن «ارتعاش الملفوظ». ومن ثمة، لا يمكننا أن نُفكر في غيرية الذات بدون أن ندرس رهانات الغير الشكلية، قائلًا: «بين الشعر والسيرة الذاتية (وتبعًا للتوزيع الذي لا يمنع بوضوح من أن يكون الكاتب نفسه وغيره في آن) تؤسس القصيدة التفرد، وهو يوجد في معادلة الذات للتاريخ الذي عليها إذن أن تحكيه، بأقل مما يوجد في الإسقاط المستحيل عبر لغةٍ دائمًا ما تُطوح بالذات الغنائية خارج نفسها».
لقد انخرطت مثل هذه المقاربات في بحث التعبير الذاتي للشعر وغنائيته حينًا، وفي البعد الشعري للسيرة الذاتية حينًا آخر؛ فهي تُحلل الشعر الذي يقول الأنا ويحجبه، مثلما تُحلل السيرة الذاتية التي تقول اللحظة المعيشية وتنفصل عنها في الوقت نفسه.

٭ شاعر وكاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية