القاهرة ـ «القدس العربي»: أبرزت الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 5 فبراير/شباط، اجتماع الرئيس السيسي مع الوزراء لمتابعة التزام وزاراتهم بتنفيذ ما طالبهم بتحقيقه، وكذلك مؤشرات خروج الاقتصاد من عنق الزجاجة. كما يتابع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ما يتم إنجازه للانتهاء من الاستعدادات لمباريات كأس الأمم الإفريقية، الذي سيقام على ملاعب واستادات عدد من المحافظات.
واسطة عقد التعديلات الدستورية وجوهرها هي المادة 140 لزيادة سنوات المدة الرئاسية من 4 سنوات إلى 6 سنوات
وزيارة مدير وكالة الطاقة الذرية الدولية واطمئنانه على توافر جميع الاحتياجات في عملية بناء المفاعلات النووية مع روسيا. وتغطية اجتماعات بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر في أبو ظبي. ونجاح جهاز أمن الدولة في العريش في جمع معلومات دقيقة عن وجود مجموعة إرهابية مختبئة في أحد الأوكار، وتخطط لعمليات إرهابية وقيامه بمهاجمتهم وقتلهم جميعا وكان عددهم سبعة أفراد، وعثر معهم على بندقتين آليتين وثلاث بنادق خرطوش وثلاث عبوات متفجرة، ما يوضح مرة أخرى نجاح الأمن الوطني في التضييق على عمليات إدخال السلاح وتجارتها في سيناء.
واهتمت الصحف أيضا بانتهاء أعمال معرض القاهرة الدولي للكتاب ومسلسلات رمضان المقبلة وذكرى وفاة كوكب الشرق أم كلثوم، وحملات الامتناع عن شراء السيارات ومباريات كرة القدم، لكن الاهتمام الاكبر كان موجها لقضية تعديل الدستور التي يتزايد الاهتمام بها، وبدأت في تحريك الحياة السياسية الراكدة من زمن، سواء لعدم رغبة الناس في ممارستها أو بسبب التضييق الحكومي عليها. وإلى ما عندنا من أخبار.
تعديل الدستور
ونبدأ بأبرز ما نشر عن تعديل الدستور وكان أوله لرئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم ياسر رزق حيث قال: «من المتوقع – في حالة موافقة البرلمان بأغلبية الثلثين على المواد المطلوب تعديلها – أن يجري الاستفتاء في نهاية شهر إبريل/نيسان أو مطلع شهر مايو/أيار على أقصى تقدير، ذلك أن أول أيام شهر رمضان المبارك سيحل في السادس من مايو/أيار ومعلوم أن إجراء الاستفتاء في شهر الصيام لا يشجع على الإقبال المنشود على لجان التصويت. واسطة عقد التعديلات الدستورية وجوهرها بدون مواربة هي المادة «140» التي سيطالها التعديل لزيادة سنوات المدة الرئاسية من 4 سنوات إلى 6 سنوات، ابتداء من عام 2022 مع الإبقاء على القيد الخاص بعدم تمديدها لأكثر من مدتين متتاليتين، ولا أخفي سرا هنا إذا قلت إن الرئيس السيسي بدا في أحد لقاءاتي معه وزملائي من رؤساء تحرير الصحف القومية ميالا لفكرة تعيين نائب لرئيس الجمهورية، وقد قلنا له – وهو يعلم بالقطع – إن الدستور لا يمنع تعيين نائب لرئيس الجمهورية، لكنه على ما يبدو صرف النظر عن الفكرة، والسبب في تقديري أنه رأى أن المشرع الدستوري لو كان يرغب في إيجاد هذا المنصب لنص عليه صراحة، مثلما كان يُنص على المنصب في دساتير سابقة على ثورة 25 يناير/كانون الثاني. الغرض في تقديرى تجهيز خلفاء محتملين للرئيس من مدرسة السلطة التنفيذية مدنيين وعسكريين، واختبارهم وتسليط الأضواء عليهم، في ظل حالة العجز التي مازالت تلازم الأحزاب والقوى السياسية في تجهيز شخصيات على أعلى مستوى، قادرة على خوض انتخابات الرئاسة، وتولي منصب الرئيس في دولة بحجم مصر. ولا شك في أن وجود شخصية محترمة أو أكثر له أو لهم تقدير واعتبار لدى المصريين في منصب نائب الرئيس، سوف يزيل أسباب التوجس والتوتر في الشارع المصري، ويبدد السؤال المحير منذ عام 2014 ماذا بعد الرئيس؟ أتوقع في مشوار الإصلاح السياسي ابتداء من هذا العام مجالا أرحب للكتلة الوطنية في حرية الرأي والتعبير والإعلام، بدون قيود تجاوزها الزمن لا تليق بمكانة الإعلام المصري ولا بشعب مصر في مسيرته لبناء مجتمع الديمقراطية والحكم الرشيد. أتوقع أن تتقدم السياسة أدواراً ومهام وأن يتراجع الأمن في أدواره، فتقتصر على التأمين والحماية والوقاية. أتوقع أن تتفاعل الأحزاب وتندمج في ما بينها، لنجد كتلا حزبية قوية تتصدر المشهد السياسي وتتنافس على كسب ثقة الناخب في الاستحقاقات العديدة المقبلة وتفرز كوادر قيادية مؤهلة لخوض الانتخابات النيابية والمحلية والرئاسية. وفي مستهل مشوار الإصلاح السياسي الطويل أظن تشجيع الحياة الحزبية وتعزيز حرية الرأي والإعلام منطلقا يجب عدم التراجع فيه، من أجل تحفيز التعددية السياسية وضمان التداول السلمي الحقيقي للسلطة بين قوى كتلة 30 يونيو/حزيران الوطنية هذا البلد يستحق إصلاحا سياسيا يليق بنضال هذا الشعب».
المحلل الشرعي
ومن «الأخبار» إلى «الأهرام» لنكون مع الدكتور مصطفى الفقي رئيس مكتبة الإسكندرية الذي حرص على التأكيد على تأييده لتعديل الدستور وقال: «تمت كتابة الدستور الأخير في ظل أجواء أحداث 2011 و2013 وما بينهما من هزة عنيفة أثرت في الوجدان المصري، ووضعت صناع الدستور في إطار يتحمس لبعض الطروحات المؤقتة، ويرضي بعض الأطراف بأكثر مما يجب، ولأن عمرو موسى قانوني متوازن – فهو ابن مدرسة الحقوق المصرية – إلا أن الغلبة في الحاضرين كانت من الناشطين السياسيين، وليست من الخبراء الدستوريين، ومع ذلك فإن واضعي ذلك الدستور يتصفون بسلامة المقصد، وقد قال رئيس الدولة عبد الفتاح السيسي ذات مرة أن ذلك الدستور وضع بحسن نية. «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» هذه الآية الكريمة تؤكد حق الشعب الذي وضع الدستور في أن يتناوله بالتعديل، إذا اقتضت الضرورة ذلك، شريطة أن تكون الأهداف عامة ووطنية، فمصر فوق الجميع وللجميع وبالجميع، ولا بأس في أن يتناول التعديل عودة نظام المجلسين، وتمديد كل مدة في الرئاسة بدون العبث بعدد المدد، إلا إذا جاء بينها محلل شرعي باسم آخر بعد المدتين، ولا بأس من اللجوء إلى أسلوب القيادة الجماعية ضمن نظام رئاسي قد تحتاجه البلاد أكثر من غيره في السنوات المقبلة، رغم أنني أزعم بأنني من المتحمسين طوال عمري للنظام البرلماني الذي عايشته في دولة الهند وقبلها في بريطانيا، وبعدها في جمهورية النمسا. يعلم الله أنني لا أكتب هذه الكلمات إلا بوحي من ضميري، ولم أتحدث مع أحد بشأنها لأنني أعلم أن رئيس البلاد وطني حتى النخاع، يهدف إلى مصلحة وطنه وشعبه، كما أنني أدرك أن واضعي الدستور القائم كانوا يتطلعون إلى ما يخدم مصلحة الوطن من وجهة نظرهم، حتى لو أثار ذلك لغطًا في بعض القضايا، مثلما جرى لمنظومة الإعلام الرسمي وغياب وزيره، أو ما يتصل بالمفوضية الوطنية ضد التمييز وغيرهما من الطروحات العصرية التي تحتاج إلى بلورة وتعظيم وتطوير، حمى الله الوطن والشعب والدستور».
الرقابة على الحكومة
«الحكومة أو السلطة القائمة إذا احتكرت المعرفة المتعلقة بالأداء الحكومي، فإن مراقبتها ومساءلتها ومنافستها تصبح مستحيلة، كما يرى ذلك زياد بهاء الدين في «الشروق»، سواء من جانب البرلمان أو الإعلام المستقل أو الأحزاب المنافسة. والحقيقة أن غياب المعلومات الرسمية الدقيقة أو عدم اتاحتها للمجتمع بالقدر الكافي، وفِي التوقيت المناسب يقف وراء العديد من مشاكل الممارسة السياسية والمشاركة المجتمعية التي نشتكي كثيرا من غيابها في مصر ولا نربطها بالضرورة بفقر المعلومات المتاحة. منها مثلا المظهر الهزيل للبرلمان وضحالة تناوله لمعظم القضايا التي تطرح عليه ليس فقط لضعف تشكيله، وإنما أيضا لأن النواب الجادين لا تتوافر لديهم المعلومات الكافية ولا الدراسات المساندة لتكوين رأى عن المواضيع المطروحة، فيتجهون إما إلى الغياب عن جلسات المناقشة، أو الاهتمام بصغائر الأمور، أو انتظار التوجيهات التي توفر عليهم مشقة البحث. كذلك فإن الاتهام الدائم للأحزاب المستقلة أو المعارضة بأنها لا تملك بديلا تقدمه للناس، مصدره في الحقيقة أن المعلومات والبيانات المتاحة لها لا تمثل سوى نسبة ضئيلة للغاية من المتاح للحكومة وأجهزتها التنفيذية التي يفترض أن تكون محلا للرقابة والمساءلة، ولهذا يتجه الخطاب المعارض نحو القضايا العامة والمواقف المبدئية، بدون امتلاك القدرة على الدخول في التفاصيل، فيبدو للجمهور خطابا فضفاضا غير مفيد تنفيذيا. وهنا إسمحوا لي بالتفرقة بين المعلومات النمطية التي يجري حصرها وتحليلها والإفصاح عنها بشكل دوري من جانب الأجهزة الإحصائية والاقتصادية، التي أظن أن مصر قطعت شوطا كبيرا فيها على نحو ما يتضح من البيانات الدورية المعلنة من وزارة المالية والبنك المركزي وهيئة الرقابة المالية، وكذلك من التطور النوعي الذي حققه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بقيادة الوزير السابق أبوبكر الجندي، والمعلومات والحقائق بمفهومها الأوسع الذي يشمل الأمور الطارئة وغير النمطية وتقارير متابعة الأداء الحكومي عن الهيئات المختلفة، وكل ما يتعلق بالأحداث الجارية والمستجدات المختلفة التي لا يوجد لها بند إحصائي دوري. وهذا النوع الثاني من المعلومات هو الذي أرى أن الدولة في مصر تحتكره ولا تشرك الرأي العام ولا القوى السياسية والمجتمعية في تقييمه وتحليله. امتلاك المعلومات واحتكارها وسيلة للسيطرة ولإضعاف القوى المعارضة في المجتمع، وقد اعتبرها أهل الهند خطرا على الديمقراطية، ولهذا فلابد من إعادة إحياء الجهد الذي بذل في أعقاب ثورة يناير/كانون الثاني لنشر ثقافة إتاحة المعلومات، وإصدار قانون مناسب وعصري لحرية المعلومات لأنها شرط أساسي لتحقيق أي نوع من الرقابة على الحكومة وأدائها».
اقتراح موفق
وفي «الوفد» قال محمود غلاب مطالبا بعودة وزارة الإعلام التي ألغاها الدستور: «ونحن في حضرة الدستور، فأنا أرى كمواطن أولاً وصحافي خاض تجربة طويلة في الصحافة البرلمانية، أن عودة مجلس الشورى في التعديلات الدستورية الجديدة اقتراح موفق للقيام بدور الغرفة البرلمانية الثانية، وإلغاء الهيئات الإعلامية الثلاث، وتشمل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، وعودة وزارة الإعلام ويعود المجلس الأعلى للصحافة كما كان في السابق يشرف عليه مجلس الشورى. في اعتقادى أن الوضع السابق الذي أطالب بالعودة إليه أفضل من وجود الهيئات الإعلامية الحالية، التي لم تقدم شيئاً للصحافة ولا للإعلام وهذا ليس ذنب القيادات التي تدير هذه الهيئات، ولكن التجربة كشفت أن هناك تضاربا حد من ممارستها لدورها المأمول. إن عودة مجلس الشورى «مجلس الشيوخ» وعودة وزارة الإعلام مكسب للحياة النيابية وللإعلام المصري، فمجلس الشورى السابق تعرض لظلم كبير لعدم منحه اختصاصات فعلية يؤدي من خلالها دوره، واقتصر على إبداء الرأي فقط في كل ما يعرض عليه، رغم انه كان يضم قامات سياسية وقانونية وكافة التخصصات الاقتصادية والإدارية الكبيرة، وكانت لنواب الشورى في كل الفترات رؤى عميقة وقدموا اقتراحات لو أخذ بها النظام السابق لكانت قد ساهمت في حل مشاكل كثيرة بعضها موجود حتى الآن. عودة الغرفة البرلمانية الثانية لابد أن تكون من خلال اختصاصات دستورية تمكن المجلس من القيام بدور حقيقي فاعل وليس مجرد ديكور أو منح حصانات كما كان يحدث في السابق».
السيسي وماكرون
وإلى استمرار ردود الأفعال على المناقشات بين الرئيسين السيسي وماكرون حول حقوق الإنسان، حيث انتقد الدكتور مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة مفهوم الرئيس السيسي عن حقوق الإنسان واختلافها من بلد لآخر حسب ظروفه وأكد أن مفهومها واحد ومتفق عليه دوليا في وثائق وقعت عليها مصر في عهد عبد الناصر عام 1969 وقال في «الشروق»: «هل صحيح أن ما ينطبق على الفرنسيين والأمريكيين من حقوق ليس مناسبا للمواطن المصري أو العربي؟ وهل توفير المسكن اللائق والرعاية الصحية يتعارض بالضرورة مع ضمان الحرية الشخصية واحترام حريات التعبير والتنظيم، وبلغة حقوق الإنسان هل ما زال يمكن النظر إلى حقوق الإنسان على أنها نسبية تتفاوت من دولة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى، وأن توفير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يقتضي التضحية بالحقوق المدنية والسياسية؟ وما هو الموقف الثابت للدولة المصرية من هذه القضايا؟ تعبير حقوق الإنسان ذاته يعنى أنها حقوق للبشر أينما كانوا، فهي حقوق للإنسان وليست للفرنسي أو الأمريكي والبريطاني وحدهم، وإلا كنا نفترض أن المصري أو العربي أو الإفريقي ليس إنسانا، أو كما يدعي أصحاب النظريات العنصرية هو إنسان ناقص أو عديم الأهلية، وهو قول باطل بكل المعايير، وأساس ارتباط هذه الحقوق بالطبيعة البشرية هو الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أفراد العائلة البشرية، وأن الناس يولدون أحرارا ومتساوين، وأنهم وهبوا عقلا وضميرا يدعوانهما إلى أن يتعاملوا مع بعضهم بعضا بروح الأخوة، فهل هناك من ينكر على المصريين أنهم بشر ذوو كرامة، وأنهم ولدوا أحرارا ومتساوين؟ وهل يكون هذا الإنكار هو الموقف الذي تتخذه بعض الحكومات من مواطنيها؟ لقد كنا نفخر بأن أصل هذه العبارة في المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو صياغة ساهم بها المصري الدكتور محمود عزمي، وقدمها لهنري كاسان عضو اللجنة التي صاغت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأنه استرشد في ذلك بما قاله عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عندما أهان شابا مصريا قبطيا رفع شكواه إلى ثاني الخلفاء الراشدين، فكان تقريظ ابن الخطاب لابن العاص الذي استدعاه إلى المدينة هو ذلك القول الخالد: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا»، فهل جاء الوقت الذي نتنكر فيه لأعظم ما في تاريخنا ويدعي بعضنا أننا لسنا جديرين بالكرامة التي يتمتع بها قوم آخرون. والجدير بالذكر أن ذلك هو موقف الحكومة المصرية التي وقعت العهدين الدوليين لحقوق الإنسان عند إبرامهما في سنة 1966 وصدقت عليهما في سنة 1982 وانضمت إلى الاتفاقيات التسع الأساسية في حقوق الإنسان، ومن أهمها الاتفاقية الدولية الخاصة بمكافحة التعذيب، بل وتقبل الحكومة المصرية مسؤوليتها أمام المجتمع الدولي عن صيانة هذه الحقوق لمواطنيها ولذلك تقدم تقارير دورية عن مدى توفيرها لهذه الحقوق أمام أجهزة الأمم المتحدة المختصة».
الورقة المحروقة
وانتقل الهجوم على المفهوم الأوروبي لحقوق الإنسان إلى «الأهرام» حيث قال مرسي عطا الله: «إن حقوق الإنسان ليست غائبة عن مصر التي تنطلق فيها برامج الحماية الاجتماعية لغير القادرين، وتدور فيها ورش العمل والبناء لتوفير فرص العمل للعاطلين، ولا تتوقف ماكينة تشييد المساكن اللائقة للمحتاجين، بعد أن علمتنا مصاعب وكوارث السنوات العجاف أن الحرية السياسية لا قيمة لها إذا جاءت على حساب الحرية الاجتماعية، وضمانات الشعور بالأمن والأمان، لأن ثمن الفوضى وغياب الاستقرار ليس فوق قدرتنا وحسب، وإنما هو ثمن أغلى من أن يدفع للحصول على رضا من يتاجرون في الورقة المحروقة المسماة ورقة حقوق الإنسان».
الفكرة لا تموت
محمد أمين في «المصري اليوم» يقول: «لست مع الذين يتحدثون عن فشل ثورة 25 يناير/كانون الثاني، ولا مع الذين يقولون إنها لم تحقق أهدافها، ولست مع الذين يشعرون بالخيبة والانكماش، فالبعض يتخيل أن ثورة يناير كان لابد أن تحقق أهدافها في اليوم التالي، هذا خطأ كبير، ثانياً هناك من يتخيل أن الناس بدأت تخاف تتكلم بعد أن كانت أصوات الحرية تدق الأبواب، بدليل أنهم لم يحتفلوا مثلاً بذكرى الثورة. وأقول إن ذكرى 25 يناير/كانون الثاني مرت بدون احتفال رسمي بها، وبدون افتتاح أي مشروعات فيها، وهذا صحيح، وربما لأن الدولة تريد أن يكون الصوت الثوري أهدأ حتى تنجز المشروعات بعيداً عن صخب الشارع، ولعل البعض تحت ضغط الثورة كاد يعرض البلاد للخطر، لكن الدولة لم تمنع أحداً يدعو إلى حملة بناءة لتحقيق فكرة العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وأظن أن حملة «خليها تصدي» كانت واحدة من ثمار 25 يناير. أتحدث هنا عن فكرة الوعي وأتحدث هنا عن فكرة «وحدة الصوت» وقد نجحت الحملة لأنها تمت بوعي كبير على أسس موضوعية، وجمعت حولها ملايين الناس الذين يؤيدونها، ولا أبالغ إذا قلت إن الثورة الاقتصادية سوف تضرب العالم من هنا، ولم يكن يحدث كل هذا الوعي لولا ثورة 25 يناير. فربما يكون أهم هدف حققته الثورة هو خلق «حالة الوعي» الكبير في الشارع وهي حالة مقدرة تقدرها الدولة وتعمل حسابها، وترد على أسئلتها في كل المحافل والوسائط، ولا تتركها تتفاقم وقد تتساءل: أين هذا الوعي؟ ماذا أنتج مثلاً بعد ثماني سنوات؟ أقول إن هناك قوة تمثل «حالة ضغط» على صانع القرار ربما أكثر من الإعلام والبرلمان. فلا تزرعوا أبداً فكرة فشل الثورة في نفوس الناس، سواء بقصد أو بغير قصد ،القصة هي الانتقال من حالة الثورة إلى الدولة، فالناس لا تثور على نفسها طوال الوقت، والتي يسميها البعض حالة «التثور اللاإرادي» ولكن الناس تثور حتى تغير الأوضاع المقلوبة، ثم تعود مرة أخرى إلى فكرة الدولة والحفاظ على الوطن، وهي الهدف في المقام الأول. فلولا ثورة يناير/كانون الثاني مثلاً، ما كانت الدولة قد أنجزت كل هذه المشروعات في وقت قياسي، ولولا أن السيسي كان رئيس دولة بعد ثورة، ما رأيناه يحاسب المسؤولين هكذا، وما رأيناه يزور المشروعات فجراً، ويقدم كشف حساب نهاية كل عام، الثورة لم تفشل، الحاكم يعرف أنه جاء بعد ثورة والشعب يعرف أن هناك جيلاً تشبع بأفكار الثورة، و«الفكرة لا تموت». وباختصار، فالتغيير الذي حدث «تغيير جيني» لا ينتهى مفعوله بمرور الوقت وليس شرطاً أن يعود الناس إلى الميادين لإثباته، إنها فترة انتقالية من حالة الثورة إلى حالة الدولة، هكذا أرى في ذكرى الثورة، وقبل أيام قليلة من ذكرى التنحي تكلموا بحرية مادام الكلام في مصلحة الوطن».
شهداء الرأي
«عندما يخرس المنطق يتكلم الرصاص» كان عنوان مقال خالد منتصر في «الوطن» يقول فيه: «استيقظنا على خبر اغتيال الروائي العراقي علاء مشذوب بـ13 رصاصة على خلفية بوست انتقد فيه «الخميني». انتقاد شخص صار انتقاداً للعقيدة، أصبح رجل الدين صنماً لا يُمس، وصار الاجتهاد في الدين مؤثماً ومؤمماً من قبيل بائعي صكوك الغفران الإسلامية، لم يعد هناك فرق بين سنة وشيعة، اختلفا في كل التفاصيل والأفكار، إلا فكرة اغتيال المخالف لهما في الرأي، فقد توافقا فيها، اغتيل في كربلاء، حيث جز شمر بن ذي جوشن رأس الحسين، وكان عدد ضربات السيف على رقبة الحسين هو عدد الرصاصات في صدر ودماغ مشذوب، وكما لعب الحاكم بن زياد في رأس الحسين بقضيب الحديد، لعب الإسلاميون بدماغ القاتل وأوهموه أن مشذوب كافر ومرتد سيدمر الدين، واقتنع القاتل بأن دينه هش من الممكن كسره بجملة أو بوست أو تويتة. مشذوب ليس أول اغتيال لصاحب رأي في منطقتنا العربية المنكوبة، لكن هناك قائمة شهداء رأي معه أطلق عليهم رصاص الإسلام السياسي وفي البشاعة نفسها، المصري فرج فودة 1992، ثم التونسي شكري بلعيد 2013، ثم الأردني ناهض حتر، ملامح وسيناريو القتل نفسها، فالقتلة لم يقرأوا حرفاً مما كتبه الضحايا، لكنهم مجرد دمى ماريونيت تحركهم فتاوى رجال الدين وأمراء الجماعات، درجة البشاعة نفسها في عدد الرصاصات، وكأنه تشفٍّ وتمثيل بالجثث، ما يجمع القتلة هو جلافة الإحساس وغلظة الوجدان وانعدام الإنسانية، الضحايا للأسف كانوا مقتنعين بأهمية الحوار والمناظرات، فودة اغتيل بعد مناظرة في معرض الكتاب ألجم فيها رموز الإخوان وأفحمهم بكل أدب، بلعيد اغتيل بعد لقاء في قناة «نسمة» التونسية، ناهض حتر اغتيل بعد ريتويت لرسم كاريكاتيري يسخر من الدواعش، واغتيل أمام قصر العدل، حيث كان ذاهباً لجلسة المحاكمة، ومشذوب كان خارجاً من ندوة أدبية، هل هناك جدوى من الحوار مع هؤلاء الضباع البشرية من معدومي الإنسانية؟ هؤلاء المفكرون لم يكن معهم إلا القلم والكلمة، واجههم القتلة بالكلاشينكوف والرشاشات، فأين الحوار إذن؟ واهم من يتخيل أن بمقدوره حوار هؤلاء الضباع، يجب أن يكون المستهدف من الحوار هم الحيارى على الشاطئ، من هم على شفا الاقتناع بمخدرات القتلة الدينية، غير ذلك ضياع للوقت واستنزاف طاقة وجهد، رحم الله مشذوب، ورحم الله أمة تقتل مفكريها باسم الدين».
الراية البيضاء
عباس الطرابيلي يطرح في مقاله في «الوفد» مجموعة من الأسئلة مثل: «هل رفعنا الراية البيضاء اعترافاً ـ واستسلاماً ـ بعجزنا عن إعادة النظام إلى وسط القاهرة، بل إلى وسط كل مدينة في مصر؟ وهل ننجح فقط في المشروعات القومية والكبرى، بينما نعجز عما دونها، رغم أنها من أهم المشاكل التي يشكو منها الناس، بل السؤال: لماذا كلما حاولنا تنظيم الحركة والحياة في وسط المدينة نعود سريعاً إلى الاستسلام؟ وهل النجاح أو عدمه هنا سببه شخصية وأسلوب المسؤول المحلي الأول في المحافظة؟ وقضية ركن السيارات وسط المدينة خير مثال. حقيقة يفوق عدد هذه السيارات أي محاولة لإنشاء جراجات تحت الأرض، أو فوقها في مناطق الاختناقات، ولكن ماذا نقول في محاولة الدكتور جلال السعيد عندما كان محافظاً للمحروسة، وكيف نجح أيامها في منع ركن السيارات في هذا المربع الكبير، الذي اسمه وسط القاهرة؟ والغريب أن السيارات تقف الآن صفين على يمين كل شارع وصفين على يساره ولا تترك إلا ممراً يسمح فقط بمرور سيارة واحدة، ما جعلنى أتساءل: وماذا عن سيارات الخدمة العامة من إطفاء وإسعاف وإنقاذ؟ المشكلة أن أحداً لم يعد يحترم إشارات أو لافتات منع الانتظار وأن من هذه السيارات ما يقف بالأيام، بل الأسابيع ولا أحد يتحرك رغم مخاطر ذلك أمنيًا، وهل نكتفي هنا بتحرير المحاضر بهدف الحصول على عائدها المادي رغم أن شوارعنا تفقد بذلك أكثر من ثلثي سعتها بسبب هذا التجريح أو الركن؟ وماذا لو اتخذنا قراراً ينفذ فوراً بسحب تراخيص هذه السيارات، ثم سحب السيارات نفسها ولو إلى عمق الصحراء تأديباً لأصحابها؟ ثم مشكلة الأكشاك التي تحتل الأرصفة، ولا يجرؤ أحد على مواجهة هذه الظاهرة، لأن المسألة ليست في حجم الكشك، بل في ما يحتله بعد ذلك من مساحات تسيطر، بل تمنع تحرك المشاة فوق الأرصفة، خصوصاً أن بعض المنتفعين منها حولوها إلى أماكن للنوم والحياة الكاملة والمعترض «يضرب رأسه في الحائط». وهذه كلها لا تعطي للدولة حق الانتفاع كما يجب، ولا تدفع ضرائب أو حتى قيمة استهلاكها للكهرباء التي تسرقها من الحكومة ـ ومنهم من يعمل ويتاجر في الممنوعات وسلاحهم هو السنجة أو قرن الغزال، ومنهم من يفرض الإتاوات على كل من يحاول إيقاف سيارته ولو لدقائق معلومات. ولقد أصبحنا فعلاً مدن الأكشاك واذا كانت بعض المدن السياحية مثل باريس وفيينا وروما تعرف هذه الظاهرة، إلا أنهم «هناك» تحت السيطرة وتحت أداء حق الدولة والأهم عدم إزعاج المارة، وبدلاً من أن يصبح الرصيف طريقا للمشاهدة تحولت شوارعنا إلى مملكة للأكشاك. لقد غابت الحكومة تماماً المركزية والمحليات عن شوارع كل مدن مصر، فلا سلطان للدولة عليها بل للبلطجية ولقرن الغزال، والمؤلم أن كل سائقي التاكسى يرفضون دخول هذه المناطق، حتى كسدت تجارة هذه المحلات، ولذلك هرب أصحابها إلى الضواحي، هل نحلم بعودة سلطة الدولة إلى وسط المدينة، أي مدينة أم رفعنا رايات الاستسلام؟».
السيارات و«خليها تصدي»
وإلى الحملة المستمرة لدعوة المواطنين لعدم شراء السيارات وتركها عند التجار تصدي بسبب جشعهم في رفع أسعار السيارات الأوروبية رغم دخولها مصر بدون جمارك، ورغم أن الحكومة تحصّل عليها رسوما عديدة ففي «الشروق» أثار مدحت نافع رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية إلى نجاح الحملة، وذكر بأنه كانت في مصر صناعة سيارات أيام عبد الناصر وصلت إلى مرحلة تصنيع الموتور، إلا أنها تعرضت لعملية تدمير. كما حذّر من خطر تعرض مصانع تجميع السيارات إلى خسائر بسبب المنافسة وقال: «بالتأكيد كلنا تابعنا حملة مقاطعة السيارات الجديدة «خليها تصدي» التي أطلقها بعض الناشطين بسبب مغالاة مستوردي السيارات في تحديد هامش الربح، على الرغم من كون هذه الحملة ليست جديدة، وأنها كانت حديث مواقع التواصل الاجتماعي منذ نحو عامين، أو أكثر، لكنها اليوم أكثر تأثيرا من أي وقت مضى. ارتفاع سقف التوقعات لدى المستهلكين على خلفية الجمارك الصفرية على السيارات الأوروبية المستوردة، التي اتضح وفقا لكثير من التصريحات المسؤولة أنها لن تؤثر كثيرا في الأسعار، على الرغم من كون النسبة الكبرى من سعر السيارة يتمثل في الجمارك أو ما يجب أن نسميه الضريبة الجمركية، التي يعتقد المستهلك أن استبدالها بضرائب أخرى هو بمثابة تحايل على اتفاقات التجارة، أو أن استمرار الأسعار المرتفعة سواء للسيارات الأوروبية المنشأ، أو تلك التي يجب أن تتأثر بالمنافسة، ولو كانت من منشأ مختلف، هو ببساطة تجسيد لطمع التجار الذين يريدون الحفاظ على أسعار المركبات عامة عند مستوى مرتفع، خشية أن يتغير الاتجاه السعري إلى الهبوط للمرة الأولى منذ عقود، لأن سابقة التحول في اتجاه الأسعار سوف تكون قابلة للتكرار، كما أن المرونة السعرية في الاتجاه الهابط ستكون ملحوظة، مع رفع القيود الجمركية. يرى مستهلك سيارات الركوب أنه يدفع ثمنا للسيارة أكبر من أي نظير له في العالم، وأن الحماية المطلوبة لم تطور صناعة محلية كاملة للسيارات التي مازالت تنتج حتى يومنا هذا. النصر لصناعة السيارات كانت لها تجارب ناجحة عبر تاريخها لتصنيع بعض الموديلات بنِسَب وصلت إلى 100٪ أي أن المحرك نفسه تم تصنيعه داخل الشركة مثال ذلك السيارة 125 ولكن إجمالي ما تم تصنيعه وتجميعه داخل النصر للسيارات لا يصل إلى 400 ألف سيارة من مختلف الموديلات، وعلى مدى حياة الشركة منذ نشأتها عام 1960 وهو حجم تصنيع كان مناسبا لاحتياجات السوق المحلية، ولم يكن يستهدف التصدير ويذكر كل بيت أن بعض موديلات السيارات كان يحجز مقدما قبل التسليم بشهور كما أن مراكز الخدمة التابعة للشركة كانت تؤدي دورا مهما لخدمة ما بعد البيع».
جهاز حماية المستهلك
وفي «المصري اليوم» أشاد أحمد الدريني بنجاح حملة «خليها تصدي» وطالب جهاز حماية المستهلك بالتصدي للشركات الأوروبية والأمريكية العاملة في مجالات أخرى، لوقف استغلالها في مصر، بينما لا تستطيع ممارسته في بلادها وطالب الدولة بحماية الجهاز نفسه وقال: «مع الأخبار المتواترة عن انخفاض أسعار السيارات بسبب النجاح الملحوظ الذي حققته حملة «خليها تصدي» ولو على مستوى التشهير الإعلامي بالوكلاء والمستوردين وهوامش الربح المهولة التي ترقى لمستوى الاستغلال الوقح، يبدو أننا كمصريين في حاجة إلى ثقافة جديدة للتعاطي مع الكيانات والرؤوس التي تتولى إمداد السوق المصرية بالسلع والخدمات الأساسية، وأحسب أن مثل هذه الحملة لو أكملت وآتت ثمارها كما المرجو، فإنها ستكون بمثابة الضوء الأخضر لشرارة غضب كبيرة ستضطر «الحيتان» في كل مجال للكف عن ممارسة التكسب الفاحش على حساب جيوبنا، وهى حيتان رعت في وادينا في ظل رقابة غائبة، ما لم يكن تواطؤا كاملا، أحسب أن جذوره تمتد للفترة التي كان يتهيأ خلالها الأستاذ جمال مبارك لوراثة أبيه على عرش مصر، التي ارتبط خلالها بمجموعات من القوى والفاعلين الاقتصاديين القادمين من ثقافات وعوالم اقتصادية، يتسيد الاستغلال ناصية أخلاقياتها، ولعل على رأس المرشحين لالتقاط خيط البداية، جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية الذي يترأسه الدكتور أمير نبيل، الذي سبق أن خاض في الأشهر القليلة الماضية سجالات محترمة مع كل من شركات «أبل» و«كريم» و«أوبر»ومحل الاستحسان ليس السجال والمخاشنة القانونية لاضطرار هذه الكيانات وأشباهها لممارسة أنشطتها في سياق من التسعير وتقديم الخدمات على نحو مقبول، بدلا من الاستباحة الكاملة التي تخضعنا لها، بل في ثقافة «تكييف» و«تحييث» الجهاز لشكل وصيغة الممارسات التي تتخذها هذه الكيانات. لقد كانت بيانات الجهاز المتتالية التي تابعتها باهتمام كبير على مدار الشهور الماضية تعكس أن لدينا جهازاً حمائياً يدرك التشريعات الدولية، وصيغ القوانين التي تحكم عمل الشركات الكبرى ويمكنه أن يحاجج هذه الكيانات بموجب الثقافة التي تنظم عملها في دول العالم الأول».