لندن-“القدس العربي”: تصاعد مستوى التوتر في ملف “بريكست” إلى مستويات تنذر باندلاع حرب جديدة على أكثر من صعيد، حرب بها أبعاد استراتيجية وسياسية واقتصادية تضعف أوروبا وتنزلها من مكانتها الحالية كقوى عظمى وتحولها إلى ساحة صراعات محلية ودولية أكثر مما هو الحال عليه الآن. وكلما اقترب موعد انسحاب المملكة المتحدة البريطانية من الاتحاد الأوروبي في 29 آذار/مارس المقبل، ارتفعت حدة التصريحات الصادرة من بروكسل، وبلغت التهديد بالعمل على تفكيك المملكة المتحدة من خلال دعم الأحزاب المطالبة بالاستقلال عنها في إسكتلندا وإيرلندا، وصولاً إلى تهديد البريطانيين بأنهم يحجزون معقداً لهم في جهنم من خلال ذهابهم إلى خيار “بريكست الحاد” أي الخروج من التكتل الأوروبي دون توافق وبشكل غير منتظم.
وعقب لقائه رئيس الوزراء الإيرلندي ليو فارادكار، وقبل يوم من زيارة رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي، لبروكسل لمناقشة بدائل ممكنة لحل الخلاف المتعلق بالحدود الإيرلندية، قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، إن هناك مكانا خاصا في جهنم لمن اقترحوا أساسا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مضيفاً “إنني أفكر في شكل المكان الخاص في الجحيم المخصص للذين دعوا في الأساس لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حتى بدون مسودة لخطة لكيفية الخروج منه بصورة أمنة”، مؤكداً على أنه في هذا الوقت وفي ظل خروج بريطانيا المقرر من الاتحاد الأوروبي بعد أقل من شهرين، يتعين على الجانبين التركيز على تجنب خروج فوضوي لبريطانيا بدون اتفاق “بريكست الحاد”. وأوضح “هناك إحساس بالمسؤولية يدعونا أيضا للاستعداد لفشل محتمل، قدموا لنا ضمانا قابلا للتصديق لاستمرار السلام في إيرلندا الشمالية، حينئذ سوف تخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي كصديق موثوق فيه”.
ورد مكتب رئيسة الوزراء البريطانية على تصريحات دونالد توسك قائلاً إن “الموضوع يعود للسيد توسك إن كان يعتبر استخدام هذا النوع من العبارات مقبولاً”. وبدوره كتب نايجل فاراج، الزعيم السابق لحزب استقلال المملكة المتحدة الذي خاض حملة من أجل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في تغريدة في حسابه على شبكة “تويتر” للتواصل الاجتماعي، مخاطباً رئيس المجلس الأوروبي “بعد بريكست سنتحرر من المتنمرين المغرورين من أمثالك، وسنتمكن من إدارة بلادنا. الأمر يبدو لي أكثر شبهاً بالجنة من جهنم”.
وأفادت صحيفة “هاندلسبلات” الألمانية المختصة في السياسة والاقتصاد، أن وزير المالية الألماني ومساعد أنغيلا ميركل، أولاف شولتز، دعا المؤسسات المالية والمصارف في بلاده بأن تكون مستعدة لبريكست الحاد وانسحاب بريطانيا غير المنتظم من الاتحاد الأوروبي. وشدد شولتز خلال حديثه في اجتماع مسؤولي بورصة ألمانيا في مدينة فرانكفورت على أنه ونظراً للأوضاع المتوترة الحالية من الضروري أن يتم التحضير إلى فك ارتباط بريطانيا مع الاتحاد دون توافق. وأضاف أن مؤسسات الدولة الألمانية السياسية والاقتصادية تعمل بشكل جاد ومتواصل على المستويين المحلي والأوروبي، على تخفيض التداعيات والآثار السلبية لبريكست الحاد. وطمئن وزير المالية الألماني الحاضرين قائلاً إن الحكومة الألمانية تعطي التطمينات اللازمة ألا يحدث أي خطر على استقرار المؤسسات والنظم المالية والأسواق في حال أن اختارت لندن الانسحاب غير المنتظم وبريكست الحاد. وكرر شولتز التأكيد على أن الأعضاء الـ27 للاتحاد الأوروبي متفقون على عدم إجراء أي مفاوضات جديدة مع الجانب البريطاني حول بركسيت. وجدد دعم برلين لتوجه جمهورية إيرلندا فيما يتعلق بملف الحدود بين شطري إيرلندا، وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يدعم إيرلندا في سعيها للتوصل لاتفاق بشأن الحدود مع بريطانيا، قائلاً إن الأزمة الحالية وعدم الوضوح في موقف لندن يجعله متوترا، ورأى أن خروج بريطانيا بشكل غير منظم ربما يكون من الصعب تجنبه، مع عدم تحقيق أي تقدم ملموس قبل 7 أسابيع من خطط بريطانيا للخروج من التكتل.
ويعتبر ملف الحدود بين شطري إيرلندا من أهم عوائق التوصل إلى توافق حول بريكست، وتطالب لندن أن تحصل من بروكسل على ضمانات تبعد شبح تفكك المملكة المتحدة. لكن ما يزيد الموقف صعوبة هو تصلب الأوروبيين والإيرلنديين على موقفهم الحالي. وبطبيعة الحال يريد الأوروبيون أن يكون انسحاب بريطانيا من الاتحاد قاسياً ومكلفاً حيث تدفع لندن كلفة عالية ليس في الاقتصاد فقط، بل على الصعيد السياسي كذلك.
واستغل رئيس الوزراء الإيرلندي الموقف قائلاً إن فرض “حدود قاسية” في إيرلندا سيجعل أي اتفاق حول بريكست شكلياً فقط، وأضاف أن أحد أسباب السلام في إيرلندا خلال السنوات الـ20 الماضية يعود إلى أن الاتحاد الأوروبي بدد الاختلافات بين الشمال والجنوب، لكن عند خروج المملكة المتحدة فإنها ستأخذ معها إيرلندا الشمالية، ما سيعيد الاختلافات ويقوض السلام. وأوضح أن شبكة الأمان هي وسيلة لإعطاء الشعب الإيرلندي في الشمال والجنوب ضمانات ملزمةً قانونيا وقابلةً للتطبيق، بأن “الحدود القاسية” لن تعود مجدداً، مهما كانت نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ورفض ليو فارادكار فكرة تحديد فترة زمنية لعدم فرض “حدود قاسية”، وقال “كثيراً ما سمعنا الأشخاص الذين يدعمون بريكست في المملكة المتحدة ويقولون إنهم لا يريدون حدودا قاسية بين شطري إيرلندا، ولا يريدون أيضاً شبكة الأمان. لكن ماذا يقدمون عوضا عن ذلك؟ ما البديل عن شبكة الأمان؟ إنهم يعدون بإيجاد حل خلال العامين المقبلين أو بوضع تقنيات غير موجودة أصلا”.
وعلى الصعيد الاقتصادي، خفضت المفوضية الأوروبية بشكل حاد توقعاتها للنمو الاقتصادي في منطقة اليورو خلال 2019 و2020 بسبب تباطؤ متوقع في اقتصاد أكبر دول في التكتل بفعل التوترات التجارية العالمية وتنامي الدين العام. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى رفع أسعار الفائدة هذا العام. وقالت المفوضية إن النمو في منطقة اليورو سيتباطأ إلى 1.3 في المئة هذا العام، انخفاضاً من 1.9 في المئة في 2018 فيما من المتوقع أن يتعافى في 2020 ليبلغ 1.6 في المئة. ومن المتوقع أن يتباطأ معدل النمو الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة دون بريطانيا، إلى 1.5 في المئة هذا العام انخفاضا من 2.1 في المئة في 2018 فيما من المتوقع أن يبلغ معدل نمو التكتل 1.8 في المئة في العام المقبل. والتباطؤ الذي توقعته المفوضية أسوأ من الذي تنبأ به البنك المركزي الأوروبي في أحدث تقديراته التي صدرت في كانون الأول/ديسمبر الماضي والتي قدرت نسبة النمو في منطقة اليورو بنسبة 1.7 في المئة هذا العام. وفي عامل قلق إضافي للمركزي الأوروبي، توقعت المفوضية أن يبلغ معدل التضخم في منطقة اليورو هذا العام 1.4 في المئة وهو ما يقل عن توقعات البنك للتضخم عند 1.6 في المئة وبعيداً عن المستوى المستهدف من البنك قرب 2 في المئة.